مديرو القطاع العام الذين ينصاعون لرجال السياسة ولا يتجاوزوهم، ينصب اهتمامهم على عملهم الاداري الروتيني وعلى التقيد بدوام العمل وان كان لا يطبق سابقاً وحالياً رغم تحرك الهيئات الرقابية، وعلى العمل كل واحد في مديريته في سبيل الاحسن والافضل.

لكن هؤلاء، هم مثل اصابع اليدين، ليسوا متساوون، بل كل واحد يتميز بميزة او اكثر عن غيره، لا بل ان هناك بعض المديرين الذين تثار عليهم علامات الاستفهام ويشار اليهم بأنهم يتجاوزون القوانين ان كانت ادارية او مالية او غيرها، وهناك بعض المدراء الذين ترفع لهم القبعة، وهناك مديرين نماذجاً للعمل الاداري السليم، وهناك مدراء اعتبروا اليوم متمردين، واخرين محبطين، واخرين صامتين رغم الحملات التي تشن عليهم لتطال رؤسائهم السياسيين الذين يمثلون حزباً او فئة او طائفة.

ألان بيفاني، مدير عام المالية، هو اليوم نموذج «المتمرد»، الذي وجه سهامه الى بعض السياسيين دون ان يسميهم في مؤتمره الصحافي بعد ان وصل سهم الاتهامات الى «ذقنه» بعد ان صبر طويلاً من وضعه كشاهد شاهد كل حاجة فدوّن وسطر وراسل ووثق، دون ان ينطق بكلمة مطبقاً القانون الاداري بالابقاء صامتا لشعوره ان السياسي هو الحكم والخصم معاً، لكن ان يحمّل عجز الخزينة وقطع الحساب فهذا لا يمكن تحمله، فلجأ الى التمرد وعقد المؤتمر الصحافي الذي دافع فيه عن نفسه ادارياً دون التطرق الى السياسة، متحدثاً عن عملية تكوين حسابات الدولة المالية من العام 93 الى العام 2017 معززة بالوثائق والمستندات والمراسلات والمحاضر التي هي براءة بيفاني وهي انجاز ليس عابراً او بسيطاً حسب قوله بل للتعبير عن احترام الدستور والقوانين والاصول وارساء المساءلة بديلاً عن الفوضى والتسيب و«غض الطرف»، في وقت كانت الادارة سابقاً مغيبة وممنوع عليها ان تقوم بواجباتها، بل كان العقاب والعزل والاقصاء جزاء كل موظف يحاول تأدية واجباته وتلبية طلبات رؤسائه التسلسليين.

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده اعلن تصديه لاستباحة الادارة على مدى السنوات الماضية، وهذا مثبت بالادلة والوقائع، بعد ان كانت القروض لا تسجل وحساب الدين ينقصه مليارات الدولارات الواقعة على اكتاف الاجيال الصاعدة وتوزع سندات خزينة دون قيدها، وسلف موازنة لم تسدد منذ التسعينات، او حوالات تم تزويرها، وفوائد على القروض غير مسجلة بشكل صحيح وتسديد قرض غير مقر بقانون في مجلس النواب.

وقد عمد بيفاني الى تحويل كل الحسابات الى الهيئات الرقابية لكنه ينتظر تحرك النيابة العامة المالية للتحقيق في ما قاله، ومن سخرية القدر، ان من يحاول تحميله المسؤوليه هو من حاول الغاء دور المدير العام والادارة بالكامل ليهيمن على الوزارة بالمحسوبين والمستشارين والعاملين غير النظاميين، رافضاً ان تكون الادارة بعد الآن مكسر عصا لكل من يريد ان يتنصل من المسؤولية.

وهذا ما فعله بيفاني بتمرده وتصديه للحملة عليه وعلى الادارة معلناً انه اذا كان هذا الكلام لا تقبله التركيبة، فأنا مستعد لمغادرتها فوراً، وان كان مقبولاً، فلنعطي الاصلاح الزخم المطلوب كل من مكانه.

اما بالنسبة للمدير المحبط، فهو امين عام المجلس الاعلى للخصخصة المهندس زياد حايك الذي اعلن عن فخره بترشيحه عن لبنان لمنصب رئيس البنك الدولي، لكن لبنان عاد وتخلى عنه تحت الضغوط الاميركية، فآثر التخلي عن منصبه اللبناني والبقاء في الصراع نحو المنصب الدولي، مع ان حايك لعب دوراً مميزاً خصوصاً في المساهمة في اقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ترك حايك منصبه بعد ان شعر بالاحباط من تخلي الحكومة اللبنانية عنه وعن مساندته لرئاسة البنك الدولي تحت ضغوط دعم المرشح الاميركي ديفيد مالباس، واذا كانت الحكومة اللبنانية قد تخلت عن احد كبار موظفيها رغم العمل الذي قام به في المجلس الاعلى للخصخصة وتركته وحيداً، فانه بقي مصر على متابعة ترشحه بعد ان وجد من يسانده خارجياً، لانه هو من المؤمنين بقدراته رغم مواجهته لمرشح اقوى دولة في العالم.

ترك حايك الادارة غير نادم، معلناً انه سيتجه الى القطاع الخاص لتنفيذ مشاريعه الخاصة ومنها الاهتمام بمتحف الابجدية الذي بناه.

من المؤسف انه في الوقت الذي يتركز الاهتمام على موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص وامكانية مشاركة القطاع الخاص في تمويل وادارة بعض المشاريع الموجودة في مؤتمر «سيدر» تخلى الدولة عن احد كبار موظفيها الذي ترك كل شيء في سبيل اعلاء شأن ادارتها، لكنه خاب ظنه بالحكومة لكنه بقي على ايمانه بلبنان وادارته.

اما المدير الصامت فهو نموذج المدير الذي يتعرض منذ تسلمه منصب رئيس مجلس الادارة المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان وهو المهندس كمال حايك يتعرض لحملات قاسية تعتبره المسؤول عن العجز في المؤسسة، بينما القاصي والداني يعرف ان العجز سببه الدعم الذي تقدمه الدولة اللبنانية لتعرفة الكهرباء، وان التجاذبات السياسية اثرت على عمل الادارة وانتاجيتها.

ولا ينسى المواطن موضوع المياومين ووجودهم في المؤسسة ومنهم الموظفين من العمل داخل مكاتبهم مما سبب المزيد في الخسائر لهذه المؤسسة التي حاول حايك ادارياً ان يبقيها تعمل في الوقت الذي كان السياسيون يحاولون تجميدها او خصخصتها وبيعها بأبخس الأثمان، في الوقت الذي كان السياسيون يعرقلون الخطط للتأمين الكهرباء 24 ساعة على 24.

قد يكون حايك مثال الموظف، المنضبط، المتقيد بالقانون، ولكن من المؤكد ان في فمه الكثير من الكلام، قد لا يكون الاوان قد حان لاطلاقه، ولكن حايك مصر على متابعة عمله بصمت وهدوء وسكينة رغم الحملات التي تطاله دائماً.

صحيح ان حايك تسلم المؤسسة ككرة نار حاول في كثير من الاوقات تبريرها الا ان المعارك السياسية كانت السبب في تراجعها وعدم القدرة على تأمين معامل جديدة حتى ان البعض من السياسيين كان يسعى الى تأمين المزيد من التقنين لتطلع الصرخة.

وهناك المدير الذي يرفض المساومة ويتقيد بالقوانين وقد تعرض لانتقادات جمة خصوصا من قبل الذين يرفضون ان تمر المناقصات في ادارة المناقصات حيث يعتبر رئىسها جان العلية مثال الموظف الذي يهمه المحافظة على المال العام وقد نجح في ذلك خصوصا في موضوع المناقصة التي جرت بالنسبة للاسواق الحرة في مطار بيروت.

مديرو القطاع العام منهم من هو المتمرد ومنهم من هو المحبط ومنهم من هو الصامت ومنهم من هو الذي يطبق القانون دون زيادة او نقصان، في ظل ادارة بالية تحتاج الى تحديث قوانينها لكي يتمكن هؤلاء من ان تكون كلماتهم مسموحة... اذا سمحت الادارة السياسية.