بعيداً عن الأهوال الايديولوجية، هكذا فهمت، فلسفياً، الاسلام : أن يفتح أبواب الزمن أمام العرب!!

ثم ما لبث العرب أن اقفلوا أبواب الزمن بحجة الحيلولة دون الاسلام والاضمحلال. النتيجة اضمحلال الاسلام، واضمحلال المسلمين...

أما وقد عدنا الى ما قبل الكائنات البشرية (ما رأيكم بمصطلح... الكائنات اللابشرية؟)، نسأل : بماذا يتميز الكوريون عن العرب ليتحولوا، في مدة قياسية، الى المراتب الأولى في الصناعات التكنولوجية والتكنوالكترونية؟

لا بأس، والكوريون يغزون حتى الأسواق الأميركية، من استعادة ما كتبناه، سابقاً، حول تقرير البنك الدولي، عام 1964، الذي اعتبر أن شبه الجزيرة الكورية منطقة ميؤوس منها، أي منطقة ميتة، كونها تفتقر الى الموارد البشرية والموارد الطبيعية.

لا نتصور أن الكوريين وصلوا الى ما وصلوا اليه، بالصلوات، وبالأدعية، التي تلعلع عبر مكبرات الصوت (وهي أحد تجليات الزمن الميت). حتى أن الشماليين الذين جعلهم الحصار يأكلون الأعشاب اليابسة، صنعوا القنبلة الذرية، والقنبلة الهيدروجينية، كما أثاروا ذهول المختبرات الأميركية بتقنيات الصواريخ الباليستية.

من المحيط الى الخليج، مواقع جيوستراتيجية فائقة الحساسية (متى نستعيد جبل طارق؟)، ملايين المتخرجين من أرقى الجامعات العالمية، الثروات النفطية، وحتى الزراعية، المترامية. بالرغم من ذلك، ما زال العرب يبحثون عن ملاذ في سراويل القناصل.

اقتصادات ريعية، توتاليتاريات سياسية تتولى برمجة الرعايا ليكونوا مجرد أكياس فارغة. هكذا قد ننتقل، باشارة من أصابع أولياء أمرنا، من ابن تيمية وأبي الأعلى المودودي الى الفيس بريسلي والليدي غاغا أو بالعكس.

لن نسأل عن اينشتاين العربي. في اسرائيل، اليهودية، بالقاعدة التوراتية، قد تكون الايديولوجيا الأكثر تجهماً، والأكثر شبقاً للدم. بالرغم من ذلك تمكنت من ارساء ديناميات التفاعل بين الضرورة الايديولوجية والضرورة التكنولوجية.

ما يبعث على الصدمة أن مفكرين، وأكاديميين، عرب يراهنون على تحوّل في مسار الكرة الأرضية. بدل الأمبراطورية الأميركية الأمبراطورية الصينية التي نستضيفها في عقر دارنا حتى قبل منتصف القرن. الجنس الأصفر يحل محل الجنس الأبيض. هللوا...

لعبة المصالح (ونحن... شاهد ما شافش حاجة)، تبقى هي هي. لا تبحثوا عن القيم في رأس التنين. التعاون بين بكين وتل أبيب على قدم وساق. هذا ما أثار حنق دونالد ترامب، وما لبث أن تراجع أمام التكشيرة الاسرائيلية، بعدما طلب من بنيامين نتنياهو الحد من التغلغل الصيني في المؤسسات الحساسة. الصين اياها التي تلعب على كل المحاور الاقليمية.

فارق هائل بين النموذج الصيني والنموذج الأميركي الذي تشكل من الاندماج الخلاق بين حضارات، وثقافات، وأمزجة، كل أمم الأرض. قلنا، الولايات المتحدة فرضت على البشرية اسلوب حياة، وفلسفة حياة. تبدأ بالكوكا كولا وتنتهي بالانترنت، مروراً بالروك اند رول، والهوت دوغ, والجينز. لا تنسوا مولانا الجليل... الدولار!

الكل يتحدث عن الصدام الحتمي بين الجنس الأبيض (بمفهوم دونالد ترامب) والجنس الأصفر. الصينيون يمضون، تكنولوجياً، بخطى حثيثة، بل ومذهلة. الكتاب الأبيض الذي نشر، أخيراً، يظهر مدى التركيز على تطوير المؤسسة العسكرية. صحيفة «وول ستريت جورنال» توقفت أكثر من مرة عند «أصحاب العيون الضيقة الذين يحفرون الأنفاق تحتنا».

الصحيفة حذرت من أن يحتل «اليوان» المرتبة الأولى على شاشات نيويورك، ولندن، وفرنكفورت، وسنغافورة، اضافة الى الشاشات الأخرى في العالم.

هذا ما حمل باراك أوباما على طرح ورقته الاستراتيجية لمنتصف القرن. الانتقال من الشرق الأوسط الى الشرق الأقصى، ومن ضفاف الخليج الى ضفاف الباسيفيك.

ها أن الرئيس الأميركي الذي قاد انقلاباً ساحقاً ضد سلفه الأسود، يعلن اعتزامه نصب صواريخ في آسيا عشية توجه وزير خارجيته مايك بومبيو الى ميكرونيزيا. جزر ضائعة، لكنها تمتد على مسافة 2287 كيلومتراً في المحيط الهادئ، ما يتيح انشاء قواعد مثالية الى أن تدق ساعة المواجهة.

ماذا أعدّ العرب (الاعراب) لاحتواء تداعيات الانفجار؟ لا شيء على الاطلاق. صراعات قبلية، حروب عبثية، ثروات تتلاشى على نحو دراماتيكي. ثقافة فيفي عبده لا ثقافة وادي السيليكون. بالأحرى ثقافة الفقهاء في أحوال الآخرة لا ثقافة العلماء في أحوال الدنيا.

حتى في السياسة، حتى في الاستراتيجيا. طريق العرب طريق الغيب، طريق الغياب، وطريق الغيبوبة.

أين هي الدولة العربية المؤهلة للتعامل الديناميكي مع ايقاع القرن؟ مصر مثقلة بأزماتها، وبالانفجار الديموغرافي المروع. سوريا تحتاج الى عقدين لاعادة اعمار ما دمرته أيدي البرابرة. العراق الذي لامس، ذات يوم، القنبلة النووية، على فوهة بركان. البركان المبرمج على الساعة الاقليمية والدولية. انظروا الى البصرة، وكانت لؤلؤة الخليج، كيف أضحت مدينة مكفهرة، خربة، وأشبه ما تكون بالمقبرة.

الايرانيون يتقنون اللعب، تكتيكياً واستراتيجياً، بالطاقة البشرية، وبالارادة الحديدية، فضلاً عن الموقع المميز بين الداخل الآسيوي والمياه الدافئة. الأتراك، بالبحار الأربعة، هم كذلك.

العرب أين، وأين جامعة الدول العربية، صاحبة الفضيحة الكبرى، الفضيحة الجهنمية، بتعليق عضوية سوريا؟ كيف للكائنات اللابشرية أن تبني قوة عظمى؟ أحمد أبو الغيط، عاشق الشيشة، يتابع أحوال العرب عبر دخان الشيشة...

خلل جيني، وخلل بنيوي، وخلل في قراءة الأزمنة. لا ورثة لزرقاء اليمامة. اذاً، العودة الى محمد الماغوط: ندخل الى القرن كما تدخل ذبابة الى غرفة الملك!!