دموع الاسمر

كان المشهد مؤلما في اليوم الانتخابي في طرابلس عندما اشترط احد المواطنين الإدلاء بصوته مقابل ثمن قارورة غاز،... نزل من منزله لا يملك ثمن القارورة وهو يصرخ بأعلى صوته للاقتراع لمن يدفع 15 الف ليرة.

وآخر اشترط الاقتراع مقابل وجبة غذاء وثالث لم يتجاوز شرطه العشر الدولارات.

مشهد يختصر مستوى انحدار المعيشي الذي وصلت اليه طرابلس حين كان أثرياء المدينة يتحدون من اجل مقعد نيابي لتأمين فوز سيدة غادرت مدينتها باكرا قبل ان تتدرج في احيائها وأزقتها الشعبية وقبل ان تتفاعل مع أهاليها وناسها.

جاءت نتيجة الفوز في واقع الامر صادمة كأن قرارا شعبيا طرابلسيا قد اتخذ عن سابق تصور وتصميم بمعاقبة كل القيادات السياسية في طرابلس واتخاذ الخطوة الاولى في مسيرة الألف ميل نحو اعلان التمرد على نواب وقيادات تعاقبت منذ سنوات طويلة على احتلال مقاعد نيابية والإمساك بمفاصل السلطة.

لم تكن النتيجة بمجموعها المعلنة 12% الا رسالة لا ترقى الى الشك وجهها ما يقارب التسعين بالمئة من الناخبين الطرابلسيين الى كل التيارات السياسية الفاعلة تضمنت عقابا على ما جنت اياديهم من افعال وازمات لا تزال تتوالى. حيث لفتت مصادر طرابلسية الى ان الناخبين الطرابلسيين لاحظوا ان التيارات السياسية تتفق حين تقتضي مصالحهم الاتفاق وتختلف فيكون المواطن هو الضحية يدفع ثمن خلافاتهم وكأن المواطن ليس الا سلعة تجارية يتم تبادلها بين هذه التيارات السياسية.

لا يملك المواطن الطرابلسي من سلاح يواجه فيه التيارات السياسية ونوابها الا سلاح المقاطعة لتلقينهم. درسا بات ضروريا بعد ان لمسوا ان الوعود تتكرر في كل موسم انتخابي. فآثر ابناء طرابلس وفق المصادر مقاطعة الانتخابات والامتناع عن التصويت في ردة فعل عفوية قي معظمها وفي جزء منها التزام لقرار النائب فيصل كرامي. حيث تبين ان غالبية العائلات الطرابلسية لم تتوجه الى صناديق الاقتراع بينما لوحظ ان نسبة المقترعين كانت اكثر ارتفاعا نسبيا في اقلام القلمون والبداوي والمنكوبين والقبة وهذه الأقلام هي التي شكلت ركيزة الأصوات التي حصدتها جمالي، كما لوحظ ان الرئيس الحريري لا يزال يمتلك حيثية شعبية في هذه المناطق التي حركتها العاطفة المذهبية.

اما باقي المناطق الطرابلسية فكانت على قرارها بمجافاة الانتخابات وقد خرج العديد منهم الى الشوارع يفتشون عن كاميرات الوسائل الإعلامية عمدا للإدلاء بمواقف الاستنكار في غاية واضحة تقصدوا فيها فضح ممارسات نواب المدينة وادائهم على مدى السنين الطويلة فتحولت هذه الكاميرات الى منابر تنقل الأوجاع الطرابلسية وتفضح حجم الاستهتار واللامبالاة بمشاريع التي لا تزال تنتظر منذ تسع سنوات استكمال مشروع الأوتوستراد على سبيل المثال. او النهوض بالمعرض الدولي ومحطة القطار ومحطة التسفير والمرفأ والمنطقة الاقتصادية والإرث الثقافي وتنظيم شوارع المدينة وتزفيت الطرقات وإطلاق المشاريع السياحية خاصة وان طرابلس من اهم المدن الأثرية التاريخية في العالم ومهملة منذ سنين طويلة.

لم يعد الناخب الطرابلسي طيّعا بأيدي السياسيين لان حالة الفقر بلغت اشدها ووصلوا الى حافة الانفجار الاجتماعي فكان القرار ان زمن المحاسبة بدأ ولذلك رفع احدهم شعار ان «ديما جمالي فازت بالمقعد النيابي لكن تحالف القوى السياسية قد سقط وعلى رأسهم خسارة فادحة للرئيس الحريري حيث ان مجموع ما حصدته جمالي هو نتاج هذا التحالف الكبير الذي يشكل بحد ذاته فضيحة كبرى رغم انهم يحاولون التستر على هذه الخسارة بمباركات ورسائل تهنئة فيما بينهم كنعامة تدفن رأسها في التراب.