لم يعد خافياً أن مرحلة جديدة قد انطلقت على الساحة الإقليمية، وبرزت مؤشّراتها الأولية من خلال تجدّد الغارات الإسرائيلية على الساحة السورية أولاً، والتصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ثانياً، والمواجهة الروسية ـ الأميركية ثالثاً، وهو ما قرأت فيه أوساط ديبلوماسية مطلعة عملية تهيئة للمنطقة من أجل إطلاق آليات تنفيذ صفقة القرن التي أعدّتها الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل القضاء على القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي عن طريق تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني واللاجئين في لبنان، كما في سائر دول المنطقة والعالم. وبرأي هذه الأوساط، فإن ما يسجّل من اشتباك داخلي على الساحة الفلسطينية في الدرجة الأولى، في موازاة الصراعات الإقليمية الدائرة في المنطقة، من دون إغفال الحرب الإرهابية التي ما زالت تضطلع بها فلول تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، كما في مصر، هي حلقات متّصلة ببعضها البعض من ضمن سيناريو متعدّد الفصول، يرمي إلى إعداد المسرح الإقليمي للصفقة الأميركية ـ الإسرائيلية الداهمة.

ووسط هذا المشهد الحافل بالتعقيدات، يبدو من الطبيعي أن يتأثّر لبنان بالرياح التي تهبّ على المنطقة، كما قالت الأوساط الديبلوماسية، والتي اعتبرت أن المناخ المذهبي الذي يسيطر على العلاقات ما بين عواصم المنطقة، هو المسؤول عن الأجواء المتوتّرة الناتجة عن الإنقسامات ما بين المكوّنات السياسية الداخلية في سياق الخلافات الحكومية، والتي تتّصل مباشرة بسيناريو الفوضى الذي تستمر فصوله في أكثر من ساحة عربية.

وفي هذا الإطار، أدرجت الأوساط نفسها اتساع مساحة الفراغ الحكومي والوقت الضائع داخلياً، علماً أن الفراغ ينذر بأن يشكل بيئة مناسبة لأي إشكالات أمنية، وذلك، على الرغم من أن المراجع السياسية، كما العسكرية، قد جزمت بأن الوضع الأمني ممسوك على الأرض، وما من مجال لأي فريق داخلي أو خارجي بالتلاعب بهذا الوضع، أو الدخول على خط الخربطة للإستقرار العام.

ومن جهة أخرى، وفي الإطار نفسه، فإن الأوساط الديبلوماسية التي تحدّثت عن رسائل واضحة برزت من خلال ما شهدته الساحة الداخلية على امتداد الأسبوع الماضي، أكدت أن القرار السياسي المحلي يضع الإستقرار أولوية في أجندته السياسية بصرف النظر عن التباينات في البرامج والإتجاهات والتحالفات، وبالتالي، فإن الحملات السياسية والإعلامية، كما التوتّرات الميدانية المتنقّلة قد توقّفت عند حدود المعالجات السريعة والإستثنائية وخصوصاً ماحصل في الجاهلية، وكادت ان تفلت الامور وتصل الى ما يحمد عقباه، لولا تدخل حزب الله المباشر لوقف «حمام دم» كاد ان يحصل.

لكن هذه المعطيات، لا تعني بالضرورة أن تقاطع الإرادات على الساحة الداخلية سيمهّد إلى فكفكة العقدة الحكومية الأخيرة، وفق هذه الأوساط، ذلك أن التوافق الذي تكرّس أخيراً على خط حماية الأمن والإستقرار من استفزازات الشارع، لن يساهم في تهيئة الحلول التي لا تزال مستبعدة في الوقت الراهن، بانتظار تطوّر يخرق الحلقة المفرغة التي لا تزال تدور فيها الوساطات الجارية.