أي مفاوضات مع من يغرز السكين في ظهرك...؟؟

فريد زكريا، المعلق الأميركي من أصل هندي، يسخر من اعلان مايك بومبيو استعداد الولايات المتحدة لمفاوضات من دون شروط مسبقة مع ايران «كما لو أن الآخرين الذين في الجانب المقابل من الطاولة على كراسي كهربائية، ثم يجري التفاوض ما اذا كانوا يفضلون الموت بالشحنات الصاعقة أم بالشحنات المتقطعة».

نعلم أن الايرانيين لا يطيقون من ينتقدهم، ولو من موقف المتعاطف. هذا من طبيعة الثقافة التوتاليتارية الشائعة في أرجاء المنطقة. غالباً ما يصفون العرب بالبداوة على أنهم شتات قبلي. الدليل أنه بعد انقضاء ما يناهز العقود الثمانية على الاستقلال، لا دولة تمكنت من أن تتفاعل مع مقتضيات القرن. الى الأبد، أنظمة... وحيد القرن.

الايرانيون على حق حين لا يثقون بالأميركيين. يستذكرون ما فعله آلان دالاس، مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهد دوايت ايزنهاور، وشقيق وزير الخارجية جون فوستر دالاس، حين أمّم محمد مصدق النفط الذي كان بيد الانكليز منذ عام 1912.

الاستخبارات البريطانية والأميركية نفذت خطة «آجاكس» ضد مصدق. انقلاب عسكري في 19 آب 1953 بقيادة الجنرال فضل الله زاهدي.

مصدق، الاصلاحي الكبير، ورجل الدولة الكبير، أمضى ثلاث سنوات وراء القضبان، ومن ثم الى الاقامة الجبرية حتى وفاته.

لا مجال للتصور أن حسن روحاني ومحمد جواد ظريف ارتكبا الخطيئة القاتلة حين وقعا على اتفاق فيينا. الاثنان كانا يعلمان أن الاقتصاد الايراني راح يتقهقر على نحو دراماتيكي. الاسرائيليون الذي دمروا المفاعل النووي العراقي في 7 حزيران 1981 بغارة قام بها سرب من طائرات الـ«ف ـ 16» كانوا جاهزين لتدمير المشروع النووي الايراني ولو لجأوا الى الرؤوس النووية.

الطائرات اياها كانت قد بيعت للشاه. اندلاع الثورة في ايران حمل واشنطن على منحها لاسرائيل.

أحفاد قوروش تعاطوا، بالبداوة العربية، مع برنامجهم النووي. علناً راحوا يفاخرون بانجازاتهم في هذا المجال كمن يعرض بضاعته على عربة الخضار. حتى أئمة المساجد تحولوا الى علماء في الفيزياء النووية، والى مارشالات يهددون اسرائيل بالزوال.

هذا لم يحصل في أي بلد آخر. الالتزام مطلق بالسرية. ولم يكن يعرف بتوصل دولة ما الى القنبلة الا من خلال التجربة ما تحت الأرض، وما تنتجه من ترددات زلزالية.

الايرانيون ما زالوا يعتمدون الاسلوب الاستعراضي اياه. كل ما ينتجونه يوضع في الضوء، كما لو أنها ثقافة سوق الخضار، وان كان ثابتاً أن ماحققوه في التكنولوجيا العسكرية لافت جداً وهام جداً...

الآن يهددون الولايات المتحدة بـ «الأسلحة السرية». يحكى عن تطور مذهل في مجال استخدام اشعة اللايزر لأغراض عسكرية. ومع أن الضوء تركز على الأميركي (اليهودي) تيودور مايمان في اكتشاف هذه الأشعة، ثمة مؤرخون اشاروا الى دور هام لعالم من أصل ايراني تم اغفال اسمه بصورة تدريجية.

الاسرائيليون يتقنون السرية، حتى أنهم أخفوا عن الألمان الذين باعوهم غواصات «دولفين» تزويدها بتقنيات تمكنها من اطلاق رؤوس نووية. العديد من رجال الاستخبارات في اسرائيل وأميركا يعتقدون أن الايرانيين قد يكونون تمكنوا تمكنوا من صناعة القنبلة، حتى أن بعض التقارير التي وضعتها شعبة الاستخبارات في البنتاغون تطرح علامات استفهام حول «الأسلحة غير التقليدية» بيد آيات الله.

الايرانيون عرفوا النشاط النووي منذ عهد الشاه. في النظام الحالي، البداية كانت عام 1996 بالتعاون مع الروس، وباعتماد المدرستين الأميركيتين في انتاج اليورانيوم الذي صنعت منه قنبلة هيروشيما، وفي انتاج البلوتونيوم الذي صنعت منه قنبلة ناغازاكي.

كم بدا ترامب ساذجاً حين ظن أنه بارساله حاملة الطائرات «يو. اس. اس ـ أبراهام لنكولن»، والقاذفات النووية العملاقة، يزعزع أعصاب الايرانيين.

حتماً، لا مجال للمقارنة بين الأرمادا الأميركية التي تغطي الكرة الأرضية والترسانة الايرانية. ولكن ماذا صنع الأميركيون في فيتنام، والآن في أفغانستان؟

ما ينشر على ضفتي الأطلسي يشير الى أن أصابع آيات الله كانت على الزناد. السيد حسن نصرالله استخدم تعبيراً دقيقاً، وصاعقاً. «ابادة المصالح الأميركية» في الشرق الأوسط.

هذا كلام يصل على الفور الى دونالد ترامب، كما الى بنيامين نتياهو. الاسرائيليون أنفسم يعتبرون أن ما يتفوه به الأمين العام لـ «حزب الله» ينطوي على صدقية عالية جداً. ما مآل العروش في هذه الحال؟

بومبيو عرض من سويسرا، وما تعنيه كقناة اتصال بين وزارة الخارجية في كل من واشنطن وطهران، مفاوضات من دون شروط. ولكن أليست العقوبات أشد قسوة، وأشد وحشية، من الشروط ؟ قد تكون واشنطن قد أخذت برأي اليابانيين والسويسريين تجاوز تلك البنود الفولكلورية التي لا تليق حتى بشقيقتنا جزر القمر.

لعلمكم أن من صاغ الشروط وزير خارجية عربي طالما عرف بالدمية الأميركية. كان واثقاً من أن آية الله خامنئي سينحني أمام الجنرال جوزف فوتيل (والآن الجنرال كينيث ماكنزي)، مثلما انحنى الأمبراطور هيروهيتو أمام الجنرال دوغلاس ماك آرثر غداة قنبلة هيروسشيما.

في موضوع العقوبات، النتائج لامست التصفير بعدما أوقفت الصين والهند وتركيا استيراد النفط الايراني. الاقتصاد سيكون مهدداً بمرحلة من التدهور الكارثي. كيف يكون الرد؟

اليابانيون، السويسريون، العمانيون، على خط الوساطة. كلام كثير عن أن ترامب أصغى بدقة الى شينزو آبي «لا تحاول أن تخنق الايرانيين. هم أكثر ذكاء، وأكثر فاعلية، من أن يسلموا مفاتيح طهران، أو مفاتيح الشرق الأوسط، الى أي كان». رئيس الوزراء الياباني قريباً عند آية الله خامنئي.

المرحلة المقبلة قد تكون الأكثر اثارة في اللعبة الديبلوماسية. ننتظر بأعصاب باردة...