تزامناً مع اندلاع الحرب الأهلية (اللاأهلية) عام 1975، تكلم رئيس الحركة الوطنية الراحل كمال جنبلاط في مهرجان أقيم في بلدة يحمر في البقاع الغربي. ما ان فرغ من كلمته، ودخل الى سيارته حتى لاحظ أن هيئة الاذاعة البريطانية تبث أقواله في المهرجان.

بدت الدهشة على وجهه، وقال «يا جماعة، يبدو أننا نلعب لعبة أكبر منا بكثير».

ماذا يحدث الآن سوى أن بعض الساسة في لبنان يلعبون لعبة أكبر منهم بكثير؟ لعلنا كنا بحاجة الى «صدمة الجاهلية» لندرك أين انزلقت احدى قدمينا، واين، وكيف، تنتظر القدم الأخرى.

اسم البلدة ينطوي على الكثير من الايحاءات، بعد احتواء الاحتمالات، والتداعيات، الكارثية. تعاطي السياسة، وهي فن الممكن (عندنا... فن المستحيل)، بطريقة شيوخ القبائل لا بفلسفة (ورؤية) رجال الدولة.

متى لم تكن حروبنا الراهنة على شاكلة حرب البسوس؟ في نهاية المطاف، الناقة تاهت في الصحارى، ودخلنا كلنا في التيه.

شأننا شأن الدول الشقيقة، ميكانيكياً يتحول القادة الى أصنام. هذه أزمنة الوثنيات الكبرى لا أزمنة الديانات الكبرى ولا أزمنة الايديولوجيات الكبرى.

منذ سنوات ألقى الصحافي الأميركي تيد كيبل محاضرة في الجامعة الأميركية في بيروت. قال «حين تتحرك الحيوانات الكبيرة، تتألم الحيوانات الصغيرة». لو كنا نتألم، لوكنا نخجل، لما كنا القهرمانات في حضرة الحيوانات الكبيرة.

حتى اللحظة، لانزال غافلين (مغفلين) عن جوهر أزمتنا. أزمة وجود. اذ تتجاوز سائر الأزمات الأخرى، تبدو النتيجة الجدلية للأزمات الأخرى.

حين تسلم كونراد اديناور منصب المستشار غداة الحرب العالمية الثانية، قال للألمان «ما يوحدنا الآن هذا التراب الذي بقي لنا».

اذ تلاشى مفهوم الدولة في يومياتنا، اذ استنزفت الطبقة الأوليغارشية كل امكانات بلادنا لتبدو الأرض اليباب (عنوان القصيدة الشهيرة لـ ت.س.اليوت)، اذ تفككت العلاقات السوسيولوجية بيننا، لندع التراب الذي بقي لنا يوحدنا، مادامت الزلازل، اجراس المستقبل، لا توحدنا.

الحيوانات الكبيرة تتقن الرقص على حافة الهاوية. ماذا حين تحاول الحيوانات الصغيرة الرقص على حافة الهاوية؟

في اللحظة اياها، اقتربنا كثيراً من الانفجار. ثمة من رأى في نفسه الدهاء، وهو الغباء بعينه. لعب بهلوانياً في الجزء الخلفي من المسرح. لا حاجة للأسماء هنا. لملمة الوضع جرت في الثواني الأخيرة. لم نعد ندعو الى التخطيط كأي شعب يريد الدخول، ولو من ثقب الباب، الى القرن. نكتفي بالدعوة الى... التأمل.

ماذا يحل بتلك القامات، المقامات، اذا ما اندلعت الحرب, واذا ما انهارت العملة الوطنية، واذا ما تمزقت المناطق، وتمزقت معها الطوائف؟

كل ما في الأمر، ذئاب تأكل الذئاب. ولنذهب الى الأسطورة التركية حيث ذئبان، كل منهما يأكل الآخر. اطلالة أخيرة على... السيد العدم.

لم نعد «هالكم أرزة العاجقين الكون»، ولا «هالكم أزمة العاجقين الكون». النائمون على ريش النعام لوجود المظلة الدولية لم يدركوا، ولن يدركوا، أن القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكون نسخة عن القرن التاسع عشر. الآن، الأبواب مشرعة على تغييرات دراماتيكية في المعمارية الاستراتيجية للشرق الأوسط.

المسيحيون الذين شكلوا الأساس في قيام دولة لبنان الكبير, بعضهم امتطى الحصان السني، وبعضهم امتطى الحصان الشيعي. لنعد الى برنارد لويس في وصفه للمنطقة «عربة عتيقة وتجرها آلهة مجنونة».

من أجل من، ولخدمة من، الصراع السني ـ الشيعي؟ لا أحد يكترث بالسؤال. المهم أن ترتفع الرايات فوق المقابر.

نتصور أن «صدمة الجاهلية» آتت مفاعيلها. الذين وضعوا عيدان الثقاب على الطاولة أعادوها الى مكانها. أي صيغة للشرق الأوسط حين تتدحرج التسويات الكبرى، الصفقات الكبرى، من جبال مران في اليمن الى ضفاف المتوسط؟

هل يعي الساسة عندنا أن مهمتهم لم تعد ادارة الأزمة. أن يستمر الستاتيكو، وتبقى الجمهورية على العكاز. مهمتهم

الآن أن يتوحدوا (أن يوحدهم التراب لا الخراب) للخلاص من الأزمة، وبعدما بات جليّاً أن صفقة القرن تتعامل مع لبنان على أنه الفائض الجغرافي (هنري كيسنجر) أو الخطأ التاريخي (آرييل شارون).

متى الانتقال من الجاهلية، أي من منطق القبيلة، الى الحداثة، أي الى منطق الدولة؟ مثلما ترفرف الرايات، على أنواعها، في مجاهل الجمهورية، ترفرف علامات الاستفهام على أنواعها...