هناك فرق كبير بين شعب يكافح بايجابية للتغلب على صعوبة الحياة وبين شعب اختار الاستخفاف والخضوع لكل الويلات التي يعيشها. وقسم كبير من اللبنانيين يتعامل مع ازمات شهدها ويشهدها لبنان بجو من المزاح والسخرية دون ان يقوم بردة فعل توازي حجم تردي الحياة في لبنان. فلماذا اختار بعض اللبنانيين الاستسلام للواقع المذري في لبنان وان ساء الامر فيلجأ فقط الى التعبير عن رايه وعن غضبه على وسائل التواصل الاجتماعي؟ لماذا اختار اللبناني الخضوع الى كل ما يحصل في لبنان من ازمات ملتزما الصمت حتى في مواضيع خطيرة تضر بصحته وتعرضه لامراض واوبئة؟

ليس صحيحا ان تعامل قسم من اللبنانيين بتعليقات مازحة حيال ازمات قد تشعل ثورة في بلدان اخرى انه يصب في خانة حب الحياة والاستمرار مهما تعاظمت الصعاب بل في الحقيقة هذه الحالة التي يعيشها اللبناني تدل الى حالة "استلشاء" وانصياع لكل القذارة التي تحوم من حوله وكانه بات يعتبر ان هذا قدره ان يعيش ازمة تلوة اخرى والحل ليس في يده.

منذ يومين ضربت العاصفة "نورما" لبنان وكشفت هشاشة البنى التحتية في عدة مناطق لبنانية وهذا خطأ فادح تتحمل مسؤوليته وزارة الاشغال والبلديات خاصة في المناطق التي عمت المياه الطرقات واقفلتها واحدثت عجقة سير خانقة واصابت السيارات باضرار جسيمة لعدد كبير من المواطنين اللبنانين ناهيك عن دخول المياه بيوت الناس وشل حركة الناس.

وعلى سبيل المثال, في ضبيه راينا بعض اللبنانيين يمرحون ويسرحون ويمارسون نشاطات رياضية بحرية في حين الرد الصائب والمنطقي امام هذا الاهمال من الدولة هو حشد كبير من المواطنين للتعبير عن غضبهم ولكن للاسف لم نشهد اي ردة فعل غاضبة تجاه وزارة الاشغال او بلدية ضبية للتقصير الذي حصل وتداعيات ذلك في هذه المنطقة من جراء العاصفة.

وهذا التقصير لم ينحصر فقط في ضبية بل طال مناطق اخرى في عكار والبقاع وكانت حالة اللبنانيين حزينة وردة فعلهم مشابهة لباقي اللبنانيين الذي عانوا من اضرار العاصفة.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي, واصل بعض اللبنانيين المزاح والسخرية حيال اضرار عاصفة نورما وامام مواقف حصلت لاناس اثناء المطر الغزير في حين بالكاد قرأنا بعض الانتقادات الجادة والتي تظهر مسؤولية ووعي وادراك حيال ما يحصل ومطالبة بمحاسبة تردي الطرقات رغم الموازنات الطائلة التي تصرف لبناء الجسور والصيانة والطرقات و...

وانتهت العاصفة نورما ولم نر اي ردة فعل غاضبة تدعو لمحاسبة اصحاب الشأن الذين تسببوا في اذلال اللبنانيين على ارضهم وفي قلب بلدهم. وسيشهد لبنان عواصف ثلجية اقسى من عاصفة نورما وستعوم المياه في الطرقات وسيذل اللبناني من جديد ولن يحرك احد ساكنا لوضع حد لهذه الاخفاقات التي تحدث كلما امطرت في لبنان او بالاحرى لن يثور المواطن اللبناني على ابسط حقوق من المفترض ان تؤمنها الدولة له.

ذلك ان قسم من اللبنانيين لا يعتبر ان من واجبه او من مسؤوليته النزول الى الشارع ورفع الصوت عاليا ومطالبة وزارة الاشغال والشركات الملزمة بمشاريع طرقات معينة والبلديات ان توضح السبب التي ادى الى تردي اوضاع الطرقات او يسائلها بعض من اللبنانيين لوزراة الاشغال اين تذهب الاموال المخصصة للطرقات والجسور والصيانة واي دور الوزارة في متابعة ذلك.

هذا واذا تكلمنا عن بلد لم تتشكل حكومته بعد حتى يومنا هذا بسبب السجالات المحتدمة بين المسؤولين المرتهنين للخارج, وهنا نرى ايضا قسم من اللبنانيين يصمت تجاه هذه الكارثة وهذا الشلل المؤسساتي وتجاه هذه الوقاحة في الاستخفاف بالوضع الاقتصادي السيء. وفي هذا السياق ايضا لا ينقطع اللبنانيين من اطلاق مواقف ساخرة ولكن من دون اي تحرك فعلي على الارض فلا انتفاضة ولا مظاهرة متواصلة ولا اضراب مفتوح. باختصار :لا شيء.

وبعد سنوات عدة , سنعيش مجددا شغور رئاسي وفراغ حكومي والشعب لن يتحرك والمسؤولون ينتظرون اشارة من الخارج لحل الوضع الداخلي.

واذا تكلمنا عن الفقر والضرائب وغلاء المعيشة وكل الاعباء التي يتحملها اللبناني , لا نر اي موقف يوازي ويساوي حجم معاناة هذا الشعب المسكين فهو يعيش الامرين على ارضه ويشرد في قلب وطنه , يهجر من بلاده عنوة وقسرا ورغم ذلك يختار اللبناني الصمت والتعامل مع الامور باستخفاف.

هذا ليس عافية في المجتمع لا بل يعكس تراجع فكري في المجتمع اللبناني فقد اكتفى ببضعة مواقف ساخرة يطغى عليها طابع الاستسلام. انها فعلا ماساة ان يتحول اللبناني الذي كان رائدا في الثقافة والنهضة العربية والحضارة والتمدن ومن اوائل الرافعين لراية الحرية والعنفوان والكرامة ان يتخلى عن هذه الصفات ويرضخ لما خطط له سياسيونا .

من هنا, من المعيب ان يقبل اللبناني بالحالة المتردية بل حان وقت الانتفاض على كل هذه القذارة على كل الاصعدة .