كتب انطوان فرح في صحيفة "الجمهورية": تخوض الحكومة اللبنانية تجربة مالية صعبة وفريدة من نوعها الى حدّ ما. وكل خطوة تُتخذ اليوم، سوف تقرّر مصيرَ اللبنانيين غداً. فهل تبدو القرارات التي تتضمّنها الموازنة عقلانيةً وعلميةً وتساعد على ضمانِ وضعٍ أفضل في المرحلة المقبلة؟

قبل البدء في مناقشة مشروع موازنة 2018، لا بدّ من الاتفاق على توصيف الحالة التي وصل اليها البلد على المستوى المالي والاقتصادي، لكي تأتي المعالجات في موقعها الصحيح وتكون ناجعة. إذ لكل حالة علاج، ولا يجوز الخلط، على سبيل المثال، بين التقشّف والإصلاح والمحاسبة وتحريك الدورة الاقتصادية...

من هنا، ليس مألوفا في علم الاقتصاد التطرّق الى إجراءات محدّدة قبل توصيف الوضع بدقة. إذا كنا نتحدث عن إنقاذ (bailout) شيء، والحديث عن تفعيل الاقتصاد شيء آخر مختلف تماماً. كذلك هناك حالات يحتاج فيها الاقتصاد الى سدّ ثغرات وبعض الاصلاحات، وفي ظروف مختلفة يكفي وقفُ الهدر والفساد.

في الوضع اللبناني هناك مزيج من كل هذه الحالات، وبالتالي لا يمكن الاكتفاء بأحد هذه الإجراءات لكي يصطلح الوضع. هناك ضرورة لإجراءات إنقاذية، اصلاحية، تقشّف ومحاسبة واسترداد اموال منهوبة.

طبعاً، لا يمكن إنجاز كل هذه النقاط دفعة واحدة، كما لا يمكن تحقيق بعض الخطوات من دون تغيير الطبقة السياسية، وبالتالي، تقتضي الواقعية الاعتراف بالتالي:

اولاً- لا يجوز ربط كل العناوين في سلّة واحدة، بمعنى انّ من الضروري الإبقاء على الليونة، بحيث يمكن اختيار العناوين الأسرع والأكثر إلحاحاً وتطبيقها، من دون انتظار بقية العناوين. لأنّ الربط الإلزامي قد يوصل الى عدم اتّخاذ أيّ إجراء فعلي. لكنّ ذلك لا يعني الانتقائية المصلحية في تصنيف الخطوات التي ينبغي تطبيقها اولاً، لأنّ الاجتزاء في بعض الحالات يصبح قاتلاً أكثر من عدم اتّخاذ أيّ إجراء.

ثانياً- إنّ بعض الإجراءات التي لا يمكن تطبيقها فعلياً، من الافضل عدم تسليط الضوء عليها كثيراً في هذه المرحلة، لئلّا تؤدي الى تشويش في مزاج الرأي العام، وتبثّ الاوهام، فيتم تضييع البوصلة، وقد يتسبّب ذلك في تسريع الكارثة، لأنّ الناس ستتلهّى بعناوين شعبوية جذّابة، وتُهمل متابعة العناوين الإلزامية في الوقت الراهن لتفادي الوقوع.

في توصيف الوضع اللبناني، ولكي يُبنى على الشيء مقتضاه على المستوى المالي والاقتصادي، تنبغي الاشارة الى أنّ الأرقام والمؤشرات التي يجري اعتمادها للتوصيف، توحي في غالبيتها أننا أقرب الى عنوان الإنقاذ.

بمعنى، أنه لا يمكن الركون الى قليل من التقشّف، او بعض الإصلاحات، كما لا يمكن انتظار أو الاعتماد على استعادة المال المنهوب للخروج من المأزق.

والمتحمّسون اليوم لإقرار قانونٍ لاستعادة المال المنهوب - كأنّ المشكلة في عدم وجود قانون لتحقيق هذا الإنجاز- في مقدورهم العودة الى قانون من أين لك هذا وقانون الإثراء غير المشروع، ليتأكدوا أنّ القوانين في لبنان لا تقدّم أو تؤخّر.

لبنان 24