نبيه البرجي

الايرانيون يثقون بالألمان. أذهلتهم انتهازية الفرنسي لوران فابيوس عشية، وغداة، توقيع الاتفاق النووي. الانكليز شيء آخر. محمد حسنين هيكل قال «تحتار ما اذا كانت الديبلوماسية البريطانية تصاغ بأصابع الشيطان أم بأصابع السيد الشيطان».

الألمان؟ الايرانيون يعتبرون أنهم والألمان ينتمون الى أصل واحد. كيف تمكن المواءمة بين حائكي السجاد وقارعي الطبول؟ هذه أمة الالتباس الخلاق. الأمة التي انتجت بيتهوفن وبيسمارك. التي انتجت هيغل وهتلر. التي انتجت كانط ونيتشه.

زمن الأيام الصاعقة انقضى في ألمانيا. الديبلوماسية الألمانية تاثرت كثيراً بمدرسة كليمنت ميترنيخ (البحث عن التسويات حتى داخل الجدران). الآن، البحث عن التسويات داخل المستحيل.

باحترام شديد استقبلت طهران وزير الخارجية الألماني هايكو ماس. لم يكن باستطاعة محمد جواد ظريف أن يقول «لكأنه الركض وراء الثعالب». هنا زائر متزن، ويتماهى كثيراً مع رؤية انغيلا ميركل للعلاقات الدولية «العالم بحاجة الى أيدينا لا الى فؤوسنا».

المستشارة أبدت، أكثر من مرة، استغرابها أن يظهر في البيت الأبيض رجل كما لو أنه خارج للتو من أحد الكهوف. هل تحتاج أميركا الى كل ذلك الجنون لتكون (أو لتبقى) «أميركا العظمى»؟ في أكثر من حديث، قالت ميركل «ان الكرة الأرضية متعبة، متعبة، وهي تحتاج الى من يضع الوسادة، لا القنبلة، تحت رأسها».

في طهران، تصرف هايكو ماس كصديق يملك صلاحية أن يرفع الصوت أحياناً. لا أحد يمكنه قتل، أو ترويض، الشمبانزي تحت ثياب دونالد ترامب. اذاً، الطريقة المثلى أن ننتظر ما تقوله صناديق الاقتراع في العام المقبل. ما يستشف من تقارير الصحف الألمانية، استناداً الى معلومات استخبارية دقيقة، أن ترامب لن يبقى لأربع سنوات أخرى، «لكنه سيترك صراخاً كثيراً وراءه».

لا مجال لاغفال الهشاشة الفرنسية، ولا المراوغة الأنكليزية. تحدث بمنتهى الصراحة عن «الدب الأميركي» الذي يجثم على صدر القارة العجوز. ماذا باستطاعة الحكومات أن تفعل اذا كانت الشركات، والمصارف، ترتجف أمام الاله الأميركي؟ بنك «باري با»، كمثال، لا يزال ماثلاً للأنظار. سبعة مليارات دولار غرامة لوزارة الخزانة الأميركية.

هذا هو الشكل القاتل لـ«الامبريالية». في كتابه «التحدي الأميركي» الذي صدر عام 1967، قال جان ـ جاك سيرفان ـ شرايبر ان من بين 500 شركة كبرى في أوروبا، هناك 340 شركة أميركية. لم يجد حلاً سوى « أن نكون أميركيين».

منذ نحو نصف قرن، لاحظ كيف أن الولايات المتحدة التي تتجه، بايقاع اسطوري، الى ما بعد التكنولوجيا، «قد تتركنا على مسافة هائلة وراءها اذا لم نتعلق بأذيالها».

الديبلوماسية الألمانية، منذ كونراد اديناور وحتى انغيلا ميركل، لم تكن يوما ديبلوماسية العربة الأخيرة في القطار. بأصابع غليظة تعاطت مع الكرملين. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، كان الألمان يأملون باعادة هيكلة النظام الدولي. جورج بوش الأب أصر على أحادية الاستقطاب. دونالد ترامب، بذهنية وحيد القرن، انما يتحدر من نظام وحيد القرن.

حالياً، الديبلوماسية الألمانية تتقاطع مع الديبلوماسية الروسية حيال أزمات الشرق الأوسط. فلاديمير بوتين يرى أن التهدئة تبدأ من اليمن. يفترض، في الحال، اقفال هذه المقبرة.

الكل تلطخت أيديهم في تلك الدوامة العبثية. الدولة البائسة تحولت الى شظايا سياسية، وقبلية، وجغرافية. لم يعد اليمن يصلح لا كمسرح تكتيكي، ولا كمسرح استراتيجي. المشكلة أن المنحى الدموي، الصاخب، للصراع يحدث تداعيات سيكولوجية تحول دون العودة الى القفازات الحريرية.

لا بد من اعداد ردهة المفاوضات. الانكليزي مارتن غريفتس يستغرب كثيراً حين يتهمه عبد ربه منصور هادي بالانحياز الى الحوثيين. علّق «انحيازي فقط لوقف التراجيديا». المسألة تحتاج الى ديناميكية ديبلوماسية مختلفة. بوتين يتحرك. مؤشرات على تجاوب مبدئي. اذا هدأت في اليمن قد تحدث ثغرة في الصراع. ولكن هل ثمة أزمة واحدة على أرض اليمن؟

كما الحرب تضيع بين تلك التضاريس اللامتناهية، السلم يضيع بين تلك التضاريس اللامتناهية. على الأقل هدنة لثلاثة أشهر، أو لستة أشهر، يمكن أن تفضي الى احداث مناخ أفضل. هذه هي الرؤية الروسية الآن. الهدنة بضوابط شفافة، وفاعلة، لا استراحة المحارب بانتظار تدفق السلاح من كل حدب وصوب.

الأولوية الآن لوضع الرؤوس في الثلاجة. الألمان يتوجسون من دونالد ترامب الذي قد يحتاج الى التصعيد بالنار مع انطلاق الحملة الانتخابية. يمكن أن يفتعل أي حادثة للتفجير، ولوضع البنتاغون أمام الأمر الواقع. المتشددون في ايران يرون في العقوبات المتلاحقة بمثابة الضربات على الرأس وليس على الظهر.

معاناة الناس تفوق التصور. هذا لا بد أن يحدث تصدعات سوسيولوجية مروعة تنعكس، تلقائياً، على البنية الفولاذية للنظام.

المتشددون يستذكرون التعليق الشهير في الأيام الأخيرة من الثورة حين بدأ «الخالدون»، أي الحرس الأمبرطوري، في التفكك على نحو دراماتيكي. «حتى الخالدون يتهاوون». المصطلح كان شائعاً ومقتبساً من تسمية «العشرة آلاف الخالدون»، أو «الفرس الخالدون» التي اطلقها هيرودوت على قوة خاصة من الجنود الذين كانوا يقاتلون تحت لواء الأمبراطورية الأخمينية. هذا هو هاجس أصحاب الرؤوس الساخنة في ايران.

بعد وزير الخارجية الألماني، رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في طهران. الايرانيون يصغون الى الاثنين بدقة واحترام. اياكم أن تعطوا دونالد ترامب الورقة الذهبية (الورقة القرمزية) التي يحتاجها للبقاء حيث هو الآن.

ايران تفكر. هذا وقت لحائكي السجاد بين ديبلوماسية السوبرمان وديبلوماسية الساموراي...