نبيه البرجي

الى الضفة الأخرى من ذلك الجحيم (الحقيقي لا الافتراضي) الذي يدعى... العالم العربي!

أولئك الجنرالات الذين يباعون، كما أكياس الشعير، في المزاد العلني، نفوا أن يكون عدد ضحايا النار بين المعتصمين تعدى المئة. فقط 46. هذا رقم ضئيل لا يستحق الذكر. لنتصور أن هذا يحدث في بلاد الكفرة. بريطانيا مثلاً، أو السويد، أو حتى... اسرائيل.

الرصاص على المدنيين لأنهم يحملون، في رؤوسهم، أفكاراً، وجراحاً، ومصائب، لا حصر لها. لا يحملون الهراوات، ولا الفؤوس، ولا الحجارة. متى كان ثمة من مجال للمساكنة بين الخوذة العربية التي طالما تدحرجت بين الأحذية الاسرائيلية (الا في الحالات المعروفة ) والديمقراطية؟

الجنرالات اياهم، القهرمانات بالألبسة الداخلية المرقطة، بالنجوم المكدسة على الأكتاف، بالأوسمة المكدسة على الصدور، هم من باعوا جنوب السودان الى الشركات القابضة. من أطلقوا العنان لميليشيا الجنجويد، بالأصول القبلية العربية، لكي يحرقوا القرى، ويغتصبوا النساء، ويذبحوا الأطفال، في اقليم دارفور. الميليشيا اياها التي انقضت على أصحاب الصرخات العارية، والأيدي العارية، في الخرطوم.

هذا ليس بالمستهجن في دنيا العرب. هل شاهدتم طائرة عربية في أجواء تل أبيب؟ هل شاهدتم دبابة عربية، ولو بحجم سلحفاة، على الأرض الاسرائيلية؟ هذه الدبابات التي تجوب شوارع المدن انما «خلقت» لقتل اليائسين، ولقتل المحطمين. كلنا الرعاع في حضرة ذلك الطراز من... العسكر.

هذا البرهان عبد الفتاح، بوجه الديناصور، وبدماغ الديناصور، أبلغنا، دون أن يرف له اصبع، بأن عدد القــتلى 46 فقط. يا جماعة 46 دجــاجة. يا جماعة 46 ذبابة. أين المشكلة؟

الآن أدركنا، بســذاجتنا، العربي. أمام اللحظة التراجيدية في السودان، شعرنا كم أننا الحثالة في حضرة التاريخ، في حضرة الدم.

لا تستغربوا اذا علمتم أن غالبية أئمة المساجد في الخرطوم، وفي أم درمان، كما في سائر المدن السودانية، هم أبواق للأحذية الثقيلة. أحدهم وصف الجنرالات بـ«الملائكة التي تفوح منها رائحة الجنة». تصوروا أي حدود للانحدار...

الديمقراطية ممنوعة. الحداثة ممنوعة. العدالة ممنوعة. الحياة ممنوعة. كل هذا لتبقى العروش حيث هي. لتبقى المنطقة حديقة الديناصورات (الجوراسيك بارك). ستيفن سبيلبرغ الذي أخرج هذا الفيلم شعر بأنه يهودي لحظة أن رزق بطفل. العربي وسواء كان جنرالاً أم حارساً ليلياً، لا يشعر بأنه عربي الا أمام جثث الأطفال العرب.

لنتذكر ما قاله آلان فينكلكروت لدى اصابة طفل اسرائيلي بشظية صاروخ من غزة. الاصابة كانت طفيفة للغاية. بالرغم من ذلك، اعتبر الفيلسوف (اليهودي) الفرنسي أن شبح «الهولوكوست الآخر» يطل من أصحاب الأسنان الطويلة بعدما انقضى زمن أصحاب السكاكين الطويلة (النازيون).

زميل ليبي قديم قال لنا «مشكلتنا الكبرى، نحن العرب الأفارقة، أن مصر ليست هناك. أنور السادات علّق جمال عبد الناصر على خشب، وصرخ في وجه الناس أنا الفرعون». الميني ـ فرعون هل حقاّ أنه استعار ساقي فيفي عبده؟

كل شيء يحترق حول مصر. ثمة أزمة غامضة في أرض الكنانة. مئات، بل آلاف، الضباط والجنود الذي قضوا بأيدي الاسلاميين الذين زرعوا خلاياهم بين النخيل. زرعوا خلاياهم أيضاً بين الأزقة.

قوة عسكرية ضاربة. قوة استخباراتية ضاربة. بالرغم من ذلك لا تزال الذئاب تجول وتصول. كيف يمكن أن يحدث هذا في دولة كبرى تكاد تكون من دون تضاريس طبيعية أو طائفية معقدة؟

ليبيا تحتضر. عرب مع خليفة حفتر. عرب مع فايز السراج. من يضع يده على ليبيا؟ في آخر المطاف، لا موطئ قدم للعرب. الآخرون يقطفون سلال الدم.

مثلما الدم العربي يذهب هباء، النفط العربي يذهب هباء. أين «مصر العظمى» تضع حداً للحرائق في ليبيا، وفي السودان، وصولاً الى الجزائر حيث الجــنرالات بالوجــوه الحجرية، وبالأفكار الحجرية، يراوغون، ويراوغون، بالاختباء وراء الدستور، بالنصوص التي كرست الديكتاتورية، وكرست ثقافة المافيات.

هوذا الجحيم العربي من المحيط الى الخليج. تذكروا أن ثمة جامعة للدول العربية، ولا تختلف في مواصفاتها عن مواصفات ملهى البــاريزيانــا أيام زمان. الطرابيش تتطاير بين راقصات الدرجة الثالثة. الرؤوس تتطاير...

حال المغرب العربي (يا لتغريبة بني هلال!) حال المشرق العربي. ليلة الكوليرا. الأوثان في كل مكان. الأوثان التي نصنعها من عظام الموتى. منذ ألف عام ونحن نتأرجح بين جاذبية الغيب وجاذبية العدم.

من سنوات لاحظ الأميركي وليم كريستول،, وبكل تلك الفظاظة , علاقتنا الجينية مع الابل. الاجترار. اجترار التاريخ، واجترار النصوص (والطقوس) المقدسة. قال «هؤلاء البدو التائهون الذين يحملون الرمال على ظهورهم». الى أين؟ اسألوا... السيد الجحيم.