لا يعدم العدو الاسرائيلي الحيلة والوسيلة لافتعال حرب مع لبنان كل عقدٍ من السنوات، وهذا الأمر يعلمه الصغير قبل الكبير في لبنان، فإسرائيل بنواياها المعلنة أخذت على عاتقها، تأديب المنطقة العربية، بشتّى الوسائل المتاحة، بإيقاظ كل فتنة ممكنة، وبإحياء القوميات الصغيرة بكافة أقلياتها المتنوّعة وفي مقدمها المسألة الكردية والتي خرجت منها بفشل ذريع، وبتعزيز الخلافات المذهبية، وبتأجيج النزعات والنزاعات الطائفيّة، وللأسف الشديد فإنه على الرغم من دراية الجميع بكامل أغراضها العدوانية لإشعال المنطقة بأيّ شكل من الأشكال، فإنّ المناخات العربية المهيضة بل المريضة قد ساهمت بتفعيل هذه الرغبات العدوانية السافرة، وأتاحت الفرصة لبلوغ الأزمات المفتعلة.. ذروتها، في عدّة دول عربيّة، ولعل نجاة لبنان من نشوب الحرب المباشرة فوق أراضيه، يعود إلى تعقّل وحرص جميع الأطراف فيه على الرغم من خلافاتهم المستشرية، أن يحيّدوا لبنان عن أتون النيران المشتعلة في المنطقة العربية، وقد أفلحت مختلف القيادات في الخروج من الأزمة العربيّة بأقلّ الخسائر الممكنة، إلا أنّ الجانب الإقتصادي في لبنان لم يسلم من الانهيار بدرجة مريعة، بسبب انعدام الحركة السياحيّة، وكما هو معلوم فإنّ لبنان يعتمد أصلاً على المداخيل والخدمات السياحيّة، ويبدو أن «تفرّد» لبنان في دوره السياحي السابق لم يعد متاحاً بكلّ الحريّة والفرادة التي كان يتمتّع بها، إذ أنّ المستفيد الأكبر من تعطيل الجانب السياحي في كلٍّ من لبنان وسوريا، هو أكثر من بلد، فحسب الإحصائيات المحليّة قد زاد عدد سياح تركيا على سبيل المثال سبعة أضعاف بأقلّ تقدير، بعد أزمة سوريا وسنوات الحرب الطويلة فيها، والتي انعكست بمختلف توتراتها على لبنان، والتي كانت تهدّد بانفجار الوضع الداخلي على الدوام بحكم الضغط الذي لحق لبنان بعد لجوء أكثر من مليون ونصف سوري كانوا السبب الأول في تضارب المواقف بين جميع الأفرقاء..

كذلك دبيّ استطاعت بانفتاحها على كلّ جديد أن تحتل مركزاً سياحيّا لا يُستهان به جعلها المنافس الدائم للبنان، وها هو العدو الاسرائيلي الذي تخطى الحصار العربي علناً، وصار بمقدورها تبادل الزيارات بينها وبين دول الخليج، حتماً تمهّد لسياحة مفتوحة على أكثر من صعيد، أهمه ربما السياحة العربية الدينية بحجّة زيارة الأقصى، وليس هذا الأمر على العرب ببعيد، بعدما تحدّدت المواقف، وأصبح اللعب على المكشوف.

إذاً العدو الذي فشل في امتداد الأزمة من سوريا إلى لبنان، لا يروقها الهدوء الذي ينعم به لبنان نسبيّاً، وبعدما وضعت روسيا حداً لتمادي أميركا ودول التحالف في سوريا، لم يبقَ أمام العدو إلا «التحرّش» المتواصل في القوّة اللبنانية العُظمى المتمثّلة في حزب الله وهو القوّة العسكرية التي دخلت على خطّ التوازن في مفهوم القوّة الرادعة وتحقيق معادلة الرعب، لهذا استباحت إسرائيل السماء السورية بضرب ممنهج لمستودعات الذخيرة لحزب الله القادمة من إيران والمخزونة في دمشق وبكل ما يستتبعها من منشآت حيوية خاصّة بهذا المجال.

ومع التهديد الروسي بتسليح سوريا بمنظومة الدفاعات الجوية الS300 - لم يكن أمام العدو إلا أن يتحايل على الرأي العام العربي والدولي بالهدوء الحَذِر، وفي واقع الأمر هو مجرّد هدوء آني، ريثما تتحضّر لمفاجأة جديدة تهدّد فيها الأمن والإستقرار اللبناني، ولعلّ أحداث الجبل الأخيرة وانشغال الحزب في التشكيل الحكومي، وخلافه المتفاقم مع الرئيس سعد الحريري، ودعم حلفائه النواب الستة المستقلين، كل هذه الأمور مجتمعة، أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل أن تمارس غطرستها المعهودة بالتطاول على حرمة الجنوب، بحجّة اكتشاف الأنفاق، وبدون مقدمات احتشدت الآليات لتبدأ الحفر وإزعاج الأهالي، واستفزاز مباشر للعناصر الحزبية الموجودة في المنطقة، وكأنّها تحاول أن تراهن على صبر السيد حسن نصر الله، وربّما تحاول أن تستجرّه لحرب استنزاف جديدة، تستشعرها قوات «اليونيفيل» قبل غيرها، والتي تحاول جاهدة وتحرص على أن تحافظ ما بوسعها بإبقاء الجنوب هائداً، ولا أحد يستطيع التكهّن تماماً عن أبديّة هذا الهدوء، فمن يعلم خلفية النوايا وحقيقتها الفعلية لهذه الحفريات من العدو الإسرائيلي بكل الإدّعاءات التي وجدت فيها ضالّتها للتحرك ضدّ الجنوب، ولم لا تكون هذه الحفريات مشروع أنفاق من العدو تمتد إلى العمق اللبناني، مع إسرائيل كل الإحتمالات العدوانية واردة، فلا شكّ أن الوضع الحكومي «الهشّ»، والخلافات اليومية المتصاعدة، والفضائح التي طالت آخر ورقة توت كانت تستر فساد الحكومة اللبنانية، الأمر الذي يشجّع العدو الاسرائيلي ومثيلاته على انتهاك حرمة الدولة اللبنانية، والمواطن الذي أرهقته لعنات التقصير المتراكم داخل دولته، لن يجد الوقت الكافي في غمرة اختناقاته ليلعن إسرائيل وتطاولها الذي لا يقف عند خطٍّ أزرق أو أحمر أو قوّاتٍ دوليّة..