...واخيراً، على ما يبدو حتى الآن، حلّ الروح القدس، قبل ولادة يسوع، على جميع الافرقاء الذين حملوا وزر عرقلة تشكيل الحكومة، شهرين اضافيين ينتهيان في مطلع السنة الجديدة، وحلّت ألسنتهم لينطقوا بلغة التفاؤل والتعاون والتحابّ والتسهيل، بعدما كانوا ينطقون متفجّرات واتهامات وردحاً يبدأ ولا ينتهي.

مدير عام الأمن العام عباس ابراهيم بشّر باننا دخلنا «الربع ساعة الأخير»، وبصم على كلامه النائب عبد الرحيم مراد بقوله ان «الخبر اليقين خلال اليومين المقبلين» في تأكيد لأجواء «كتلة لبنان القوي» التي تجزم بأن «الحـكومة قبل عيد الميلاد».

كل هذا «زين»، ولكن اللبنانيين سمعوا الكثير من الوعود والعهود والتوقيت، ولدغوا من الجحر مرّات ومرّات وليس مرتين فقط، واصبحوا يشبهون توما، تلميذ المسيح، الذي لم يؤمن بصلب المسيح وموته وقيامته، الاّ بعد لمس جروحه في اليدين والقدمين والصدر، لذلك وبانتظار ان تكتمل «عجيبة» تشكيل الحكومة، وينادي المنادي باسماء الوزراء المحظوظين وحقائبهم، لا بد من الاشارة الى ما كان يقال دائماً بأن تشكيل حكومة لبنان، مرتبط في جزء منه بما يجري في المنطقة، وقد كشف النائب ياسين جابر في تصريح اذاعي، ان الحلحلة بدأت عند البدء بمحادثات السويد لتسوية حرب اليمن، وعندما قرر عمر البشير رئىس جمهورية السودان الانفتاح على النظام السوري بعد التشاور مع دول عربية اخرى، لذلك لا شيء يمنع ان «يتفركش» التشكيل، اذا اصيب مثلاً احد الرؤساء «بمغص» في معدته.

قصة «المغص» هذا، حكاية تحكى لفرادتها، قرأتها منذ زمن في مذكرات الصحافي الكبير اسكندر الرياشي الذي كان مشهوراً بخفة دمه وروح النكتة. قال الرياشي ان رئىس الجمهورية اللبنانية ايوب ثابت كان يشكو من «كتام ومغص» مزمنين، وكان عندما يصاب بهما تخرب الدولة للقرارات الخنفشارية التي كان يتخذها، والتي كانت تنتهي مدتها عندما يرتاح من «الكتام والمغص»، لذلك نرجو لرؤسائنا وملوكنا العرب وللقريبين منهم جغرافياً، الراحة الدائمة، ليرتاح لبنان من قراراتهم.

* * *

اذا تمت التسوية الحكومية، تكن حكومة سعد الحريري، قطعت مرحلة من مراحل اخرى ننتظرها، قد تكون بصعوبة التشكيل ان لم يكن اصعب، مثل البيان الوزاري، والمؤتمرات الرئاسية، والنأي بالنفس، وحصص التعيينات، والخلاف على اولويات المشاريع، ومحاربة الفساد، وتنقية الادارة وترشيدها، والتهديد الدائم باسقاط الحكومة في المجلس النيابي، اذا «حاد الحريري عن الزيح المرسوم له».

بانتظار التشكيل والمراسيم ليبنى على الشيء مقتضاه.