نبيه البرجي

«الرئاسة حلوة الرضاعة مرّة الفطام» قال محيي الدين بن عربي .

ضاحكاً، قال لي رئيس جمهورية سابق، حين كنت أبحث عن وجهه الآخر «ظننت كما لو أن قدماي بقيتا هناك «. البعض لم يترك حتى اثراً لقدميه (أو لرأسه) في القصر.

أيها السيد القصر...

من يصنع الرؤساء في لبنان؟ لم يعد هناك كمال جنبلاط ليقول، في منزل نجيب جنبلاط وأمام الرئيس كميل شمعون والملك سعود بن عبد العزيز، «قلنا لذاك زل فزال، وقلنا لغيره كن فكان»، قبل أن يستدرك، في وقت آخر، «أنا لست بصانع الرؤساء، وانما أختار بين السيئ والأسوأ. لا أكثر ولا اقل».

هل من «الجنس العاطل» من هنا ندرك لماذا تحدث وليد جنبلاط عن جنس ممتاز في ذلك اللبنان؟

رئيس الجمهورية لم يكن، يوماً، صناعة لبنانية. حميد فرنجية (الفرنسي) نام رئيساً للجمهورية، ليستفيق على (الانكليزي وفتى العروبة الأغر) كميل شمعون رئيساً للجمهورية.

أي رئيس تصنعه التسويات الاقليمية والدولية. لعل البعض يذكر اسماء من قبيل ريتشارد مورفي، والأخضر الابراهيمي، وعبد الحميد غالب، وعلي الشاعر، وغيرهم وغيرهم...

الآن، زمن التسويات المستحيلة. البعض يقترح، وقائياً، تعديل الدستور ما يتيح لرئيس الجمهورية البقاء في منصبه لحين انتخاب الخلف. لا أحد يتوقع وقفاً للصراعات القائمة في غضون السنوات القليلة المقبلة. احتمالات كثيرة تبدو في الطريق. لا رئيس جمهورية أم لا جمهورية؟

هذا هو السؤال الكبير. المشكلة ألاّ مجال لازالة لبنان، أو لالحاق جزء منه بسوريا والجزء الآخر باسرائيل. كل الخرائط في المنطقة مهددة، باستثناء الخارطة اللبنانية. توطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين لا يعني تغيير الخريطة وانما تغيير الصيغة. اذاً، أيام جراحية. لا احد يعلم اين تمضي بنا الرياح. ربما... النيران.

لبنان باق ما بقي المسيحيون. من أجلهم ولد لبنان، ومن اجلهم يبقى لبنان. في رسالة البابا لاون العاشر الى البطريرك الماروني شمعون نشكر القدر الالهي اذ شاء، «الحدثي، في العام الأخير من حكم المماليك بحلمه العظيم، أن يبقى عبيده المؤمنون من بني الكنائس الشرقية، الكل في لبنان. «مصانين وسط الكفر والبدع كالوردة بين الأشواك». تحولوا الى أشواك...

الواقع الاقليمي يرخي بأثقاله على المشهد الداخلي. الايرانيون والسعوديون نجحوا، الى أبعد الحدود، في تحويل الصراع الجيوسياسي الى صراع مذهبي. الاختلاف لم يعد بين المسيحيين والمسلمين ليكون هناك الميثاق الوطني (1943)، ولتكن هناك وثيقة الطائف (1989). المواجهة حالياً بين السنّة والشيعة.

الصراع الأبدي حول القبور، وداخل القبور. كل ما يكتب، وكل ما يقال، يشي بتبدل دراماتيكي في المسار الفقهي. الديانة السنية حلت محل المذاهب السنية. الديانة الشيعية حلت محل المذهب الشيعي. النزاع لا يقتصر على الفروع. تجاوز ذلك الى الأصول. هذه حقيقة صاغها فقهاء العصر. الفجوة (بين القبور) تزداد اتساعاً. لا مجال للاختباء وراء لحانا أو وراء أسناننا.

لاحظوا كيف تتفلت مكبرات الصوت من عقالها. تعميق التصدع الايديولوجي (ولنفل التصدع الجيولوجي) بين الفريقين. كيف لهما والمساكنة على الأرض اللبنانية اذا ما بقي الصراع السعودي ـ الايراني على حاله، واذا ما بقيت مصر تتقمص شخصية أبي الهول أو، كما سبق وقلنا، شخصية... فاتن حمامة؟

الحد الفاصل بين السنّة والشيعة هو الكراهية. صراع الكراهيات، «الثابت والمتحول» وصراع الجاهليات. كنت أعيد قراءة مجموعة ألاّ انّ... «لأدونيس حين عثرت على قول لعلي بن ابي طالب في أنصاره ما يعني أن العرب عادوا، «بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله بنبيكم الى الجاهلية. وما زالوا هناك. لعنة البسوس، الشاعرة الجاهلية التي ضرب المثل بشؤمها...

أين المسيحيون هنا، واين رئاسة المسيحيين؟ رئاسة الجمهورية بدت وكأنها استعادة فولكلورية لقصة الأرنب والسلحفاة. الأرنب لا يصل. من هو الأرنب في هذه الحال؟

قلنا، لا امكانية لتسويات وشيكة. حتى وان حيل دون الانفجار الكبير باتصالات تكرس الستاتيكو. من المستحيل قراءة الاحتمالات حتى على المستوى النظري. اذاً، ابحثوا عن رئيس للجمهورية خارج المسار الكلاسيكي للصراع...

رئيس حكومة سابق اتصف بالحكمة، وبالرزانة، وبالاستقامة، سأل: ممّ يشكو جان عبيد؟ هو رجل الحنكة الاستثنائية، والثقافة الاستثنائية، والدماثة الاستثنائية. منذ أن كان الشيخ صباح الأحمد الصباح وزيراً للخارجية وهو يقول أنه يستمتع بالاصغاء الى اثنين من لبنان... محمد مهدي شمس الدين وجان عبيد.

الساعة المقبلة، ان بقيت عقارب الساعة مكانها، ساعة الشمال. جبران باسيل أم سليمان فرنجية أم جان عبيد أم سمير جعجع؟ لا أحد يمكنه قراءة اتجاه الرياح، ولا اتجاه النيران. الثابت أن الطائفة المارونية لا تخلو من أولئك النجوم الذين خارج التعليب السياسي، أو خارج التعليب الطائفي. هنا قوة العقل لا قوة القاعدة. قوة الداخل التي تعي ما هي مصلحة لبنان واللبنانيين، لا قوة الخارج التي تحوّل رئيس الجمهورية الى دمية بين أيدي القناصل.

لحظة السباق لا تزال وراء الأفق. اللحظة اياها تحتاج الى العقل البارد، والى الأعصاب الباردة. اصحاب العقول الحامية، والأعصاب الحامية، قد يسقطون، تباعاً، في أول الطريق...

الى اشعار آخر، نحن في ردهة الانتظار (ثلاجة الانتظار). ما تلك الحرائق التي تظهر من النافذة؟!