حسن سلامة

بغض النظر عما يمكن ان يطرأ من تعديلات او اقتراحات جديدة في جلسة مجلس الوزراء اليوم، بعد الجلسة العاصفة اول من امس والتي كادت ان «تطير» نتيجة الخلافات بين عدد من الوزراء يمثلون قوى سياسية اساسية في الحكومة، بالاخص ما بين التيار الوطني الحر من جهة وحركة «أمل» وتيار المستقبل من جهة ثانية، فالمسار الذي انتهت اليه الصيغة النهائية للموازنة وما اتفق عليه من تقشف وبعض الضرائب والرسوم والتي في معظمها تشمل كل اللبنانيين، ليس ما كان ينتظره اللبنانيون لتحسين معاناتهم اليومية والحياتية ولا يؤدي الى اخراج البلاد من ازماتها المالية والاقتصادية والحياتية.

والواضح وفق ما يراه اكثر من معني بما هو متوجب لوضع سكة المعالجة على الطريق الصحيح، ان ما انتهت اليه مقاربات الحكومة في الصيغة النهائية للموازنة، وحتى لو اخذ ببعض الاقتراحات التي يطرحها بعض الوزراء في الحكومة الرامية الى الحدّ من التهرب الضريبي والجمركي، وادت الى نقاشات ساخنة في الجلسات السابقة وتعليق مناقشات جلسة قصر بعبدا اول امس لا تمثل صيغة الموازنة النهائية والاقتراحات لمعالجة بعض زواريب الهدر - ما هو مرتجى من اجراءات ومعالجات شاملة - من خلال خطة اقتصادية واضحة وبعيدة عن مراعاة الهدر السياسي و«حيتان المال والمافيات على كل اشكالها وانواعها، حتى يمكن اطلاق معالجة جدية لما يواجه لبنان واللبنانيين من خطر الوصول الى الانهيار.

وفيما يقر العديد من القيادات السياسية الموجودة في الحكومة، بأن الاجراءات التي اتخذت لخفض العجز يراد منها تأجيل حصول الانهيار، اذا لم تلجأ الحكومة ومعها القوى السياسية المعنية بالدخول في عملية جدية ومتكاملة لاخراج البلاد مما هي عليه، يؤكد احد الخبراء الاقتصاديي - من خارج المطبلين للسياسات الاقتصادية المتبعة - ان مجرد ما انتهت اليه جلسات مجلس الوزراء للحد من الانفاق وتحسين الواردات عن طريق الضرائب والرسوم، وصولاً الى تخفيض العجز ليس اكثر من «اخذ نفس» لبضعة اشهر، وفي اقصى الحالات قد تمتد لحوالى السنة «لعل وعسى»، لكن الخبير الاقتصادي يؤكد ان اضاعة الوقت في اطلاق المعالجة الحقيقية لا يفيد البلد ولا اللبنانيين، وفي الوقت نفسه، فحتى اي محاولة للمعالجة الشاملة بنفس الرؤيا التي اعتمدت في الموازنة والاجراءات التقشفية لن تفضي الى وضع البلاد على طريق الانقاذ الاقتصادي، لان المعالجة الجدية تفترض رؤيا مختلفة للذي حصل في مجلس الوزراء، او ما يطرح من جانب معظم الاطراف السياسية في الحكومة، بما في ذلك الخطة الاقتصادية التي كانت اقرتها الحكومة السابقة والمعروفة بخطة ماكينزي.

وانطلاقاً من ذلك يتوقف الخبير الاقتصادي عند مجموعة ثغرات اساسية بما افضت اليه المقاربات الحكومية حول التقشف وتحسين الواردات بحيث يشير الى بعض الثغرات الاساسية او اجراءات ضرورية جرى تغييبها عن مشروع الموازنة:

1- ان التقشف في الانفاق العام اقتصر بمعظمه على اقتطاعات من هنا وهناك طالت الموظفين والعاملين في الدولة، وبالتالي جرى تجاوز مسائل اساسية كان يمكن توفير مئات مليارات الليرات اللبنانية التي تصرف للانفاق السياسي والتنفيعات وغير ذلك (جمعيات، مدارس مجانية، التكاليف الباهظة لاستئجار مقرات لمؤسسات الدولة واخرى تابعة لهيئات دولية) انفاقات غير مجدية لم يتم وقفها في مؤسسات تابعة للدولة، عدم وضع آليات شق لآليات التلزيمات او الاموال الضخمة التي يتصرف بها القيمون على المؤسسات العامة، وبخاصة تلك التي تدرّ واردات لصالح الخزينة مثل شركتي الخليوي، او ادارة مرفأ بيروت او كازينو لبنان والعديد من المؤسسات الاخرى.

2- لجوء مجلس الوزراء الى وضع ضرائب ورسوم عشوائية بعضها على عدد من الخدمات، وبعضها الاخر على عمليات الاستيراد لمنتوجات مختلفة من الخارج، والتي في اكثريتها سيتم استيفاؤها من جيوب المواطنين، فاي ضريبة على سلع اومواد مستوردة سيتم رفع اسعارها ومعها اسعار المنتجات المصنعة في لبنان، لعجز الدولة ومؤسساتها عن حصر الضريبة بالمستوردين وكبار التجار، بل ان كل هؤلاء سيعمدون الى زيادة الاسعار، التي في كثير من المرات السابقة تجاوزت كثيراً قيمة الرسوم او الضرائب الجديدة، خصوصاً ان هناك غياباً كاملاً للدولة عن مراقبة موضوع الاسعار، ومنع استغلال هذه الضرائب لزيادة ارباح كبار التجار واصحاب رؤوس الاموال.

3- ان اكثرية الاجراءات التي اتخذت لخفض العجز وتحسين الواردات، ستكون لها انعكاسات سياسية على الحركة الاقتصادية في الداخل، وحتى امكانية استمرار كثير من المؤسسات خاصة الصغيرة، لان التخفيض العشوائي في الانفاق وفرض الرسوم غير المباشرة على المواطنين يزيد من حال الركود في كل المجالات التي من شأنها المساهمة في اعادة «ضخ الحياة» في الاقتصاد اللبناني.

4- ان الحكومة في كل ما اتخذته من اجراءات وخطوات لخفض العجز لم تقترب من مكامن الهدر الكبرى في الدولة ومعظمها مرافق، فالتهرب الجمركي والتهرب الضريبي واعفاء المعتدين على املاك الدولة وحقوق في البحر والبر (وفي مجالات عديدة) يظهر مدى هيمنة اصحاب رؤوس الاموال و«حيتان» الصفقات وكبار المستفيدين من المال العام، على القرار الحكومي، ويظهر ان اكثرية القوى السياسية لها مصالحها، وهي مستفيدة من مزاريب التهرب الضريبي الجمركي ومن معظم المخالفات الخاصة التي حصلت والمستمرة لليوم.

وفي الخلاصة، يلاحظ الخبير الاقتصادي ان ما انتهى اليه مشروع الموازنة لا يتعدى عملية احتساب نقدية لتوفير بعض المبالغ والتحسين في الواردات من خلال الرسوم والضرائب غير المباشرة، بينما غابت الرؤيا الجدية التي تفتح الباب امام الخروج من الازمة، وبما يتيح تنشيط الصناعة والزراعة والسياحة وكل المرافق التي تساهم في تحريك الاقتصاد ووضع حد للركود المتزايد، وفي الوقت نفسه وضع آليات لكيفية تسديد الدين وليس خفض فوائده فقط، لان هناك امكانية في حال ضبطت كل مزاريب الهدر والفساد ان يسدد لبنان سنوياً جزءاً معقولاً من الدين المتراكم الذي زاد عن 90 مليار دولار.