غادا فؤاد السمّان

سبعة عشر عاماً مرّت على حادثة انهيار برجي التجارة العالمية في ولاية نيويورك إحدى الولايات المتّحدة الأميركية، ولا تزال الذكرى حاضرة من كل عام يحيها الأميركيون في الحادي عشر من أيلول باسترجاع المناسبة الأليمة لإلقاء التحيّة على أرواح من رحلوا ضمن مهرجان خطابي يعزز لدى الأهالي الروح المعنوية، هذا العام الخطاب الموجّه لم يكن كسابقيه من الخطابات، فقد فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قنبلة «ابتزاز» من العيار الثقيل للمملكة العربية السعودية حيث وضع قائمة جديدة بالتعويضات لأهالي المنكوبين في البرجين المستهدفين بالتفجير وصلت إلى أرقام خيالية لم يتردد ترامب في إعلانها وهي بقيمة 14 تريليون دولار أميركي مطلوب سدادها من المملكة العربية السعودية التي لم تتنفس الصعداء بعد من مبلغ الـ 650 مليار دولار قيمة الصفقات التي أبرمتها لدى زيارة ترامب وعائلته «الميمونة» لقصر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ونائبه محمد بن سلمان، وظنّ الجميع في حينه أنّ إرضاء أميركا غاية تمّ إدراكها في صفقة السلاح المذكورة أو ربّما هكذا تهيأ لهم، فأطماع دونالد ترامب لن تقف عند حدّ ومطالبه التي تحمل طابعَ الابتزاز لن تقف عند حدّ، وحتماً أن فاتورة الـ 14 تريليون التعويض لن تكون الأخيرة، طالما هو الساكن الحالي في «البيت الأبيض»، وعلى الرغم من جميع الانتقادات التي يوجهها له القاصي والداني إلا أنه ماضٍ في سياسة «التركيع»الاقتصادي للعالم الثالث إن صحّت التسمية، فمن يعتقد أنّ دونالد ترامب يطلق التحذيرات في سوريا هي من أجل فئة معينة من فئات الشعب التي خرجت عن القانون ويخشى عليها من التصفية العسكرية، وبأنه سيبادر إلى حمايتها فهو خاطىء تماماً، فجميع التحذيرات التي يطلقها لروسيا وإيران والحكومة السورية، لا تتعدى أطماعه بالحصول على حصة من الثروات التي تكتنز بها الأرض السورية وأهمها - النفط و الغاز - أيضاً الوضع في العراق الذي لم يهدأ منذ العام 2003 تاريخ سقوط صدام حسين ودخول المارينز الأميركي إلى الأراضي العراقية وإعاثة الخراب فيها بحجّة الكيماوي وقد تمّ السطو على ثروات هائلة من كنوز العراق التي لا تقدّر بثمن، ولا تزال الأطماع لدى ترامب بالنفط العراقي قائمة حتى هذا اليوم والمسألة ليست أكثر من مسألة وقت ليعلن وبشكل سافر عن شراكته الحتمية لمخصص شهري أو سنوي من عائدات النفط العراقي من التصدير، كذلك الوضع بالنسبة إلى ليبيا التي كلّما هدأت يحاول أن يحرّك فيها معظم المليشيات المتناحرة ضد بعضها البعض ويمدّها بالسلاح لئلا تتوقف رحى الحرب الليبية ريثما تكتمل الرؤية لإيجاد خطّة جديدة مُحكمة للسيطرة على الثروات الليبية بطريقة من الطرق، أهمّها مواصلة اشتعال المنطقة العربية لعقد صفقات السلاح المتزايدة لتلبية حاجة المسلحين بتدمير المنطقة بعمومها وتصعيد فترة الحرب لاستنزاف البلاد والعباد في آن، وكله يصبّ في صالح خزينة المال التي قضت على العجز الإقتصادي المعلن منذ سنوات، والذي تخبّطت فيه معظم المؤسسات الضخمة في الولايات المتّحدة الأميركية ومنها من أعلن إفلاسه قبل وصول ترامب، وكما هو واضح أنّ الاقتصاد الأميركي يمرّ حالياً بأفضل مراحله وحالاته، بعدما تمّ إنعاش أهم معامل السلاح ومصانع الطائرات والدبابات والمصفحات وغيرها في زمن الحروب المفتعلة، والحروب المنتظرة على المدى القادم، فمن يعلم متى تكون ساعة الصفر للانقضاض على أرصدة الحلفاء، وقد تمّت الإيداعات الباهظة جداً في البنوك الخارجية التي تساهم هي أيضاً في إنعاش الإقتصاد ليس في أميركا وحسب بل في أوروبا أيضاً، ومن يضمن للمودعين الكرام نزاهة البنك الدولي من وضع اليد على جميع الأرصدة، وتجريد المساهمين الأفاضل من أرصدتهم، بتهم جاهزة أبسطها تمويل «الإرهاب» الذي هو فعلياً صنيعة أميركية إسرائيلية مشتركة..؟

لا شكّ أنّ قراءة الأجندة الأميركية يحتاج إلى «غباء» مُطبق كالذي نشهده لدى من تبقّى من القادة العرب الأشاوس على امتداد المستجدات المتسارعة في تعزيز الخلاف العربي - العربي، وهو قطعاً أهم ورقة رابحة في يد إسرائيل التي تراقب عن كثب تفعيل الصراع المتفاقم، وشرخ الصفّ العربي بالحجج المذهبية، والإنحيازات الساذجة للفريق السنّي وتحولاته، والفريق الشيعي وثوابته، للقضاء على الهدوء والسلام في المنطقة، وجعلها منطقة عسكرية غارقة في الوحل والدم والخراب والفوضى، وبالتالي إنهاء القضية الفلسطينية، وإلهاء العرب في أزماتهم وديونهم ومستحقاتها التي لن تنتهي.

كاتبة سورية - بيروت