بولا مراد

لا شكّ أن عملية التفجير الغامضة التي استهدفت ناقلتي النفط في بحر عمان، أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد، مرحلة مفتوحة على كلّ الاحتمالات، بما فيها المواجهة العسكرية، بعدما ذهبت الولايات المتحدة الأميركية بعيداً عبر اتهام إيران بالوقوف وراء الهجوم، قبل أن تنتظر نتائج التحقيق في الحادث، ومن دون أن تأخذ بالاعتبار أن البحرية الايرانية هي من سارعت الى انقاذ طاقم السفينتين المنكوبتين واسعافهم.

ثمة دول أخرى غير الولايات المتحدة استغلّت الحادث، وراحت تشجّع على ردّ يستهدف إيران بـ«ضربات تأديبية»، حتى لو قادت هذه الضربات إلى حرب واسعة وشاملة، وفي مقدمة تلك الدول إسرائيل وبعض البلدان العربية، التي أبدت استعدادها للانضمام إلى حلف عسكري واسع يواجه ايران، الا أن هذه الدول بالغت في اندفاعتها، إذ رأت مصادر دبلوماسية أن الولايات المتحدة «غير مستعجلة أو مستعدّة لتوجيه ضربات أو الدخول في حربٍ نيابة عن الآخرين». وأكدت أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ورغم حراجة الموقف الذي وضعت نفسها فيه، ليس في أجندتها أبعد من الحرب الاقتصادية أقلّه في هذه المرحلة، وهي تدرك تماماً الكلفة المدمرة لأي انزلاق نحو الحرب، وتعرف أيضاً أن أي ضربة تطال ايران ومصالحها مباشرة، ستلقى ردّاً موجعاً». وبرأي المصادر الدبلوماسية فإن «الأميركي يأخذ على محمل الجدّ أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي ضربة تطال قواتها أو مصالحها، وأن التهديدات الإيرانية بضرب الأسطول البحري الأميركي المنتشر في دول الخليج جدّية للغاية، وهو يخشى فعلاً إغراقه في البحر، لذلك يلوّح بالقوة ولا يستخدمها».

أمام هذه التطورات المتسارعة، هل تكتفي الولايات المتحدة بعرض العضلات من دون أي ردّ يذكر، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟، تؤكد مصادر متابعة أن الأميركيين «قد يلجأون إلى ردّ موضعي محدود يبقي الأمور تحت السيطرة، لكن ليس ضدّ ايران مباشرة، بل باتجاه حلفائها في المنطقة، وتوقعت المصادر أن يكون «الردّ الأول بجرعة دعم قوية للتحالف العربي لتوجيه ضربات موجعة للحوثيين في اليمن، وبإعطاء الضوء الأخضر «للإسرائيليين»، بشنّ ضربة أو أكثر تطال حزب الله سواء في جنوب لبنان أو على الأراضي السورية، وتكون هذه العمليات مضبوطة على ساعة توقيت الأميركي وعلى ايقاعه، بحيث لا يسمح بتوسّع رقعة الاشتباك خارج الأطر المرسومة بدقّة».

هذه الفرضية تبدو قابلة للتحقق، برأي مصدر سياسي لبناني، وأشار الى أن لبنان يجب أن يكون في حالة ترقّب وعلى أعلى مستوى من الجهوزية في هذه الأيام، ولفت الى أن «بنيامين نتنياهو المأزوم انتخابياً، والمهدد بالطرد من جنّة الحكم في الدولة العبرية، سيكون أكثر المتحمسين لهكذا ضربات، خصوصاً إذا نفّذت بإيحاء أميركي وبتغطية من حليفه الأساسي دونالد ترامب، وهذا قد يكون ملائماً لرئيس وزراء العدو، وربما يعزز شعبيته وبالتالي ترجيح فوزه في الانتخابات الإسرائيلية المزمع اجراؤها في منتصف أيلول الماضي».

لكن هل يضمن نتنياهو بقاء الضربة في حدود رغبته وتمنياته؟، بالتأكيد كلا، إذ تشدد مصادر مقرّبة من حزب الله أن «الوقائع على الأرض لا تجعل المبادرة بيد «الإسرائيليين» وحدهم، وهذا يعيد الجميع للخطابات الأخيرة للسيد حسن نصرالله، التي حذّر فيها «الإسرائيليين» من خطأ في الحسابات، وعدم استسهال ردّ المقاومة على أي حماقة، وذكّر بأن أي مواجهة مقبلة ستكون على الأرض العدو وليست على الأراضي اللبنانية». ودعت المصادر الى «قراءة تقارير أهم الكتاب العبريين، التي أجمعت على أن «الجيش الإسرائيلي» ليس في حالة معنوية ونفسية تتيح له الانخراط في حرب سيخرج منها خاسراً لا محالة، وقد تكون أكثر ايلاماً ومرارة من حرب تموز 2006».

وفيما يتحدّث الاعلام «الإسرائيلي» عن كابوسين يقضّان مضاجع جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأول قائم على احتمال أن يخوض الاشتباك مع مقاتلي حزب الله في الجليل، والثاني صوت السيّد نصرالله الذي يتردد في آذانهم، والذي توعّد فيه باستهداف مفاعل ديمونا النووي، وإطلاق حوالى 2000 صاروخ يوميأً، لا يزال الجدل قائماً في مركز القرار لدى الكيان الصهيوني، الذي سلّم بأن القبّة الحديدية غير قادرة على التصدّي لهذا الكمّ من صواريخ الحزب التي ستضرب أهدافاً استراتيجية في عمق «اسرائيل»، وثمة اعتراف «إسرائيلي» بأن نصف هذه الصواريخ ستخرق القبة الحديدية وتصيب أهدافها، بدليل أن منظومة الدفاع الصاروخي «الإسرائيلي» لم تقو على اسقاط الصواريخ الآتية من غزّة، فكيف لها أن تتعامل مع منظومة الصواريخ الدقيقة التي يمتلكها «حزب الله»؟.

من هنا يصعب على قيادة قوات الاحتلال أن تغيّر موقف الجمهور «الإسرائيلي»، الذي يثق بصدقية كلام السيد نصرالله أكثر من كلام قيادتيه السياسية والعسكرية، وهو ما يكرّس معادلة ثابتة تقول «إن أي حربٍ مقبلة مع لبنان، ستغيّر وجه المنطقة، وستكون الحرب الأخيرة».