أزمة اقامة سدّ في مرج بسري مستمرّة، ويبدو أنّ أفقها مسدود، أقلّه في المدى المنظور، ويتمسّك رافضو المشروع بدراسات و أبحاث علميّة عالمية تؤكّد مخاطر انشاء السدود وآثارها السلبية على المناخ والطبيعة.

فللسدود تأثير بالغ على تغير المناخ في المناطق المقامة بها، خصوصاً في المناطق القريبة. إذ تبعث المواد العضوية المتعفنة بخزانات السدود غازات سامّة ما يؤثر بشكل بالغ في المناخ. فقد تبيّن أنّ الخزانات المائية الكبرى التي تخلقها السدود، تؤدي إلى تأثيرات سلبية هامة على دورة الكربون الكونية وعلى نظام المناخ العالمي. وهذه الحقيقة العلمية تفترض مزيداً من اهتمام الحكومات والمسؤولين والقيّمين على الملفّ.

وفي السنوات العشر الماضية، قامت الولايات المتحدة الأميركية بإزالة 700 سد، ما أدّى لاحقاً الى نتائج ايجابيّة جدّاً على صعيد التنوع الحيوي والمنظومات البيئية، واستعادتها لعافيتها.

وقد اظهرت الاحصاءات أنّ السدود مسؤولة عن 23% من انبعاثات «الميثان»، أي أنّها تُشكّل المصدر الفردي الأكبر لانبعاثات الميثان من مصادر مرتبطة بالنشاط البشري.

كما نُشرت دراسة أجرتها جامعة الدولة في واشنطن «Washington State University» تُبيّن أنّ السدود تسبّب في تغيير المناخ، وأنّها لا تُشكّل مصدراً للطاقة النظيفة، بل هي مصدر هام جداً لانبعاثات غازات الدفيئة.

وتدلّ دراسات أخرى على أن بحيرات السدود تؤدّي الى انبعاث فقاعات تتكون من غازات الدفيئة المسببة للتغير المناخي. وهي تحتوي على غاز ثاني أوكسيد الكربون «CO2» وغاز الميثان «CH4» وغاز أوكسيد النيتروز «N2O»، حيث تكون ذائبة في الماء، وتنتشر في الهواء. فالموادّ العضويّة والنباتات والترسبات والتربة، التي تصل الى خزانات وبحيرات السدود عبر الانهار والمجاري المائيّة، حالما تتفكّك، تُطلق غازات الدفيئة الاكثر قوّة في التسبب بالاحتباس الحراري وبالتالي بالتغيّر المناخي. كما تُشير الأبحاث والتقارير ايضاً الى انّ انبعاث غاز الميثان لم يعد مقتصراً على المناطق الاستوائيّة، بل في كلّ المناطق التي تضمّ سدوداً في العالم.

وأمّا بالنسبة لغاز الميثان، فهو يتكوّن بفعل نشاط الميكروبات اللاهوائية في المستويات الدنيا للخزانات المائية للسدود، وتفكيك المواد العضوية والترسبات المتراكمة التي تنقلها الأنهر والمجاري المائية. ويُعتبر أقوى ب 34 مرّة من ثاني اوكسيد الكربون في القدرة على التسبب بالتغير المناخي بحيث كل متر مربع واحد من سطح خزانات مياه السدود يطلق كميات من غاز الميثان أكثر بـ 25 بالمئة مما كان يعتقد سابقاً.

ومن المخاطر التي قد تشهدها المنطقة ايضاً، الجفاف خصوصاً وأنّ لبنان بلد يُعاني من عدم استقرار في المناخ، وارتفاع درجات الحرارة وتراجع نسبة المتساقطات والثلوج، وبالتالي فإنّ مردود التخزين في السدود من المتوقّع أن يكون منخفضاً.

هذا بشكل عامّ، وأمّا بالانتقال الى غنى وتنوّع مرج بسري المهدّد بالدمار في حال أُقيم السدّ، فهو عبارة عن ثروة حرجية تتشابك مع نشاطات زراعية المتنوعة، وتكثر فيها الحقول والبساتين الزراعية بالإضافة إلى مروج وغابات الصنوبر وأشجار القصب والصفصاف التي تنمو على ضفاف النهر، كما تُحيط أشجار السنديان والسرو بالأراضي الزراعية وتصطف البيوت الزراعية البلاستيكية في حقول السهل. وهذه الطبيعة المتميّزة هي نتاج مشترك للعوامل الطبيعية والممارسات الزراعية، وقيمة ثقافية وتراثية، كما لها المساهمة الكبيرة في تلطيف المناخ واعتداله.

كما يتميّز التنوع البيئي كونه يشمل الثروتين الحيوانية والنباتية، وللأسف، ستتعرّض كليهما الى التخريب، خصوصاً وأنّ بناء السدود يترافق في غالب الأحيان مع قطع الغابات، وتدمير الأراضي الزراعية وهكتارات واسعة من البساتين والأراضي الزراعية.

لذلك من الضروري جدّاً أخذ كلّ هذه المعطيات بعين الاعتبار قبل أن يُصار الى تدمير هذه الثروة الحرجيّة وتعريض منطقتي الشوف وجزين لخطر تغيّر مناخيّ لن تكون العودة عنه ممكنة.