بولا مراد

منذ انتهاء الانتخابات النيابية، لم تعد العلاقة بين تيار «المستقبل» و«التيار الوطني الحر» على ما يرام، فنتائج الاستحقاق التي أفضت الى فوز الأخير مع حلفائه وعلى رأسهم «حزب الله» بدّلت أولويات الطرفين، إذ بدأ تيّار رئيس الحكومة سعد الحريري يبني حساباته وفق معادلة تحفظ موقعه السياسي في لعبة التوازنات ودوره كممثل وحيد للطائفة السنيّة بعد خسارته للتنوّع داخل كتلته النيابية التي غاب عنها الممثل الشيعي وتقلّص فيها التمثيل المسيحي الى ثلاثة نواب، فيما باتت حسابات التيار الوطني الحرّ في مكان آخر، وتقوم على ثابتتين أساسيتين، الأولى تكريس نفوذه المسيحي الواسع واستكمال نسج علاقات مع طوائف أخرى بالاستناد تحالفه القوي مع حزب الله، والثانية فرض الاعتراف بتصدّر الوزير جبران باسيل سباق الاستحقاق الرئاسي المقبل.

صحيح أن الظروف حكمت الطرفين بالقبول بتوازنات، تحول دون تجاهل أي فريق لحيثية الآخر ودوره في المعادلة الوطنية وداخل طائفته، لكن ذلك لم يحل دون إبقاء نار خلافاتهما تحت الرماد، نارٌ تخمد قليلاً وسرعان ما تعود للاشتعال عند كلّ حدثٍ، وهي بدأت مع مشاورات تشكيل الحكومة وانتقلت الى التعيينات والموازنة، ولن تقف عند إحياء الصراع على المارونية السياسية والسنيّة السياسية وما بينهما، واستسهال قيادات التيارين استحضار الشعارات الطائفية الفاقعة، وهذا ما يرى فيه مراقبون «عدة شغل» تستهوي استثارة الشارع وشدّ العصب، وهو ما ترجم بمواقف قيادات الطرفين على المنابر والشاشات، وتفاعل جمهورهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

واللافت أن اللعبة التي بقيت مضبوطة الى وقت قريب، تكاد تفلت من يد الجميع، وتهدد التفاهمات السياسية التي تحكم البلاد حالياً، وبدأت تثير الخشية من الاطاحة بالتسوية السياسية التي أوصلت العماد عون الى قصر بعبدا، وأعادت الحريري الى السراي الحكومي. الا أن شعور كل طرف بخطورة جنوحه نحو المواجهة، جعلته يعيد التموضع، رغم مواظبة كلّ فريق على إلقاء مسؤولية التوتر وما آلت اليه العلاقات على الفريق الآخر، وهو ما رأى فيه مصدر معني بالملف «ترجمة واقعية لإبعاد نادر الحريري عن المشهد السياسي، باعتبار أن غياب أو تغييب أحد مهندسي التسوية أصاب المعادلة بالخلل، وبات من الصعب معالجته بشكل حاسم، وشرّع أبواب العلاقة أمام الرياح، وفتح الطريق على المتضررين من التسوية إلى إطلاق النار عليها ومحاولة قتلها».

ولا يخفي المصدر، أن غياب نادر الحريري عن المشهد «زاد من تعقيدات العلاقة بين التيارين الأزرق والبرتقالي، وبات من الصعب تبرير أو هضم مواقف رئيس التيار الوطني الحرّ، الذي يحترف التصويب المباشر على الطائفة السنيّة، تارة باتهامها بالانقضاض على صلاحيات رئيس الجمهورية، وتارة أخرى بإلصاق تهمة التطرّف بأبنائها»، مستغرباً ما أسماه «الهجوم المركّز على المواقع السنيّة والتلويح بإقالة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان ورئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، ومدير عام هيئة «أوجيرو» المهندس عماد كريدية، وهو ما قرأت فيه قيادة «المستقبل» محاولة لإحراج سعد الحريري وإضعافه في شارعه، وكأن المقصود تحجيم الحريري وفرض مزيد من التنازلات عليه».

سياسة «النأي بالنفس» لم تعد فاعلة عند تيّار «المستقبل»، الذي شددت مصادره على أن التيّار «ليس بوارد اختلاق أزمة مع التيار الوطني والحرّ، لكنه يتصدى لاعتداءات الوزير باسيل عليه». وتحدثت عن «خشية من ممارسات حقيقية تهدف الى تقويض اتفاق الطائف والتوازنات الدقيقة التي أرساها، بالممارسة والأعراف التي يفرضها التيار الحرّ على كلّ الأطراف وليس على الحريري وفريقه فحسب». وتلفت مصادر «المستقبل» الى أن «دستور الطائف لم يفرض لتكريس النفوذ السنّي، بل لحفظ المناصفة ومنع غلبة فريق على آخر»، محذرة من أن «المساس بالطائف يعني اللعب بالنار».

أما التيار الوطني الحرّ، فيبدو مطمئناً لسلامة التسوية رغم الندوب التي أصابتها، وترى مصادره أن «استمرار التسوية يشكّل مصلحة للبنان ولكل القوى السياسية، ولا يعني نجاح رئاسة الجمهورية وعهد الرئيس عون وحده»، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن «التسوية لم تنجز مع الحريري من أجل تقاسم السلطة مع «المستقبل» ولا مع حزب الله ولا مع «القوات اللبنانية»، بل من أجل بناء الدولة والنهوض بالبلاد، وتضافر جهود كل القيادات للعبور بالبلاد الى ضفة الفوضى الى جادة الاستقرار، والخروج من حالة الانقسام المستمرة منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري، أو من حالة استضعاف الفريق المسيحي المتوارثة منذ انتهاء الحرب الأهلية». ولا تجد مصادر التيار مبرراً لينبري البعض كلّ مرّة ويدافع عن الطائف، مؤكدة أن التيار الوطني الحرّ «لم يخض حرب الانقلاب على الطائف كما يزعم البعض، لكنه يدعو دائماً إلى تطبيق هذا الاتفاق قولاً وفعلاً، على قاعدة حماية الميثاقية والمناصفة، والاعتراف للآخر بالشركة الكاملة في الوطن، وعدم التلويح بالعودة الى العدّ».