يعاني الكثير من الأزواج من عدم إنجاب الأطفال، وذلك إما من عقم عند المرأة أو عند الرجل، وفي بعض الحالات يكون العلاج عقيماً أيضاً، وهذا يؤدي في بعض الأحيان إلى حياة يملؤها الملل وعدم الاستقرار وحدوث مشاكل وانفصالات أو زواج ثان، عند الأديان التي تسمح بتعدد الزوجات، وخاصة عند المسلمين، حيث يجوز للرجل أن يتزوج أربعة نساء، وإنه من طبيعة البشر وخاصة المرأة، أنهم يشعرون بالحنين والشوق الى الأبوة والأمومة، ويتمنون أن يكون لهم أولاد يملؤون عليهم حياتهم۔

لهذا، فإن العديد من المتزوجين الذين لا يستطيعون الإنجاب، يذهبون الى خيار "التبنّي"، ويلجؤون الى دور الرعاية والايتام للحصول على طفل من أبوين غير معروفين، وتتم عملية التبنّي ويعاملون الطفل المتبنّى معاملة الابن من صُلبهم، لناحية العطف والحب والانفاق عليه والتعليم وحتى الإرث.

من هنا كان لا بد من أخذ رأي الديانات والمرجعيات الإسلامية والمسيحية والقانونية للوقوف على شرعية التبنّي وحقوق الطفل في حال حصلت عملية التبني عند كل مرجعية۔


الشروط القانونية

أما من الناحية القانونية فإن للتبني شروط وقوانين، وذلك لحفظ حق الطفل المتبنّى من جهة، ولتأكيد تسجيله في الدوائر الرسمية على خانة الأهل الجدد (المتبنّين) وإصدار بطاقة هوية تثبت انتمائه الى عائلته الجديدة، ليتم إبرازها عندما يكبر الطفل ويدخل المدرسة ومن ثم الجامعة او إصدار جواز سفر او أي شيء له علاقة بالقانون وحتى بالميراث أو الوصية عند البعض، لذا تتم دراسة أوضاع الأهل المتبنين للناحية المادية والاجتماعية وإن كانوا مؤهلين فعلا لرعاية طفل، على أن تتم إبراز وثيقة من المركز الذي يعيشه فيه الطفل على الموافقة لتبني هؤلاء الاهل للطفل۔

أما من الجهة الدينية، فهل تسمح كل الأديان بالتبنّي، أم أن البعض ترفض الفكرة بالمطلق، وتطرح حلاً آخر، ومن هي الديانة التي تسمح بالتبنّي وتفضله على طفل الأنابيب وحتى ترفض الفكرة أصلاً، ومن هي الديانة التي ترفض فكرة التبنّي وتفضل طفل الأنابيب، أو التكفّل باليتيم كلياً أو جزئياً، لهذا قمنا بالاستشارة الكنسية والتي كان لها رأي مهم، وأيضاً بالاستشارة الإسلامية والتي أيضاً كان لها رأيها المهم، وكلٌّ شرح أسباب القبول أو الرفض من منطلق الديانة التي يتبعها وينتمي إليها۔


رأي الكنيسة للتبنّي عند المسيحيين

وللوقوف عند رأي الكنيسة، اتصلنا بالأب جوزيف عبد الساتر لسؤاله عما تقوله الكنيسة، فقال: إن الكنيسة لا تمانع في التبنّي، لا بل تشجّع عليه وترفض من الناحية الأخرى طفل الأنابيب، وذلك لاعتبارها ان هذا الطفل الموجود في دار الرعاية واليتيم الأهل، هو أحق من أن يتم إنجاب طفل عبر التلقيح الاصطناعي، حتى ولو كان من الزوج نفسه، لأنه طفل مجهول وغير موجود، بينما الطفل اليتيم والذي يمكن أن يكون في أحد دور الأيتام أو عند عائلة لا تستطيع إعالته وتربيته، فهو موجود وله الحق في الحياة مثله مثل أي طفل آخر سيتم إنجابه، وذلك عبر أي وسيلة من الوسائل إن كان بالتلقيح أو غيرها۔

لهذا، فإن الكنيسة تشجّع على التبنّي شرط أن يتم التحقُق من الأشخاص الذين يريدون التبنّي لناحية اعتناقهم الديانة المسيحية أولا، أي أن يكونا مسيحيين وملتزمين بحق، وأن يكونا تحت سن الأربعين وذلك ليستطيع هذا الطفل المتبنّى أن يعيش بينهم ويتربّى بشكل صحيح وسليم على الديانة المسيحية، وأن يكونا قادرين على إعالته وتقديم الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والتأهيل العلمي وكل احتياجاته۔

من جهة أخرى فإن هذا الطفل المتبنّى في حال حملت أمّه بالتبنّي وأنجبت فتاة، فإنه لا يمكن لهما أن يتزوجا في المستقبل لأنها تعتبر أختاً له۔ كما يحق له أن يرث والده أو والدته بالتبنّي، كأي فرد عادي في العائلة وذلك بحسب القانون المدني أو الوصية التي تركها أحد الوالدين، إذا وجدت۔


النظرة الإسلامية للتبنّي

أما من الناحية الإسلامية، فقد تواصلنا مع الأستاذ والباحث في الشريعة الإسلامية، السيد محمد نور الدين للوقوف عند نظرة الإسلام الشاملة بالنسبة للتبنّي إن الإسلام يعتبر ان الاسرة المتكونة من خلال رابط الزواج، هو النواة الأساسية للتكاثر البشري والتي يتشكل منها المجتمع، وحفظا لسلامة الانساب وطهارتها، فإن الشريعة الإسلامية، تلحق المولود بالزوج بسبب الفراش لا لمجرد العقد، استنادا الى قاعدة (إمكان الالحاق) التي تسالم الفقهاء على صحتها۔ ولهذا لا يكون ضم الفرد الملتقط نسبا، ولا التبني وهو ادعاء ونسبة ولد معروف النسب الى نفسه، عملا شرعيا۔

وعليه فقد حرمت النظرية الإسلامية فسخ النسب الأصلي للفرد عن طريق التبني او الالتقاط، حيث لا يحق لاحد حرمان الولد من لحوقه بنسبه البيولوجي لان فيه تبعات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية كالتوارث المالي واكرام الفرد لنسبته الى أبويه البيولوجيين۔

ولهذا، فإن الإسلام يفضل الكفالة لليتيم وكفالة الفقير الذي ليس له معيل، وهذا لا خاف عليه دينيا، فإن مساعدة المحتاج هو شيء سامٍ يشجعه الدين كثيرا۔

والكفالة هي الاهتمام بشخص محتاج سواء كان سبب اليتم او الفقر، سواء كان صغيرا او كبيرا، فيقوم الكفيل بتأمين مأكل وملبس واحيانا سقف هذا الشخص وقد يسكنه عنده في بيته، فالكفالة قد تكون جزئية وقد تكون كاملة۔ مع ان هذا العمل لا يرفع المحاذير التي ذكرت سابقا فيما لو قرر الكفيل إسكان المكفول الصغير في بيته كأن يتخذه ولدا، ولكن يمكنه رفع بعض المحاذير الأساسية والمربكة لهم من خلال العديد من الأمور منها نسب الرضاعة وذلك فيما لو كان المكفول الصغيره عمره اقل من سنتين مع تحقيق شروط الرضاعة۔

وبهذا، بحسب الشريعة الإسلامية، يكون قد تأمن للطفل المتكفّل احتياجاته مع إعطائه عائلة تحضنه دون إشكالات شرعية ويتم تأمين كل احتياجاته۔

وهناك حالة يمكن ان تكون قليلة او شبه نادرة إسلامية، وذلك في حال قامت الأم التي تنوي ان تتكفل بطفل او برعايته في منزلها، بإرضاعه من ثديها "في حال كانت ترضع أحد أولادها"، فإنه عندها يصبح حلالاً عليها وعلى أولادها وزوجها صاحب اللبن، ولكن لا يعتبر ولداً بالنسب، أي أنه لا يرث ولا يستطيع أن يتزوج الفتاة التي كانت ترضع من حليب الأم التي أرضعته أثناء إرضاعها۔