اذا كان موضوع مصير الـ11 مليار دولار قد سلك طريقه الى النيابة العامة المالية، فان الموضوع الاخر المتعلق بالتوظيف والتعاقد في الادارات والمؤسسات العامة خلافاً للقانون الصادر في العام 2017 والذي نص على وقف التوظيفات واعادة هيكلة القطاع العام، قد سلك طريقه هو الاخر باتجاه ديوان المحاسبة.

واذا كان موضوع مصير الـ11 مليار دولار ما زال يكتنفه الغموض ودخول عامل السياسة اليه، فان ملف التوظيف غير الشرعي واضح وضوح الحقيقة ويمكن الوصول الى نتائج ايجابية بهذا الملف اذا بقي بعيداً عن التجاذبات السياسية، حيث سارعت القوى السياسية الى نفض اياديها من هذا الملف على الرغم من ان جميعها ادخلت موظفين بطريقة غير شرعية الى الادارات والمؤسسات العامة.

وعلى الرغم من مباشرة ديوان المحاسبة اجراء التحقيقات اللازمة الا ان المدعي العام لديوان المحاسبة القاضي فوزي خميس ما زال ينتظر تقارير ادارية حول عدد الذين توظفوا في هذه الادارات لكي يبنى على الشيء مقتضاه، الا ان خميس يؤكد ان الديوان يمكن ان يتخذ قراراً قضائياً بعدم صرف الرواتب لمن تم توظيفه خلافاً للقانون بعد ان وجه رئيس لجنة المال النيابية كتاباً الى ديوان المحاسبة يطلب فيه اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بموجب المادة 86 من انشاء ديوان المحاسبة.

وفي الوقت الذي تتفاوت فيه الارقام حول عدد الموظفين الذين دخلوا بطريقة غير قانونية، فان البعض يتحدث عن 5 الاف موظف دخلوا الى ادارات الدولة خلال عام واحد وذلك عشية الانتخابات النيابية التي اجريت في شهر ايار الماضي وكانت مناسبة لادخال بعض المؤيدين الذين يناصروهم في هذه الانتخابات.

وتلحظ التوظيفات التي تمت اما بناء على مراسيم صادرة عن مجلس الوزراء والتي مرت عبر الالية المعتمدة في مجلس الخدمة المدنية او بناء على توظيفات عشوائية غير قانونية التي لحظها التفتيش المركزي رغم ان بعض الادارات والمؤسسات العامة والبلديات لم ترسل اليه اعداد الموظفين لديها ومن هم الذين توظفوا خلال العام الماضي.

وبحسب المعلومات، فان المراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء تتضمن اسماء الف شخص، في ما تضمن تقرير التفتيش المركزي اسماء اكثر من 4695 شخصاً.

وكان من المفترض ان تباشر لجنة المال النيابية الاطلاع على عدد الذين دخلوا الى وزارة التربية، الا ان غياب وزير التربية اكرم شهيب عن هذه الجلسة ادى الى ارجائها الى موعد اخر خصوصاً وان اكثرية الاشخاص الذي توظفوا في الادارات هم في وزارة التربية، كما ان اللجنة ستستمع الى كل الوزراء المعنيين بهذا الملف للتأكيد ان لبنان قادر على الاصلاح. وذلك بمشاركة من ديوان المحاسبة.

وكان المدعي العام في ديوان المحاسبة، القاضي فوزي خميس قد ارسل الى الادارات والمؤسسات العامة والبلديات والهيئات الخاضعة لرقابة الديوان في 10/10/2018 مذكرة حملت الرقم 82 يطالب فيها ابلاغه نصوص تعيين الموظفين والمستخدمين لدى هذه الادارات والمؤسسات وجاء في المذكرة:

حيث ان عدداً من الادارات العامة والمؤسسات والبلديات والهيئات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة لا تقوم بابلاغ الديوان والنيابة العامة لديه نصوص تعيين الموظفين او انها كانت تقوم بذلك بعد انقضاء وقت طويل على التعيين وغالباً بعد ترك الموظف الخدمة.

وحيث ان المادة 86 من المرسوم الاشتراعي رقم 82 تاريخ 16/9/1983 (تنظيم ديوان المحاسبة) نصت على ان تبلغ كل من ديوان المحاسبة والمدعي العام لديه فور صدورها كافة النصوص المتضمنة تعيين الموظفين او المستخدمين لدى الادارات والمؤسسات والهيئات الخاضعة لرقابة الديوان.

وحيث ان المادة المذكورة اعلاه اوجبت على الغرفة المختصة لدى الديوان: اذا تبين لها ان التعيين جاء خلافاً لاحكام القوانين والانظمة النافذة ان تتخذ قراراً قضائياً بعدم صرف النفقة الناتجة عن هذا التعيين، على ان تنظر الغرفة المختصة في القضية عفواً او بناء لطلب رئيس الديوان او المدعي العام لديه.

وحيث ان عدم التزام الادارات والمؤسسات والهيئات الخاضعة لرقابة الديوان بنص المادة 86 وفقاً لما ورد اعلاه يجعل عملية اجراء الرقابة وتطبيق الاجراءات اللازمة بشأن المخالفين غير ممكنة عملياً.

لذلك

تطلب النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة من جميع الادارات العامة والبلديات والمؤسسات العامة الخاضعة لرقابة الديوان، ضرورة ابلاغها كافة النصوص القاضية بتعيين موظفين فور صدورها. ايا كانت طريقة التعيين، كي يتمكن الديوان والنيابة العامة لديه من ممارسة الرقابة المقررة على تلك النصوص وفقاً للاصول وذلك حرصاً على المصلحة العامة وحفاظا على المال العام.

ورفض خميس الحديث عن ارقام الموظفين غير القانونيين بانتظار وصول كافة المعلومات من مختلف الادارات والمؤسسات التي راسلها، حول المعطيات التي ادت الى هذا التوظيف وعلى اي اساس قانوني، وغيرها من الامور، لكي يبنى على الشيء مقتضاه القانوني خصوصاً ان القانون 46 يمنع جميع حالات التوظيف والتعاقد الا بقرار من مجلس الوزراء وبناء على تحقيق تجريه ادارة الابحاث والتوجيه في مجلس الخدمة المدنية.

وحول القرار الذي يمكن اتخاذه في حال اثبات ان التوظيف غير قانوني قال خميس: نرفع التقرير الى ديوان المحاسبة الذي يطالب بوقف النفقة المالية التي يتقاضاها الموظف غير القانوني، بموجب المادة 86 من قانون ديوان المحاسبة ويتم توقيف اعتماداته.

وفي حال اراد هذا الموظف الشكوى اكد خميس ان مجلس شورى الدولة هو صاحب الصلاحية للنظر في ذلك.

مهما يكن من امر لا تستبعد مصادر اقتصادية مطلعة ان تكون ملامح الاصلاحات تبدأ من هذا الموضوع اي التوظيف غير الشرعي وما اذا كان هناك قرار بمعالجة هذا الملف عن طريق وقف الاعتمادات المالية لهؤلاء الموظفين، اما اذا تدخلت السياسة وضاع «الشكنكاش» فان الشروط التي وضعها مقرضو ومانحو مؤتمر سيدر للمساعدة تكون قد انتهكت وبالتالي يجب مراجع هذا المؤتمر ويمكن للمقترضين ان يمتنعوا عن اعطاء اموالهم التي ستذهب هدراً.

ومهما قيل عن وصاية مالية من قبل المؤتمرين في سيدر، فانه لا يمكن ان تتم المعالجة وتحقيق الازدهار والتطور الا بتطبيق هذه الاصلاحات المفروضة والتي هي اليوم حاجة وضرورة، خصوصاً الاصلاحات التي تطالب القطاع العام والكهرباء والاتصالات لانقاذ هذا البلاد المطلوب ان ينهض اقتصادياً.