لم تكد تمرّ أيّام قليلة على الدعوة التي وجّهها الرئيس فلاديمير بوتين إلى القادة الغربيّين لـ "الاقتداء" بالسياسات الإسرائيليّة في مجال مكافحة الإرهاب، حتّى سارعت القناة الثانية في الدولة العبريّة إلى إجراء مقابلةٍ تلفزيونيّةٍ مع الرجل الثاني في الإدارة الروسيّة الحاليّة، أي رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، سعيًا إلى الترويج لهذا الموقف الذي لا يختلف اثنان على أنّه لا يُقدَّر بثمنٍ في حسابات المسؤولين الإسرائيليّين، وخصوصًا خلال المرحلة الراهنة التي لا يختلف اثنان أيضًا على أنّها تكاد أن تُفضي، بطبيعة الحال، إلى "تتويج" روسيا بصفتها اللاعب الأقوى على المسرح الدوليّ، بما فيه منطقة الشرق الأوسط بالتأكيد.

وإذا كان الرئيس بوتين قد ذهب إلى أبعد مدى ممكنٍ في التعبير عن إعجابه بالنهج الذي تتّبعه إسرائيل في حربها على الإرهاب، ولدرجةٍ وشت بأنّه "لا يرى مشكلة في قتل المدنيّين على الطريقة الإسرائيليّة"، لدى القيام بهجماتٍ ضدّ مواقع الإرهابيّين وتحرّكاتهم، على غرار ما يحدث بين الحين والآخر على الساحة السوريّة، فإنّ رئيس وزرائه كان أكثر دقّة في اختيار المفردات المستخدَمة لتوصيف الأهداف المرجوّة من الحرب الروسيّة على الإرهاب في سوريا، وخصوصًا عندما قال إنّ موقف بلاده ممّا يجري هناك، "لا يرجع إلى التهديد المتزايد لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وحسب، وإنّما إلى ضرورة الدفاع عن مصالح روسيا القوميّة أيضًا"، لافتًا في المقابلة التي تمّ بثّها نهار أمس السبت إلى أنّ "الهدف الأوّليّ لروسيا فيما يخصّ دورها في حلّ الأزمة السوريّة يكمن في منع عودة آلاف المسلّحين المتحدّرين من روسيا وغيرها من جمهوريّات الاتّحاد السوفييتيّ السابق الذين يقاتلون في صفوف تنظيم "داعش" والمجموعات المتطرّفة الأخرى، وموضحًا أنّ "أولئك الناس يعودون من مثل هذه الرحلات بعد تعرّضهم لعمليّة غسل الدماغ تمامًا، وتحويلهم إلى قتلةٍ وإرهابيّين محترفين"، الأمر الذي دفع موسكو إلى القيام بخطواتٍ استباقيّةٍ للحدّ من تداعياته المرتقبة، ولا سيّما أنّ كافّة المؤشّرات كانت تدلّ على اعتزامهم العودة للقيام بأنشطةٍ متطرّفةٍ داخل الأراضي الروسيّة.

هذا الموقف الذي عبّر عنه ميدفيديف أمام مشاهدي القناة الإسرائيليّة الثانية، وإنْ لم يحمل في طيّاته أيّ جديدٍ يُذكر على صعيد النظرة الروسيّة تجاه ظاهرة الإرهاب المتفشّية في دول الإقليم، فإنّه لم يكن كافيًا في الوقت نفسه لإشباع الغريزة الصحافيّة لمراسلة القناة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الهدف الأساسيّ من إجراء المقابلة كان يتمثّل في السعي إلى الإضاءة على مواقف الرئيس بوتين الأخيرة من إسرائيل، أكثر من أيّ جانبٍ آخر.

على هذا الأساس، لم يكن مستغربًا أن تعيد صحيفة "ميكور ريشون" الإسرائيليّة التذكير بتلك المواقف في عددها الصادر صباح اليوم الأحد، حيث ركّزت على أنّ الرئيس بوتين قال في لقاءٍ جمعه بمسؤولين غربيّين على هامش مؤتمرٍ دوليٍّ عُقد الأسبوع الماضي في مدينة "فيلدي" الروسيّة ما حرفيّته: "نحن نتبنّى السياسات الإسرائيليّة ذاتها في مواجهة الإرهاب الإسلاميّ، فإسرائيل لا ترتدع عن القيام بعمليّاتٍ عسكريّةٍ حتّى في المناطق التي يتواجد فيها المدنيّون".

وأشارت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21" إلى أنّ الرئيس بوتين أوضح أنّ "سرّ نجاح إسرائيل في البقاء والتقدّم، هو درجة التصميم الذي تُظهره في الحرب على الإرهاب الإسلاميّ، وهذا ما يتوجّب أن يتعلّمه الغرب"، منوّهةً بأنّه أعرب عن تذمّره أيضًا من قيام بعض الدول الغربيّة بطرح معاناة المدنيّين في الحرب قائلًا: "أسمع دائمًا: حلب، حلب، حلب.. لكن ماذا يوجد هناك في حلب؟ هناك يتواجد إرهابيّون يتوجّب القضاء عليهم حتّى لو أدّى الأمر للمسّ بالمدنيّين، فإذا أخذنا في الاعتبار فقط حياة المدنيّين، فهذا يعني أنّنا سنترك الإرهابيّين وشأنهم، حتّى في الموصل، وليس في حلب فقط".

ووفقًا للصحيفة الإسرائيليّة، فإنّ الرئيس بوتين ووبّخ قادة الدول الغربيّة بقوله: "عليكم الاقتداء بإسرائيل، فتحقيق إنجازاتٍ في الحرب على الإرهاب يتطلّب تجاوز مسألة المسّ بالمدنيّين". كما تساءل أيضًا: "ماذا بشأن الرقّة؟ فهناك أيضًا مدنيّون. وقادة الدول الغربيّة يؤكّدون أنّهم عازمون على القضاء على الوجود الإرهابيّ في الرقّة، فكيف يمكن أن ننجح في ذلك من دون المسّ بالمدنيّين؟ ما العمل؟ هل نتركهم يفعلون ما يحلو لهم"؟

صحيحٌ أنّ كافّة هذه المواقف تعكس بوضوحٍ ما تميّزت به شخصيّة الرئيس بوتين من براغماتيّةٍ لدى تطرّقه إلى المسائل الشائكة على قاعدة تسميتها بأسمائها الصحيحة، ولكنّ المفردات التي استخدمها هذه المرّة كانت "فجّة" بامتيازٍ، أقلّه في أوساطِ رأيٍ عامٍّ عربيٍّ ما زال ينظر بتوجّسٍ إلى التقارب الروسيّ – الإسرائيليّ المتفاعل باضطرادٍ منذ بدء الحرب على الإرهاب في سوريا يوم الثلاثين من شهر أيلول العام الماضي، وهو الرأي العامّ الذي ما زال يعتبر أيضًا، عن حقٍّ وجدارة، أنّ أكثر تجلّيات ظاهرة الإرهاب إجرامًا ودمويّةً في دول الإقليم، إنّما صُنعت أصلًا في إسرائيل.. ولعلّ غلطة "الشاطر" بوتين بألفِ غلطةٍ، هذه المرّة!

(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)