منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحتى اليوم، لم يتوان اهالي طرابلس يوما عن الوقوف الى جانب وريث الشهيد في السياسة الرئيس سعد الحريري، كما وقف الطرابلسيون الى جانب الحريري الابن في كل المحطات الانتخابية ليحقق المكاسب السياسية على منافسيه لكن في المقابل ماذا قدم هذا التيار الى ابناء طرابلس؟
ثماني سنوات مضت ومدينة طرابلس تعيش حالة استنزاف نتيجة جولات العنف العشرين التي خاضها قادة المحاور في التبانة، والتي اسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى وعشرات المعاقين ومئات المنازل سويت بالارض اضافة الى المحلات والمستودعات التي احترقت بقذائف الار بي جي، عدا عن تحويل اسواق طرابلس الناشطة اقتصاديا الى غرف عمليات يقود من داخلها زياد علوكي واعوانه معاركه مع الحزب العربي الديمقراطي.
ثماني سنوات مرت والى اليوم كان الخاسر الاكبر فيها ابناء طرابلس وكافة العائلات التي تعاني حتى اليوم من ضائقة اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب ركود الحركة التجارية نتيجة جولات العنف والاقتتال.
ثماني سنوات مضت بات ابن طرابلس السني يكره ابن طرابلس العلوي، حيث استخدم تيار المستقبل الطرابلسيين وخاصة الفقراء المحتاجين وقودا في معاركه السياسية متوسلا الشحن الطائفي والمذهبي والتعبئة المذهبية التي لم تعرفها طرابلس في تاريخها ومستخدما منابر المساجد، ورموز التشدد الاصولي، مما اوصل طرابلس الى حافة الانهيار الاقتصادي المريع والى ما يشبه العزلة الاجتماعية عن محيطها. وشكل لهذه الغاية تشكيلات عسكرية وامنية بدءا مما سمي بأفواج طرابلس التي حلت فيما بعد ليتم تسليم العقيد المتقاعد في الجيش اللبناني عميد حمود اعادة تشكيل الذراع العسكرية لتيار المستقبل مستفيدا من خبرة حمود في الشؤون العسكرية والامنية الذي نجح في تنظيم مجموعات عسكرية وقادة محاور في فترة زمنية قصيرة.
كما لعب الحزب العربي الديمقراطي دورا كبيرا في هذه الجولات من خلال مواجهة قادة المحاور بالاسلحة المتوسطة والثقيلة، وحتى اليوم لا ينسى الطرابلسيون وعود رفعت عيد بقصف المدينة في حال استمر القصف على احياء الجبل، فوعد ونفذ فقصف احياء شارع عزمي والزاهرية والتل ووسط المدينة وسقط الضحايا واصيب عدد من المنازل والمحلات بالدمار.
الدور الذي لعبه الحزب العربي الديمقراطي الممول من قوى 8 اذار لمواجهة تيار المستقبل يبقى المتهم الابرز بانفجاري التقوى والسلام بنظر كافة الطرابلسيين.
ما بين فكي تيار المستقبل والحزب العربي الديمقراطي لم تترك جولات العنف العشرين الا الخراب والدمار وخلفت اكثر من مئة قتيل وما يقارب الـ 500 جريح بينهم عدد كبير من الذين اصيبوا باعاقات دائمة عدا عن تحويل التبانة الى خطوط تماس وابنية شبه مهدمة او مخردقة بالقذائف والرصاص، وقد انهت جولات العنف الدور الاقتصادي الذي كانت تلعبه التبانة وجبل محسن وتسببت بأزمات معيشية وبارتفاع معدلات البطالة وسط الشباب الذي دفع بالبعض منهم الى الانحراف الى المخدرات والحبوب المهلوسة التي اجتاحت صفوف المراهقين.
في وقت لم يكن تيار المستقبل كريما على هؤلاء الشباب في السلم، بل سخيا في حالات الحرب بتوزيع الاعتدة والاسلحة والذخائر، اما على صعيد المال فكان يقنع الشباب بقليل منه وبثمن سندويشة وثمن علبة دخان لان التمويل كان مخصصا للسلاح والذخائر ولقادة المحاور فقط.
بدأت تتهاوى اوراق تيار المستقبل وتتكشف ادواره التي كان يلعبها على ارض طرابلس وبدأت الحقيقة تخرج الى اهالي طرابلس الذين ظنوا ان ايادي تيار المستقبل لم تتلوث بدماء ابنائهم الذين سقطوا، وجاءت الحقيقة مدوية عندما زج بالذين ورطهم تيار المستقبل بالسجون، بعد رفع الغطاء عنهم، فيما امن الحماية لبعض رموزه الذين هددوا بأنه في حال شملهم رفع الغطاء فانهم سوف يكشفون جميع الاوراق.
وما اعترف به مؤخرا سعد المصري وزياد علوكي من قاعة المحكمة العسكرية عن دور تيار المستقبل في التمويل والتسليح عبر شخص عميد حمود كان بمثابة القنبلة التي دوت وكشفت الكثير من خفايا معارك طرابلس ابرزها الدور الذي لعبه العقيد المتقاعد في الجيش اللبناني عميد حمود ولماذا تم استبعاده عن طرابلس وطلب اليه السفر خارج لبنان؟
لم يعد خافيا على أحد وليس سراً الدور الذي لعبه عميد حمود على الساحة الطرابلسية والشمال عموما، حيث كان أول ظهور له في كانون الثاني من العام 2011 في يوم الغضب الشهير حين احرقت سيارة النقل المباشر لتلفزيون الجزيرة، حيث قاد مباشرة حالة التمرد والعصيان، وهو الذي استقال من المؤسسة العسكرية غداة احداث 7 ايار.
حسب المصادر ان تيار المستقبل لم يعد يستطيع تحمل تبعات حمود بعد سلسلة الفضائح التي طالته بدءا من دخوله عنوة الى قصر العدل بطرابلس برفقة النائبين معين المرعبي ومحمد كبارة والذي يرتبط بعلاقة متينة بهما على مختلف الاصعدة، وبرفقته ايضا عدد من المرافقين المدججين بأسلحتهم عدا عن دخوله الى غرفة القاضي بسلاحه الفردي، للاستماع الى افادته في قضية اغتيال الشيخ عبد الرزاق الاسمر، وهو المتهم الرئيسي في هذه الجريمة. وصولا الى تردد اسمه اكثر من مرة على لسان قادة المحاور واكثر من اربعين موقوفا في احداث طرابلس الذين رددوا مرات عديدة اسمه في قاعة المحكمة العسكرية متهمينه بأنه مصدر السلاح والذخائر والتمويل.
ومنذ الاستماع الى افادتي زياد علوكي وسعد المصري في الجلسة الاخيرة في المحكمة العسكرية واحالة ملف حمود الى النيابة العامة لاجراء المقتضى القانوني بعد استدعائه الى جلستين متتاليتين دون ان يحضر وفي الجلسة الاخيرة بحجة تعذر ابلاغه في حين تقول المصادر ان احد الوزراء السياديين في تيار المستقبل (نهاد المشنوق) طلب اليه السفر والابتعاد عن طرابلس هذه المدة، الى حين تبريد الاجواء وقبل ان تصدر مذكرة التوقيف بحقه، وكي لا يقع المحظور خاصة بعد ان هدد حمود بأنه بحال جرى توقيفه فسوف يفضح الجميع من مبدأ «عليّ وعلى اعدائي يا رب».
وتقول المصادر الوثيقة الصلة والاطلاع ان ما يملكه حمود من معلومات من موقعه كمسؤول عسكري في تيار المستقبل منذ تأسيس افواج طرابلس وبعد حلها، وتسلمه اعادة تنظيم خلايا عسكرية وامنية في احياء طرابلس، بالاضافة الى تأسيسه تشكيل عسكري اطلق عليه اسم «وأعدوا» مهمته المشاركة في القتال في الجبهات السورية، كفيل بأن يقلب الطاولة على الرئيس سعد الحريري وعلى نواب من طرابلس والشمال، وعلى قيادات هي اليوم في مواقع وزارية. فجرى تسهيل سفره الى تركيا بطلب مباشر من الرئيس الحريري الى وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي صرح اكثر من مرة معربا عن صداقته واعجابه بحمود. ولم تصدر اي مذكرة توقيف بحق حمود لانه كان يهدد المستقبل بكشف كل الخفايا في حال زج به في السجن. وتفاديا لتنفيذ حمود تهديده للمستقبل بفضحه كيف كانت تتم عمليات التمويل والتسليح وتوزيع الذخيرة وارسالها الى المجموعات في التبانة وبعض الاحياء الاخرى. وخاصة تفاديا لاعادة فتح ملف مخزن الاسلحة الذي انفجر في زيتون ابي سمراء والذي كان يعتبر من اهم المخازن التي اعتمدها حمود بطلب من تيار المستقبل قبل كل جولة، ومن هذا المخزن جرى تسليح كل جولات التبانة. عدا عن الاسلحة التي كانت ترسل من هذا المخزن الى جبهات سوريا في القصير.
وبعد ذلك جرى نقل هذا المخزن بعد افتضاح امره الى مخزن اخر يملكه حمود في جبل تربل.
تولى عميد حمود القيادة العسكرية للمجموعات المسلحة في التبانة وكان ابرز قادة المحاور الذين تعاملوا معه وبأمرته هم: زياد علوكي الموقوف حاليا ـ عامر اريش الذي اوقف لمدة شهر واخلي سبيله ـ وربيع ضاهر شقيق النائب خالد الضاهر الذي كان يشرف على محور البداوي المنكوبين ـ ومن عكار الشيخ السلفي عماد الجاسم. وكانت له خلايا في باب الرمل والخناق وطلعة الرفاعية والاسواق الداخلية والميناء والقبة، وابي سمراء، كما لعب دورا سياسيا ورئيسيا في تشكيل اللقاء الوطني الاسلامي وكان هو لولب هذا اللقاء وامين سره وضم نواب المستقبل الذين عرفوا بالصقور وهم: محمد كبارة وخالد الضاهر ومعين المرعبي اضافة الى مجموعة من السلفيين المتشددين ابرزهم: سالم الرافعي وحسام الصباغ (الموقوف حاليا) وكنعان ناجي وزكريا المصري. وكان له الكلمة الفصل في هذا اللقاء الذي اتخذ سلسلة قرارات مفصلية في ادارة جولات العنف العشرين. حتى انه كان بنفسه يشرف على نقل الاسلحة والذخائر الى التبانة ونجح في جذب سعد المصري اليه حين سلمه كمية من الاسلحة وذلك في لقاء مصالحة معه اقيم في منزل حمود بطرابلس، قائلا اليه «اريد ان اسمع صوت هذا السلاح والقذائف تلعلع في سماء طرابلس».
وكان يعتمد ايضا على عدد من المقاتلين السوريين من ذوي الخبرة في صنع المتفجرات والتفخيخ وقتال الشوارع وكان ينقلهم الى التبانة وهم ملثمون حتى قادة المحاور لم يتمكنوا من رؤية وجوههم، ولم يكتف حمود بادارة جولات العنف العشرين بل قاد مجموعة مسلحة من طرابلس برفقة الشيخ سالم الرافعي الى الحدود الشمالية ما بين وادي خالد وجبل اكروم وحاول القيام بعمليات اختراق جبهة القصير حينذاك، وحينها حوصر حمود والرافعي لمدة ساعات قبل ان تنقذهم مجموعة مسلحة كبيرة من طرابلس انقذتهم من غزارة النيران وقتل حينها عدد من الطرابلسيين ومن المقاتلين السوريين.
لا يزال عميد حمود الى اليوم يرتبط بأبرز نائبين معروفين بشدة تطرفهما ومواقفهما النافرة جدا، هما خالد الضاهر ومعين المرعبي. ويعتبر نفسه معهما الثلاثي الامني والسياسي ويمثلون خطا رافضا للحوار مع حزب الله. عدا عن ارتباطه والنائبين المذكورين بقيادات جبهة النصرة.
السؤال المطروح: في حال تم توقيف حمود هل كان سيكشف كل الاوراق المتورطة معه؟ وهل كان سيعلن عن كيفية استيراد الاسلحة عبر البحر من ليبيا ومن تركيا الى مرفأ طرابلس؟ ولم تكن باخرة لطف الله الشهيرة الا واحدة من بواخر الاسلحة التي رست في ميناء طرابلس لصالح حمود الذي لم يكن يستطيع القيام بكل ذلك لولا الغطاء السياسي والامني الذي منحه اياه الرئيس الحريري.
وكيف كان ينقل الاسلحة من المرفأ الى مخازنه والى التبانة؟ وما هي الاموال التي تلقاها بملايين الدولارات حيث كان يوزع الرواتب للمقاتلين بنفسه شخصيا في مكتبه في الضم والفرز. وتمكن في مدة زمنية قصيرة من شراء اربع شقق في منطقة المعرض تساوي قيمة كل شقة مليون دولار عدا عن ارسال ابنه الى فلوريدا ليتعلم قيادة الطيران في اغلى جامعة في العالم، بالاضافة الى امتلاكه سيارتين مصفحتين يتنقل بهما في شوارع طرابلس ومنهما يعبر الى التبانة دون ان يقف عند اي حاجز تابع للقوى الامنية او الجيش.
هل تصدر مذكرة توقيــف بحق عميد حـمود؟ وهل يعود الى لبنان؟ فقد نقل عنه انه في اقامة شبه دائمة في تركيا وانه في حال طلب اليه من القضاء المثول امامه فلا مانع من ان يحضر.لكن السؤال لماذا لم يمثل امام القــضاء بعد استدعائه الى جلستين متتاليتين؟ وهل يعمل تيار المستقبل حاليا على تسوية وضعه وايجاد حل سياسي له. حيث يخشى تيار المسـتقبل ان يكون توقيــف عميد حمود المدخل لكشف دور تيار المستقبل في معارك طرابلس ومسؤولية التيار وزعيمه عن دماء الضحايا والجرحى الطرابلسيين الذين لم يشكلوا سوى ادوات انتقامية في لعبته السياسية للوصول الى السلطة.