P11 – 16 – 08 – 1990

ملف من اعداد طوني عيسى، مي عبود

الدكتور فؤاد ابو ناضر يقلّب الصفحات الساخنة (1)
أبو عمّار قال لي في العام 1975: سيأتي يوم تعيشون فيه انتم المسيحيون تحت الخيم
على مرمى حجر من تل الزعتر: جدال كتائبي – فلسطيني والدرك يلعبون طاولة زهر!
مكتب وضعت عليه اوراق وملفات ووثائق، معظمها ممهور بشعار «القوات اللبنانية»، واحيانا حزب الكتائب۔ مكتبة على رفوفها كتب سياسية باللغات الثلاث، يتحدث جزء وافد منها عن مراحل الحروب في لنبان۔ وفي ادراجها ذكريات وذكريات: «البومات» من الصور تبدأ قليلا من ايام البدايات مع بشير الجميل وال «ب۔ ج» وتنتهي بصراعات الشرقية على انواعها، مرورا بحرب الجبل، وحاصر دير المقر، ومعارك الشحار والاقليم، واللجان الامنية والسياسي۔
تكاد تقول انك في مكتب قائد ال «القوات اللبنانية»۔۔۔ الحالي۔ ولكنك تستدرك: الشعارات كلها في الارشيف وليس على الجدران۔ وما وضع منها علي الطاولة هو من متقضيات الرواية، والاستعانة بها عند الحاجة، وتقديم اثبات على قول هنا او حادثة هناك۔
ثم تستدرك ايضا: اين صورة بشير الجميل، صورة المؤسس، التي كان يرفعها عادة قادة «القوات اللبنانية»؟ تنظر فتجد صورتين كبيرتين لا ثالث لهما على جدران الغرفة، صورتين لبلدة بسكنتا التي تنحدر منها عائلة ابو ناضر، ومعها خريطة للبنان۔ وعلى احد رفوف المكتبة، وعلى طاولة جانبية، صور عدة للشيخ بيار، «مثالي الاعلى»، وبشير والرفاق الذين سقطوا من ايام ال «ب۔ ج» حتى الامس القريب۔
لكن ملامح وجه بشير الجميل لا تراها في الصورة، بل في الرجل الجالس امامك، وهو اقرب المقربين اليه في «القوات» من حيث رابطة الدم، وتسمع بعضا من نبرة صوته، وتشاهد بعضا من حركة يديه۔
تشعر وانت تتحدث الى الدكتور فؤاد ابو ناضر انك امام رجل ما زال عسكرياً، ولكن بثياب مدنية۔ ديناميكي، ينتبه الى التفاصيل، يستعين بالخرائط، يستدعي «الشباب» ليرسموا واحدة منها تظهر سير معركة او هجوم يبدأ حواره في الدقيقة المتفق عليها، وينهيه كذلك، واذا تخلف دقائق۔۔ فالف اعتذار۔
***
في الأوساط المسيحية عموماً، وفي «القوات اللبنانية» خصوصاً، اذ تطرح عليها اسم فؤاد ابو ناضر، فكأنك فتحت ملف الحروب من البدايات، وتتباين الشهادات۔ فمنهم من يقول: ليس رجل سياسة۔ وفي «القوات» من يتهم: حاول تجيير المؤسسة للحزب وامين الجميل۔ وعند جماعة امين من يتهم ايضا: سلم «القوات» بسهولة للانتفاضة وحتى انه لم يدافع عن نفسه!
لكنك تجد على رغم ذلك في الاوساط الشرقية، وفي «القوات» باجيالها المختلفة، من يحفظ التقدير والاحترام ل «الرفيق» و«القائد السابق»، ولو كانت له مآخذ على موقف او سياسة۔ و «انا قد لا اكون رجل سياسة بالمفهوم اللبناني۔ وفخور بذلك، وبمواقفي الت يكنت فيها حريصا با لدرجة الاولى على عدم هدر الدماء في معركة داخلية۔ وقد تبين لاحقا ما اوصلتنا اليه لغة الدماء في الشرقية۔ وتبين ايضا ان الذين اتهموني بالتسليم للانتفاضة بسهولة تحت شعار عدم اراقة الدماء، تبنوا هذا الشعار لاحقا عندما سلموا الارض هم ايضا لجماعة الانتفاضة»!
الدكتور ابو ناضر، القائد الثالث ل «القوات» بعد بشير الجميل وفادي افرام، يعيش اليوم بعيدا عن الاضواء الساطعة التي تجتاح اسواق الاستهلاك السياسية، وهو حتى خلال عهده في «القوات» لم يكن وراء مكتب، بل على الارض، خلف متراس او على رأس مجموعة، وقد اصيب في القتال ثلاث مرات۔ «وهنا سر المحبة بين يوبين كل الرفاق۔ لقد تشاركنا حلو الايام ومرها، وكنت القضية هي الهدف، وليس اي شيء آخر»۔
في 25 آب 1982، اقترب من بشير الجميل، الذي يفضل ان يطلق عليه فقط اسم «بشير»، فعانقه، وقال: مبروك فخامة الرئيس۔ المقاومة في السلطة۔ اطمأن بالنا۔ مهمتنا تتحقق۔ اديت خدمتي العسكرية، ولا اريد منصبا سأرتدى «المريول» الابيض، واعود الى مهنتي كطبيب لاتخصص في جراحة القلب والشرايين۔ اذ اردت شيئا مني ستجدني في «اوتيل ديو۔۔»
تسعة عشر يوما بعد التهنئة، التاسعة والنصف من ليل 14 ايلول، تأكد الخبر۔ قتلوا بشير۔ انكسر حلم المقاومة۔ المسيرة تحتاج كل ابنائها۔ ترك كل شيء، وعاد الى السلاح۔۔
وفي اليوم التالي، رفض الوقوف مع متقبلي التعازي۔ قام بجولة على المراكز والثكنات والجبهات ليذكر «الشباب» بقول بشير: «اذا مت ولم يوجد في المقاومة الف بشير ليكملوا المسيرة، ف «60 سنة» علينا وعلى المقاومة»۔
هذه الوقائع يرويها رفاق ابو ناضر الذين عاشوا تلك الفترة، ما زال قسم منهم الى جانبه او يتردد عليه او يتصل به، وبعض هؤلاء كان استمر في «القوات» بعد الانتفاضة سنة او اثنتين او حتى 31 كانون الثاني 1990۔
***
يتذكر الدكتور جميع «الرفاق» هؤلاء الذين كانوا معاً في ال «ب ت ار» او في ثكنة دده وكل المعارك، في بزة عسكرية واحدة وخندق واحد، ويسأل: اين اصبح «المشروع» وبشير و «المجتمع المسيحي»۔ يذكر، يحاسب، يلوم، يعترف، يسامح ويأسف۔
تسأل الدكتور عن «الحكيم»۔
-ادخل روح الانتقام الى «القوات»۔
* هل من اتصالات معه؟
- حاليا لا!
* هل مستعد لفتح قناة؟
- مستعد في اطار اعادة توحيد الشرقيتين على مشروع واحد۔ وتسأله عن ال اش كا (ايلي حبيقة)۔
- ادخل لعبة الاستخبارات الي «القوات»۔۔
* هل من اتصالات معه؟
- لا اتصالات في الوقت الحاضر۔
* هل تؤيد عودته الى المنطقة؟
- اذا اراد العودة الى «الشرقية» سياسياً ليؤسس حزباً سياسياً ككل الاحزاب، فما المانع؟
وتسأله عن كريم بقرادوني۔
-استعداني ولا اعرف لماذا! لا اعرف اين يقف ريم، وبماذا يقكر! خلال الانتفاضة علي نسق بين سمير وايلي واوجد مكانا ثالثاً۔ ثم ذهب مع ايلي الى دمشق، وعندما وجد ان سمير تحالف مع الرئيس الجميل، وان الاتفاق الثلاثي لن يمر اختار سمير۔ ثم وقعا لخلاف بين سمير وامين، وترافق مع الانتخابات الرئاسية، فوقف بين الاثنين في منتصف الطريق، ثم اختار امين۔۔ ولكن ربح سمير وتعطلت الانتخابات، فانكشف كريم وبات على الهامش۔ ثم حاول العودة عبر وساطة بين سمير وميشال عون، لكن الوساطة بقيت امام حائط مسدود، وبقي كريم حيث هو۔
يتحدث الدكتور ابو ناضر بكثير من المودة والتقدير عن فادي افرام، وبكثير من الاحترام عن العماد ميشال عون «مع تسجيل ملاحظات عليه»۔
له مآخذ على «الجبهة اللبنانية» الجديدة، الخالية من التمثيل الكتائبي، والتي اعلنت حل «القوات» ويقول: انا اشعر دائماً بانني «قواتي» على رغم مواقفي من الدكتور جعجع، وانا كتائبي دائماً، ولو لم اكن اليوم في الموقع الجغرافي ذاته مع القيادة الحزبية، التي اعارض توجهاتها۔
اما عن الرئيس امين الجميل فيقول: حقق عملين ايجابيين هما بناء الجيش والغاء الاتفاق الثلاثي۔ اما سلبيته الاكبر فهي عدم تعاليه على خصومته القديمة للقوات، قوات بشير، فانتهى عهده بصراع مع كل الناس۔۔
من رئيس للشعبة الثالثة في ايام بشير الجميل، الى رئيس للاركان بعد اسبوع من اغتياله، الى قائد ل «القوات اللبنانية» بعد حرب الجبل، الدكتور ابو ناضر هو اليوم عمليا عسكري سابقا في مؤسسة ما زالت قائمة، لكن صلاته بها مقطوعة۔ ومع انه قائد سابق ل «القوات» و «يشعر بأنه «قواتي» فانه لا يقود اليوم «قوات» مسلحة حتى في المنطقة التي كان له النفوذ الاكبر فيها خلال بعض الفترات، اي وسط المتن الشمالي۔
***
لماذا قرر الدكتور ابو ناضر الكلام اليوم؟
يجيب: عذبتني مرارة الصمت۔ لقد ظلمت كثيرا واتهمت باشياء كثيرة، وآن الاوان ليسمع الناس كلمتي وسط هذا الضجيج۔
في حياتي لم تبهرني الاضواء والكاميرات والصور، ولم تغرني العناوين في الصحف، او الخطابات المهرجانية الفضفاضة۔۔ لا صور عندي من ايام الطفولة والشباب الا النادر، ولا مقابلات وخطابات في ارشيفي الخاص الا القليل، ولا يوميات مدونة في وقتها، وحتى من المرحلة التي كنت فيها قائدا ل «القوات اللبنانية» لانني كنت دائماً على الارض، وليس وراء المكتب۔
ويضيف: انا اليوم اروي تجربتي في المقاومة، ليس لانني اريد المكافأة، اذا كنت استحقها، بل لانني ارفض الافتراءات وما يجري من تشويه وتزوير لحقائق تاريخية، ولانني اشعر ان استمراري في الصمت قد يفسر على انه موافقة او قبول۔
بكثير من الاسف، علمتني تجربتي في هذا البلد ان النظيف والمتواضع يحترق، وان «الفاجر» هو الذي يعيش۔۔ ولكن تكفيني شهادات كل رفاقي في المقاومة، ومنهم من بقي في صفوف «القوات اللبنانية» حتى اليوم، فهي خير شهادات، لانها مجردة من كل المصالح والانانيات، وهي خير مكافأة۔
***
رواية الدكتور ابو ناضر لصفحات من عمره، واحدة من روايات بعضها وصل الى الناس وبعضها لا بد ان يصل في يوم من الايام، انها شهادة اخرى على الرمال الت يما زالت تتحرك وتتحر ك وتبتلع۔۔ انها شهادات امام الجميع، فيحكموا ويحاكموا۔
طوني عيسى
مي عبّود


كثيرون يقولون: من الطبيعي ان يكون فؤاد ابو ناضر في الكتائب والقوات، وهو حفيد مؤسس الحزب بيار الجميل وابن اخت مؤسس القوات بشير الجميل۔ وان يتشرب مبادىء الحزب بحكم موقعه العائلي، وان يتدرج في كلا المؤسستين ليصل الى اعلى المناصب فيهما۔
في هذا القول بعض الصحة، فالانسان في النهاية ابن بيئته ومحيطه۔ ولكن من الخطأ، ومن الظلم، المبالغة في اعطاء الاهمية للعنصر العائلي۔ والدليل انني لم انتسب الى الكتائب الا متأخراً، وعند بلوغي عامي السابع عشر، وبعد اقتناعي بمبادىء الحزب، والمقارنة بين ما انجزته الكتائب وما انجزته الاحزاب الاخرى في ذلك الحين۔
كنت منذ البداية، افتش عن حزب يجسد طموحاتي الاجتماعية اي تحقيق مبادىء العدالة والتنمية والمساواة الاجتماعية، ولذلك لفتني التيار الاشتراكي الذي كان سائدا في اوساط كثير من الشباب في تلك الفترة۔ وقررت ان اطلع على الافكار الاشتراكية واليسارية عموما۔ ولكن تبين لي ان هذه الاحزاب لم تكن الا صاحبة شعارات، وغارقة في الغوغائية والديماغوجية، فيما حزب الكتائب كان يحقق انجازات اجتماعية على الارض، ومنها مثلا قانون الضمان الاجتماعي وتنظيم قانون العمل۔
وزاد في رغبتي بالانضمام الى الحزب الاتجاه الوطني الذي ينحوه، فميا كان يتعرض لنبان لهواجس متعددة في موضوع السيادة خلال تلك الفترة بسبب ممارسات الفلسطينيين وطغيانهم۔
ميليشيا و «ب ج»
في العام 1970، بدأت مرحلة العمل الميداني، فانتسبت الى ميليشيا الكتائب۔ وبدأت اتلقى التدريب مع سرية الطلاب التي كانت «تعمل مشاكل» في المدارس والجامعات۔ وقد اخذت منها لاحقا الفصيلة الاولى، وهي الافضل، لتشكل في العام 1973 النواة الاساسية لفرقة ال «ب۔ ج»۔ بينما باسم بيار الجميل، وقد تطورت في ما بعد لتصبح من اهم الفرق في الكتائب۔
في ذلك العام، حمل السلاح جديا، وبمهمة رسمية، للمرة الاولى، كانت المهمة حماية بيت الكتائب على «البيبلوس» وبعد اشتباك بين الفلسطينيين والجيش اللبناني۔ وفي ايلول 1974 كانت لي معمودية النار خلال معركة بين الفلسطينيين والكتائب في تل الزعتر۔ يومداك استخدمت في المعركة المدفعية الخفيفة وقذائف ال «ار بي جي» التي كنت اراها للمرة الاولى۔ وعندما انتهت المعركة تم تشكيل لجان ارتباط ومراقبة۔ وكان عمري 17 سنة عندما شاركت للمرة الاولى ايضا في لجنة لوقف النار۔ واذكر ان اللجنجة ضمت عنصرين من الدرك واثنين من الفلسطينيين۔ واثنين من الكتائب، هما انا ومارون مشعلاني۔
التجربة كانت طريفة: جلسنا على سطح احدى البنايات في رأس الدكوانة، وكنت مهمتنا مراقبة التجول والتحرك العسكري۔ كان الدركيان مغرمين بطاولة الزهر على ما يبدو فقد امضيا النهار يمارسان لعبتهما المفضلة، حتى انهما لم يلتفتا الى مشادة حصلت بين وبين احد الفلسطينيين۔
لقد مد الفلسطيني يده لمصافحتي، فرفضت، لانه كان يحمل مسدسا على وسطه۔ قال لي: «ما بك، لماذا لا تسلم علي؟» فاجبته: «انت تحمل مسدسا، ونحن وانتم في اللجنة ممنوع علينا حمل السلاح»۔ فنزعه، وعندها صافحته۔ لكن النهار مضى من دون كلام يذكر فيما بيننا، وبقي الدركيان يلعبان بالطاولة، ولا يريدان ان يعرفا بما يجري۔
بواكير الحرب
حياتي الحزبية بدأتها بالخلية الكتائبية في مدرسة الجمهور، وكنت ايضا في القسم الخامس في الاشفرية، وتدرجت الى امين للسر ثم الى مفوض للقسم۔ وفي المدرسة اصبحت نائبا لرئيس الخلية۔ وفي العام 1971 – 1972 طردت من المدرسة «لاسباب مسلكية واكاديمية» بتهمة التحريض على اقامة التظاهرات، فانتقلت الى معهد المون لاسال واصبحت امينا للسر في الخلية، وكان من رفاقي في الخلية ايلي حبيقة ونزار نجاريان والياس الزايك وايدي ودافيد عوكر۔ ثم دخلت الى الجامعة الاميركية وكنت انا وسمير جعجع عضوين في خليتها الحزبية۔
في ال «ب۔ ج» كانت التدريبات قاسية۔ صيفا وشتاء: كل اربعاء وخلال عطلتي نهاية اسبوع في الشهر۔ وكانت متنوعة: اطلاق نار، مناورات، حب البقاء، قساوة جسدية۔ وهذا ما خولنا لاحقا خوض المعارك بجهوزية ذهنية وجسدية وتقنية عالية۔
في العام 1974، كانت لل «ب۔ ج» او لمحاولة للظهور۔ نزلنا الى المهرجان الكتاذبي السنوي، اصرينا من جانبنا على المشاركة في الاستعراض مقنعين، حفاظا على السرية، لكن وليم حاوي وجورج كساب، وهو غير رئيس اقليم كسروان الحالي، رفضا بقوة وبقنيا نحن على موقفنا ولم نشارك۔
اما العام 1975، عام الحرب، فنفذت ال «ب۔ ج» عمليتها الاولى۔ تصدينا يومها لهجوم في المقاطعة الرابعة عند كلية «هايكازيان» ونصبنا مكمنا ل «المرابطون» اوقع فيهم العديد م نالقتلى والجرحى۔ وانتشرت اخبار الفرقة اكثر على اثر مكمن الفنار الذي استشهد فيه اربعة من اعضائها، وتسبب ب «السبت الاسود» في 6 كانون الاول 1975۔ وذاع صيتنا اكثر في معارك الفنادق، و «الهوليداي ان» والكرنتينا۔ في تلك الفترة اصبت مرتين ف يدي، الاولى خلال معركة الكرنتينا، والثانية خلال معركة النورماندي۔
حرب السنتين كانت موسفة ومكلفة ل «ب۔ ج» فمن الثلاثين عنصرا الذين انطلقت بهم الفرقة لم ينج احد۔ جميعهم اما قتلوا واما جرحوا۔ وضعفت الفرقة كثيراً۔ فطلب بشير من جورج فوريدس والياس الزايك ومارون مشعلاني العمل على تطويرها واعادة تأهيلها۔
لكن الفرقة فقدت بعد ذلك شيئا آخر: مناقبيتها العسكرية۔ فالعناصر الجديدة التي دخلت الفرقة لم تعش الفترة الصعبة التي عانيناها، فترة الاخوة ورفقة السلاح۔ لقد تلوثت عندما سلمها بشير امن المرفأ والحفا ظعلي موجوداته، ويا ليته لم يفعل!
وعلى الاثر، اعدت تجميع قدامى ال «ب۔ ج» وطعمتها بعناصر جديدة تتحلى بالمناقبية والاخلاق۔ فاصبحت تضم، اضافة الى فادي افرام، ايلي حبيقة، الياس الزايك، الياس وزان (عباس)، مسعود الاشقر (بوسي)، اسعد سعيد ونعمة الله القاعي (نانو)، وعرفت هذه المجموعة في ما بعد بمجموعة ال «ب ت ار»۔
ال «ب ت ار» تأكل ابناءها
و ال «ب ت ار» هذه هي ملالة سوفياتية الصنع مكشوفة، تسلمناها من اسرائيل، وقد استخدمناها على جميع الجبهات وفي جميع المعارك خلال تلك الفترة۔
حينذاك لم نكن نعرف ان اعضاء المجموعة الذين شكلوا نواة المجلس الحرب يبعد سنة، سيكون لهم في الاعوام المقبلة شأن في المجال العسكري والسياسي، حيث وصل ثلاثة منهم الى منصب القيادة۔ ولم نكن نعرف ايضا ان هؤلاء سينتقلون لاحقا ليطبقوا مقولة «القورة تأكل ابناءها»۔
كانت لنا في ال «ب ت ار» صولات وجولات لا تمحى من ذاكرتي۔ منها عملية التسلل الى صليما التي فاجأت العدو وادت الى سقوط البلدة خلال ساعات، و«عملية المجارير» التي ادت الى تسريع استسلام مخيم تل الزعتر۔
عرفات «بدو يعلمنا»۔۔۔
في العم 1975 كانت لي تجربة شخصية مع الوجود الفلسطيني المسلح وامتداداته في لبنان حين خطفت في منطقة البربير، وكان معي الياس الزايك وشخص آخر، على ايدي جماعة عصام العرب۔ وكان ذلك يوم توفي معروف سعد متأثرا بجروحه في اذار 1975۔
كان رفيقنا الثالث يقيم في البسطة، وامضينا ذلك اليوم بالدراسة في منزله۔ ولما خرجنا من المنزل لشراء بعض الاطعمة، ودخلنا شارع بشارة الخوري، وجدنا ان الطرق خالية من المارة، وقد اقفلت منافذها بالاطارات المحروقة، واثناء حبثنا عن مخرج، وجدنا انفسنا في البربير، حيث اوقفنا حاجز لعصام العرب۔
اخذوا الهويات فتبين لهم اننا مسيحيون، ولم تكن بعد قد بدأت موجة الخطف على الهوية، طلبوا منا ان نفتح صندوق السيارة وهي «بيجو 404» تخص الزايك۔ وما ان فعلنا ذلك حتى اصيبوا بدهشة كبيرة، وشعروا بان الطريدة قد وقعت في ايديهم: اعلام للكتائب، صور للشيخ بيار، بزة الياس العسكرية وعليها شعار الكوماندوس الكتائبي۔
حينئذ انهالوا علينا بالضرب، وكانت الحصة الاكبر من نصيب الياس۔ انزلونا من السيارة ثم وقفوا الى جانبها وبدأوا باطلاق النار عليها بغزارة، فسقط منهم اربعة جرحى، اثنان في كل جانب، وتوفي احدهم لاحقا۔ وهذا ما انقذنا۔ فقد انشغل بعضهم بالمصابين فيما وصلت مجموعة اخرى نقلتنا الى مركز عصام العرب۔
وعلى الاثر بدأ التحقيق، وبدأت التهم تنهال علنيا، الي ان رن جرس الهاتف۔ لم نعرف من على الخط من الجهة الاخرى۔ ولكن عملية الاستجواب توقفت، وسارع احد المسلحين الى تجميع ثياب الياس العسكرية، وجاء باصبع ديناميت ووضعها فوقها في شكل ظاهر، ثم دخ لمصور من صحيفة «المرر»، والتقط صورة لنا۔
وفي وقت لاحق التقيت المصور في الجامعة الاميركية، وقد كان يتردد على مجموعة من الطلاب السريان، وحصلت منه على «النيجاتيف»۔
بعد ذلك، عصبوا لنا الاعين، ونقلونا في سيارة الرجل الذي كان على الطرف الآخر من الهاتف، وتبين انه «ابو علي» حسن سلامة الذي كان مسؤولا في استخبارات «فتح»، وكن عصام العرب اداة في يديه۔ استقبلنا في شكل لائق وقال لنا: انهم زعران، لا تهتموا۔۔
وابو عمار في انتظاركم۔۔
وبالفعل، نقلونا في سيارة مكشوفي الاعين، وادخلونا مقر ابو عمار۔ وكان في غرفة خالية الا من مكتب۔ وحوله معاونوه۔ وقال لنا: «بدنا نعلمكن انتو المسيحيين قيمة العيش تحت الخيم، ورح يجي نهار تعيشو انتو تحت الخيم۔۔» وهذه الجملة لا انساها ما دمت على قيد الحياة۔
وفي ما بعد، اتوا لنا بالشاي، واوصى الشباب: «اطلبوا لنا الصلح!» ويقصد الرئيس رشيد الصلح، وكان يومذاك رئيسا للحكومة۔
وعندما اصبح الصلح على الخط، قال له ابو عمار: «لقطنا تلاتي كتائب۔۔ تعالوا وخدوهن»۔ ويظهر ان الرئيس الصلح سأله عن اسمائنا، فقا لنا: «يجب واحد يحكي معو»۔ ولم يكن عرفات قد عرف هوياتنا۔ كان يهمه فقط اننا «3 كتائب»۔ وكان يظهر ايضا انه لا يكن الاحترام للرئيس الصلح۔
وتكلمت مع الصلح واعطيته الاسماء، ولم يعرف انني حفيد الشيخ بيار۔
«اين الجندرمة؟»
نقلنا الى منزل الصلح، وطلب الينا ان ننتظر في المدخل۔ ولم يمض وقت طويل حتى فوجئنا بدخول الشيخ بيار، ولم يكن على علم بأنني هناك۔ نظر الينا، وسألنا: هل انتم في حالة جيدة۔ وهرع الرئيس الصلح مرحبا برئيس الكتائب، ودخلا معا الى مكتبه۔
وبعد قليل، سمعنا ضجيجا في الغرفة، وصراخ الشيخ بيار وهو يقول: «الا تستحي ان يقيم الفلسطينيون حواجز وامنا في ارض انت المسؤول عنها، اين الجيش، اين الجندرمة۔۔» ثم رج، وقال: «سيروا امامي!»۔
وعلى درج البناية سألني: «ماذا حصل معكم؟» فاخبرته، واتيت على ذكر الصورة۔ فقال: «كيف! اصعد معي۔۔»۔
فوجىء الصلح بعودة الشيخ بيار، وقال له «نعم، شيخ بيار»۔۔ فاجابه: «ممنوع ان تحكي الجرآئد شيئا عن الحادث، قل لهم ان لا ينشروا الخبر»، فوعد الصلح، وذهبنا۔
صعدنا في السيارة، ووجدت فيها «المعلم» فؤاد الشرتوني الرجل الاقرب الى الشيخ بيار، وبشير الذي بقي في السيارة۔ ورأيت في زاوية اخرى من الشارع سيارة فيها عناصر من فرقة «السخرة»، وعندما اردت ان احييهم، اشار لي بيده بان اتجاهلهم واكمل طريقي۔ وفهمت بان الشيخ بيار كان اتيا وحده لكي لا يعرض احدا معه للخطر، لكنهم تبعوه من دون علمه۔
وما ان صعدنا في السيارة، بدأ الشيخ بيار «بنشر عرضنا»، وكان يقود السيارة بنفسه۔ وقد حاول بشير بعدما «شبع» الشيخ بيار، ان يقول له: الشباب ليسوا زعران، انهم طلاب في الجامعة واوادم۔۔ ساعتئذ استدار الى بشير الذي كان على المقعد الخلفي، وقال له: «انت السبب، انت علمتهم»۔ وكانت «البهدلة» لبشير۔ ولم يهدأ الشيخ بيار الا عندما تدخل الشرتوني۔
واصر يومذاك الشيخ بيار ان يوصل كلا منا الى منزله، وطلب من كل واحد ان لا يخبر اهله شيئا كي لا يضطربوا۔
وفي ايلول 1976، التقيت «ابو علي» حسن سلامه للمرة الثانية ف يمنزل الشيخ بيار في بكفيا، وقد زاره يومذاك في اطار سلسلة الاجتماعات التي تعقدها اللجنة الكتائبية – الفلسطينية۔ كانت مرحلة من التنسيق بدأت تتبلور۔
كان «ابو علي» يريد اقناع الشيخ بيار بعدم قبول الكتائب بدخول قوات الردع السورية، وقدم له وعودا كثيرة لذلك منها اعادة اعمار الدامور والانسحاب من المناطق المسيحية كالزعرور والمناطق الاخرى في المتن، ولكن كان قد فات الاوان، واتخذ قرار القبول بدخول قوات الردع۔
يتبع غداً



بطاقة هوية
ولد فؤاد ابو ناضر في 27 حزيران 1956 في بعلبك، البلدة التي انتقل اليها جده فؤاد من بسكنتا، بعد تعيينه قاضيا فيها۔ والده المهندس الزراعي انطوان ابو ناضر، والتده السيدة كلود بيار الجميل، متزوج من ساندرا جورج غصن في 25 حزيران 1978، وله منها ولدان: انطوان (عامان) وجورج (9 اشهر)۔ تلقى علومه في مدرسة سيدة الجمهور (1963 – 1973) وفي معهد المون لاسال (1973 – 1974)۔ بدأ دراسته الجامعية في الجامعة الاميركية في بيروت (1974 – 1975) ثم انتقل الى الجامعة اليسوعية (1976 0 1982) وتخرج منها بشهادة الطب العام۔
بين عامي 1979 -0 1982 شغل منصب رئيس الشعبة الثالثة (العمليات) في «القوات اللبنانية» ومنصب رئيس الاركان فيها بين عامي 1982 – 1984، وانتخب قائدا ل «القوات» في 9 تشرين الاول 1984، وشغل هذا المركز لمدة خمسة اشهر۔ وتولى رئاسة مجلس الاقاليم في حزب الكتائب بين عمي 1985 و 1986 حين انتخب عضوا في المكتب السياسي، اعيد انتخابه في حزيران 89۔
عضو في جمعية «قوس قزح» التي تعنى باعادة تأهيل المعاقين، وعضو في جمعية «بناء الغد» التي تهتم بشؤون التنمية الاجتماعية والتقنية۔
يمارس رياضة السباحة والغطس والهبوط بالمظلة۔ ويهوى الشطرنج واكتشاف المغاور الطبيعية۔