دوللي بشعلاني

يُواصل مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد تحرّكه المكوكي بين لبنان والعدو الإسرائيلي بهدف البدء بعملية ترسيم أو تحديد الحدود البحرية، ويعود ساترفيلد الى لبنان مطل الاسبوع القادم، في الوقت الذي توقّع فيه العدو الإسرائيلي أن تبدأ المفاوضات بوساطة الولايات المتحدة الأميركية (من خلال ساترفيلد نفسه) خلال أسابيع. ويبدو أنّ المحادثات ستتناول الحدود البحرية، دون البريّة في المرحلة الراهنة، رغم تشديد لبنان على تلازم المسارين البحري والبرّي، علماً أنّ الترسيم البرّي حاصل ولا يحتاج سوى للتثبيت.

وينتظر لبنان ردود «اسرائيل» على الموقف اللبناني الرسمي الموحّد من مسألة الترسيم ليُبنى على الشيء مقتضاه، على ما أكّدت مصادر ديبلوماسية عليمة، مشيرة الى حصول تقدّم واضح في جهود تسوية النزاع الحدودي الذي طالما شكّل عنصر توتّر في المنطقة الجنوبية بين الجانبين. ولكن عندما يبدأ التفاوض ويضع العدو الإسرائيلي الشروط المضادة، لا بدّ من التوافق على الجهة المخوّلة على مناقشة حقوق لبنان، وإلاّ فإنّ التناقض سيبقى كلامياً. فالمشكلة في لبنان هو عدم التنسيق بين الجهات المعنية وعدم ترك الأمور التقنية للخبراء والفنيين للتفاوض بشأنها، بدلاً من معالجتها بشكل خاطىء أو من قبل السياسيين فقط. فاحتمال الخطأ وارد دائماً لا سيما مع العدو الإسرائيلي الذي يُراوغ بشكل مستمرّ ليستولي على حقوق الآخرين، بطريقة أو بأخرى، كما حصل في العام 2000، وفي العام 2008. فيما يُفاوض لبنان لكي يسترجع حصّته المشروعة القانونية في المنطقة الإقتصادية الخالصة من العدو الإسرائيلي. والخط العام للمفاوضات هو أنّ يجري الترسيم تحت إشراف الأمم المتحدة، وبوساطة الولايات المتحدة.

ويبدي العدو الإسرائيلي ليونة حول مسألة تحديد الحدود البحرية، لم يكن يظهرها سابقاً، على ما لاحظت الاوساط، وبعد أن كانت موضع نزاع في السنوات الأخيرة وذلك لأسباب ثلاثة، هي:

1- يريد العدو الإسرائيلي استثمار المنطقة البحرية التابعة له الى أبعد الدرجات، خصوصاً وأنّه اكتشف الآبار وبدأ بالحفر كما بالإنتاج. ولهذا فهو لا يودّ حصول أي مشاكل هو بغنى عنها في هذه المنطقة، ما يدفعه نظريّاً الى تفضيل التوصّل الى اتفاق مع لبنان. ويطرح حالياً مناقصات بشأن 19 منطقة امتياز بحري على شركات التنقيب والإنتاج، لكنّه يتجنّب طرح مناقصات في المناطق القريبة من الحدود المتنازع عليها. علماً أنّ منصّة نفط واحدة تُكلّف الشركة الملزّمة بين 90 و120 مليون دولار، فإذا لم تجد النفط أو الغاز مكان التنقيب فهي تتحمّل الخسارة. ولهذا فإنّ الشركات الملزّمة في المنطقة البحرية لا تخاطر بوضع منصتين أو ثلاث إذا لم تكن الأجواء هادئة في المنطقة وتسمح لها بالتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما.

2- ثمّة توازن رعب، فالأمين العام لـحزب الله السيّد حسن نصرالله صرّح مرات عدّة أنّه إذا كان «الإسرائيليون» سوف يمنعون لبنان من الحفر والتنقيب عن الغاز والنفط واستخراجهما من المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان المشروعة بموجب القانون الدولي، فنحن أيضاً سنمنعهم. وعندما يقول لبنان للعدو الإسرائيلي بأنّه إذا اعتدى على منصّة في المنطقة البحرية التابعة له فإنّه سيعتدي على منصّة لديها، فهو يفهم ذلك تماماً. وتوازن الرعب هذا يجعل إسرائيل تتجنّب إثارة المشاكل مع لبنان.

3- السبب الثالث لليونة هو «صفقة القرن». فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لديه مشروعه الكبير للمنطقة بكاملها، ويقوم صهره جاريد كوشنر بزيارة دول المنطقة للتسويق له. كما أنّ المؤتمر الإقتصادي الذي تعقده واشنطن في العاصمة البحرينية المنامة في 25 و26 حزيران الجاري يُناقش أيضاً هذا المشروع. وقد يكون هذا عاملاً مساعِداً على مسألة الإنفتاح أو إبداء الرغبة في التوصّل الى حلّ مع لبنان.

وعمّا إذا كان لبنان سيخرج رابحاً من المفاوضات بشأن ترسيم حدوده البحرية، أوضحت المصادر أنّه في حال وضعت الأمم المتحدة ثقلها في هذا الأمر، فمن الممكن كثيراً أن يخرج لبنان بنتائج جيّدة منها. ولكن ليس علينا أن نتوقّع من ساترفيلد أن يقوم بتسهيل مهمّتنا، سيما وأنّ ثمّة تحالفاً أميركياً - «إسرائيلياً» قائم. كذلك على الأطراف اللبنانية جميعها التنسيق فيما بينها لإراحة المفاوضين خلال إجراء المحادثات «غير المباشرة» مع العدو الإسرائيلي، سيما وأنّ الجميع يعلم بأنّ الولايات المتحدة تعمل لفكّ الفتيل في المنطقة لمصلحة «إسرائيل» وليس أحداً سواها.

وفي رأي المصادر، أنّ «إسرائيل» ستستغلّ المفاوضات التقنية التي ستجريها مع لبنان، فتقوم بتحويلها الى سياسية، سيما وأنّها تود أن يكون الوسيط الأميركي موجوداً مع إشراف الولايات المتحدة، كما تريد إشراك ديبلوماسيين في الوفدين اللبناني والإسرائيلي اللذين سيُكلّفان إجراء المفاوضات. في الوقت نفسه، ترى جيّداً المسار الإقليمي الذي يسير نحو محاولة تطبيع العلاقات معها خصوصاً من قبل دول الخليج التي تنادي بتطبيع العلاقات مع «إسرائيل». كذلك فالمؤتمرات التي تشهدها المنطقة تمهّد لقبول الناس لفكرة أنّ «إسرائيل» أصبحت واقعاً في المنطقة لا يُمكن إنكاره، وأنّه لا بدّ من تطبيع وإقامة سلام عادل معها.

في الوقت نفسه، تقول المصادر، بأنّه ثمّة مخاوف لدى البعض في الداخل اللبناني من الوساطة الأميركية التي وافق عليها لبنان في مفاوضات ساترفيلد الأخيرة، سيما وأنّ الأميركيين لا يقومون بما يضرّ بمصلحة «إسرائيل»، قد يحاولون إقناعها بأمر ما لكنّهم لا يضغطون عليها، كما أنّه ليس لديهم القدرة للضغط عليها، لإجبارها على القيام به دون سواه. وإذ يحاولون حالياً الضغط هنا وهناك، فإنّ لبنان يبقى دائماً الحلقة الأضعف، ولكن تبقى قدرة الأميركيين على انتزاع تنازلات من «إسرائيل» محدودة. ولهذا فليس على اللبنانيين الإتكال عليهم لاستعادة الحقوق الكاملة.

وأكّدت المصادر، تمتّع لبنان بقوّتين مهمّتين، حتى ولو كان الحلقة الأضعف في المفاوضات، على ما يبدو هما: القوة القانونية والحقوقية، فالقانون الدولي يعطيه الحقّ كاملاً في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة له. والقوة المادية المؤلّفة من الجيش اللبناني والمقاومة، فلولاهما لما تمكّن لبنان من حماية حقوقه ومنع «إسرائيل» من الإعتداء عليها. كذلك تؤكّد بأنّه ليس من حدود ونقاط متنازع عليها بين لبنان والعدو الإسرائيلي إنّما معتدى عليها من قبله.

ولهذا شدّدت المصادر نفسها على أنّه على الأطراف اللبنانية ألا تقوم بصفقة بين الترسيم البرّي والبحري، فالأرض التي دخلتها «القوّات الإسرائيلية» في العام 2006، عليها أن تنسحب منها، كما أنّه من الناحية التقنية، فإنّ الحقّ يقف الى جانب لبنان فيما يتعلّق بترسيم الحدود البحرية. علماً أنّ هذه الأخيرة هي الحـدود التي تُحدّد نطاقات المنطقة البحرية للدولة الساحلية، وتتضمّن خطوط الأساس وحدود الحافة القارية (أو المنطقة الإقتصادية الخالصة) والحدود بين الدول ذات السواحل المتجاورة والمتقابلة. وصحيح بأنّه بين الحدود البريّة والبحرية أوجه شبه، كما يُميّز بينهما نقاط تباين واختلاف، إلاّ أن أوجه الشبه قليلة، منها أنّ الهدف من رسم الحدود أو تحديدها في البرّ أو البحر واحد، وهو تأمين حدود الدولة. كما أنّ الحجج المستخـدمة في الحالتين متشابهة، كالمعطيات التقنية والتاريخية والإقتصادية والثقافية والقانونية. كذلك فإنّه في حال عدم توصّل الدول الأطراف الى اتفاق ثنائي، فإنّها تلجأ الى التحكيم، أو إقامة منطقة محايدة تقتسم مواردها.