غادا فؤاد السمان

وقبل أن ينفجر الوضع اللبناني لفرط الضغط والسخط والتذمّر والأزمات التي لا تُحصى، خرج الوزير المُبجّل «سيزار أبي خليل» وبشّر الشعب اللبناني العظيم، بقبول الباخرة التركية المعجزة «إسراء» والتي ساهم باختيار اسمها البديل عن السابق الذي دخل المياه اللبنانية باسم الباخرة «عائشة»، والتي كادت أن تتسبّب بأزمة سياسية ودبلوماسية وشعبية على أكثر من صعيد، فالإعتبارات المذهبيّة التي تحكم البلد أكثر مما يحكمها القانون، تكاد تصل إلى فئات الدم وتصنيفاته، إذ يخال البعض أنّ ال A + أو ال A ماهو إلا مطلع لاسم Aisha مثلاً..!!؟..

المهم أن الوزير الفاضل «أبي خليل» قد حلّ أزمة الظلام الموعود بـ «الدَين» من باب «ترقيع» الوضع، لا إصلاحه على امتداد «رقعة» الوطن، تماماً كما اعتاد سلفه وكما سيفعل خلفه حتماً، وكأنّ الدَين هو الحلّ المؤقّت لكل شيء، ريثما يمنّ الله، أو تتفضّل الدول المانحة على خزينة الدولة «الداشرة»، وعلى وزارة الكهرباء «النزيهة»، وعلى نظرائه الميامين، وعلى حكومته الرشيدة، بفيض من العطايا و«المتعاطين» بشؤون الدولة وتصريف أموالها أقصد أعمالها المباركة بهمّة الوزراء «الشرفاء» القديسين...

أكتب هنا على عجلة من أمري هذا المقال وبالتسابق مع حلول ساعات التقنين بعد قليل، كون لا تيار بديل إذ أنّ المنطقة هنا في بيروت الإدارية تقدّم اشتراك الكهرباء بمبلغ مقطوع 100د.أ. غير قابلة للنقاش، وغير راضخة لسلطة العدادات، كما أكتب من وحي الزائر الكريم هذا الصباح «جابي» الكهرباء الذي يطالب بسداد فاتورة العام 2017 ومنذ 10 سنوات والمواطن مديون للدولة وخاصّة بسداد فواتير الكهرباء التي لا تنتهي، والتي تُحَرَّرُ من وقت لآخر حسب مزاجية شركة الكهرباء، وحسب النظام المفروض فيها، المواطن الذي يُسدّد فواتير سابقة للكهرباء، ومهما دفع ظلّت الفواتير «قاصر» عن اللحاق بالعام، والشهر، والتاريخ، والحاضر، والقادم من الأيام، هذا إن ظلّ لديه الرغبة في الحياة والإستمرارية، بل لا بدّ من العودة دائماً إلى الوراء باستجرار ذيول الخيبة والعتمة والتقنين، ومن باب السذاجة سألت جابي الكهرباء اليوم، إذا كانت وزارة الكهرباء لا تملك أن تدفع حقّ الفيول نقداً، وكما علمنا أنه تقرّر تفريغ حمولة الباخرة التركية المتبخترة في غنج ودلال قبالة الشواطىء اللبنانية بالسلف والدَين، وكأنّ اليابسة لا تتّسع لمخازن ومستودعات ومشاريع فعلية على الأرض كمحطات نشيطة وحيوية ومعطاءة لتوليد الكهرباء ككل دول العالم اعتباراً من ألمانيا وأميركا وصولاً إلى الصومال وسيريلانكا، وسألته بجديّة وحزم فيما سألته أين تذهب أموال «الجباية» وهي ليست بمبالغ قليلة، فالكهرباء في لبنان تعتبر قياساً للجوار من أغلى أسعار الصرف للكيلواط الواحد، وهي الدولة الوحيدة التي تبيع الكهرباء بصورة مزدوجة وتضع المستهلك بين كفيّ كماشة، متمثّلة بقطاع الدولة والقطاع الخاص، وهو ليس بقطاع منطقي بقدر ما هو قطاع «مافيوي»، ولماذا التنّعت والرفض واستبعاد فكرة إنشاء محطات بديلة حديثة طويلة الأمد ومكفولة الإنتاج، وبكلفة توفّر النصف على خزينة الدولة، بعدما أصبحت معظم محطات الكهرباء السابقة «عاقر»، وغير قابلة لإنجاب ما يكفي من التيار الكهربائي ومن الإنارة لشعب أصبحت جلّ طموحاته وأحلامه «حفنة « طاقة، تعيد الحياة لحياته بعدما أغلقت في وجهه جميع الطاقات، والسُبُل، في بلد بوسعه أن يَعِدَ بالكثير، والدول التي تعرض خدماتها بإنشاء مشاريع تغطّي كامل لبنان وتعطي فعلاً.. لا قولاً 24/24 هي أهل لكل الثقة اللازمة لاعتماد هذه المشاريع وكما هو معلوم ليست شركة «سيمنز» الألمانية هي الأولى التي قدّمت عرضها السيدة «انجيلا ميركل» في زيارتها المقتضبة إلى لبنان، والتي نفت عرضها وزارة الطاقة والناطق الرسمي باسم الرئاسة، إلا أن مجلّة «دير شبيغل» الألمانية عادت وأكدّت اقتراح السيدة «ميركل» كذلك السيد العميد «شامل روكز» لم يخف استغرابه لعدم الإتّفاق مع شركة سيمنز الألمانية، بالمقابل سورية التي تملك مشاريع إمداد هائلة على امتداد الأراضي السورية والتي تفوق مساحة لبنان 20 ضعفاً، والتي تعتمد على كفاءات محلية في تشغيل محطات التغذية وهي القادرة والمتمكنة من تفعيل دور المنشآت والمحطات الكهربائية باستمرار على الرغم من جميع الأضرار التي طالتها خلال فترة الحرب، ناهيك عن المقترحات «الإيرانية» في هذا الصدد، ودائماً السؤال المحيّر الذي يعزّ فيه الجواب عند أكبر رأس في البلد، حتى هذا الجابي المسكين الذي ظلّ مدهوشاً لاسترسالي في حوار غير متكافىء عن أبعاد أزمة الكهرباء والتي أصبحت محور تفكيرنا وهواجسنا جميعاً، وكل مالديه جواب واحد «والله ما بعرف وين المشكل بالضبط»..؟!

على أمل أن يعلم أصحاب القرار وين المشكل بالضبط أختم السياق وكلّي كلل وملل وخيبة وقرف من تقنين لا يشلّ حركة الأدوات في المنزل بقدر ما يعيق حركتنا، وحيويتنا، وحروفنا، وحياتنا بعمومها وخصوصها.. يومياً...