بولا مراد

أسقط رئيس الحكومة سعد الحريري كل رهانات إسقاط التسوية السياسية، ومحاولات العودة بالبلاد الى ما قبل 30 تشرين الأول 2016، وقطع الطريق بعد عودته الى بيروت على المراهنين على مجازفة الاستقالة التي تقود البلد الى الانهيار، كما فوّت الفرصة على أحلام الساعين الى وراثة موقعه الرسمي.

ولا تخفي مصادر سياسية أن «رسائل الحريري موجّهة للأقربين قبل الأبعدين، وهو أراد بذلك احتواء غضب الشارع السنّي، وطمأنته الى اعتماد سياسة جديدة للتعاطي مع الشركاء وخصوصاً التيار الوطني الحرّ وجبران باسيل، من موقع القوّة وعدم التفريط بصلاحيات رئاسة الحكومة، ووضع النقاط على الحروف، عبر المواقف القوية التي عبّر عنها بلغة هادئة». وتؤكد المصادر أن رئيس الحكومة «عازم على رسم خريطة طريق للنصف الثاني من عمر التسوية الذي ينتهي بانتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في خريف العام 2022، تعيد اليها التوازن المفقود، وتعيد وصل ما انقطع بينه وبين الحلفاء التقليديين، خصوصاً «القوات اللبنانية» والحزب التقدمي الاشتراكي، مع رغبته ضخ الدم مجدداً بشرايين العلاقة المجمّدة بين الحريري وقيادات «14 آذار» التي انفضت من حوله، منذ أن تفرّد سعد الحريري بخيار التسوية».

ورغم محاذرة الحريري الردّ بطريقة صدامية ومباشرة على الشخصيات السنيّة المنتقدة لأدائه الأخير، سواء رؤساء الحكومة السابقون تمام سلام ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة، عبر بيانهم القوي اللهجة، والذي مارسوا عبره لعبة البلياردو، حيث صوّبوا على تمادي باسيل، ليصيبوا تراخي الحريري وانكفاءه أمام اندفاعة رئيس التيار الحرّ، بالإضافة إلى موقف النائب نهاد المشنوق من دار الفتوى، وبعض الأقلام والمقالات التي نشرها كتاب واعلاميون يدورون في فلك التيار الأزرق، والتي أحرجت رئيس الحكومة الى أبعد الحدود، جاء ردّه بليغاً بقوله «اللي مفكّر موقفي ضعيف رح فرجيه وين القوّة».

هل تنجح مواقف الحريري في تغيير بوصلة الوزير باسيل؟، وهل اقنتع رئيس الجمهورية بأن نجاح عهده يحتاج الى تعاطٍ مختلف مع رئيس الحكومة؟ مصادر تيار «المستقبل» تؤكد أن «المرحلة المقبلة ستثبت أن الحريري هو رئيس السلطة التنفيذية، ولن يسمح لأحد بالتطاول على صلاحياته، وأن باسيل هو وزير في حكومة يرأسها سعد الحريري ومسؤول عن أدائها وسياستها». وتشير المصادر الى أن رئيس الحكومة «ليس عاجزاً عن قلب الطاولة عبر الاعتكاف أو الاستقالة، لكن هكذا خطوة ستطيح البلد والاستقرار الأمني والاقتصادي والمالي، والحريري لم يتعوّد الهروب عند المفاصل الحساسة من عمر الوطن، وهذه الشجاعة ورثها عن والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو مؤتمن على هذه المسؤولية التي حمّله إياها الناس من خلال الانتخابات النيابية».

ورغم الأجواء المريحة التي طبعت مواقف الحريري، وبددت جزءاً من التشنّج القائم، والردّ عليها بالمثل من قبل باسيل الموجود في الخارج، الذي وصف كلام رئيس الحكومة بـ «الإيجابي»، وشدد على «التمسك بالتسوية وتحصينها وعدم السماح لأي كان بتخريبها»، فإن مصادر «المستقبل» واصلت انتقادها لمواقف رئيس التيار الوطني الحرّ التي صدرت في الأسبوعين الأخيرين، وأشارت إلى أن «التسوية باتت بحاجة الى ترميم، وتقويم الخلل الذي أصابها من أهل البيت، ومن يفترض بهم أن يكونوا الأكثر حرصاً عليها لإنجاح عهد الرئيس ميشال عون، وأن يكونوا شركاء فاعلين في عملية بناء البلد». وعبّرت عن أسفها لأن «يكرّس هؤلاء موقعهم في السلطة للصراع على الحصص، وزرع الأزلام والأتباع في مؤسسات الدولة، والاستئثار بالتعيينات والوظائف العامة، وكأن الدولة مجرّد جوائز ترضية وهدايا تقدّم للمقرّبين من هذا الفريق أو ذاك، ونسف معيار العلم والكفاءة والنزاهة، وضرب أصول التوظيف الذي يجري عبر مجلس الخدمة المدنية».

وفيما خالف الحريري التوقعات التي تحدثت عن زيارتين يقوم بهما الى قصر بعبدا وعين التينة للقاء الرئيسين عون وبرّي، ووضعهما في صورة المواقف التي سيطلقها، آثر رئيس الحكومة مصارحة اللبنانيين، ومخاطبة شارعه الذي ينتظر كلاماً صريحاً يجيب عن الأسئلة المتزاحمة في مخيلته. وقالت مصادر مقربة من الحريري أن «تقديم المؤتمر الصحافي على زيارة القصر الجمهوري ومقرّ الرئاسة الثانية، لا يقلل من احترام رئيس الحكومة للرئيسين ميشال عون ونبيه بري، وخصوصاً أنه تلقى إشارات مطمئنة من رئيس الجمهورية، لجهة تأكيد الأخير على استعادة المبادرة وإصلاح ما أفسدته مواقف صهره جبران باسيل خصوصاً حديثه عن السنيّة السياسية». ولفتت إلى أن «زيارة الوزير سليم جريصاتي الى دار الفتوى، واعلانه الصريح باسم رئيس الجمهورية الحرص الكامل على صلاحيات رئيس الحكومة في المعادلة السياسية، بدد جزءاً كبيراً ممن أجواء التشنّج التي كانت قائمة».

ما بين الكلام الاستيعابي للحريري، وتلقف الطرف الآخر مواقفه بإيجابية، يبقى الترقب سيّد الموقف، وخصوصاً أن الأطراف وضعت نفسها تحت مجهر الشعب اللبناني، الذي يرصد مدى ترجمة أقوالهم الى أفعال، وما إذا كان أولوية فرقاء الصراع إنقاذ الدولة أو تجدد الكباش على الحصص والمكاسب والصفقات.