ص8-6-1-1990

في ذكرى مرور مئة عام على ولادة العقاد والمازني:
دراسة ادبية تاريخية حول جماعة الديوان: النشأة والمفهومات
بنية القصيدة والموسيقى الشعرية: نظرة نقدية تجديدية

قدم هذبا البحث في مهرجان المربد الشعري العاشر الذي اقامته وزارة الثقافة والاعلام في العراق۔
1- نقد الشعر:
2- جماعة الديوان: النشأة والتسمية
3- هي مجموعة تألفتمن ثلاثة شبان مصريين هم: عبد الرحمن شحري 1886 – 1958 وابراهيم عبد القادر المازين 1889 – 1949 وعباس محمود العقاد 1889- 1964 واطلق على مجموعتهم اسم جماعة الديوان او مدرسة الديوان او مدرسة الجيل الجديد او الاتجاه التجديدي الذهني۔ غير ان الاسم الذي كان اكثر شيوعا هو: جماعة الديوان تيمنا باسم كتاب نقدي اصدره المازني والعقاد سنة 1921 باسم الديوان في الادب والنقد بجزءين موضوعه الادب عامة ووجهته الابانة عن المذهب الجديد في الشعر والكتابة وقد سمع الناس كثيرا عن هذا المذهب في بضع السنوات الاخيرة ورأوا بعض اثاره وتهيأت الاذهان الفتية المتهذبة لفهمه والتسليم بالعيوب التي تؤخذ على شعراء الجيل الماضي وكتابه ومن سبقهم من المقلدينا و تضيف مقدمة الديوان۔ واوجز ما نصف به عملنا ان افلحنا به – انه اقامة حد بين عهدين لم يبؤ ما يسوغ اتصالهما والاختلاط بينهما ، واقرب ما نميز به مذهبنا انه مذهب انساني مصري عربي انساني لانه من ناحية يترجم عن طبع الانسان خالصا من تقليد الصناعة المشوهة ، ولانه من ناحية اخرى ثمرة لقاح القرائح الانسانية عامة، ومظهر الوجدان المشترك بين النفوس قاطبة ومصري لان دعاته مصريون تؤثر فيهم الحياة المصرية، وعربي لان لغته العربية فهو بذهه المثابة اتم نهضة ادبية ظهرت في لغة العرب منذ وجدت اذ لم يكن ادبنا الموروث في اعم مظاهره الا عربيا بحتا يدير بصره الي عصر الجاهلية۔ وقد مضى التاغريخ بسرعتة لا تتبدل وقضى ان تحطم كل عقيدة اصناما عبدت قبلها وربما كان نقد ما ليس صحيحا اوجب وايسر من وضع قسطاس الصحيح وتعرفه في جميع حالاته فلهذا اخترنا ان نقدم تحطيم الاصناعم الباقية علي تفصيل المبادئ الحدثة۔ وعلى الزغم من ان عدد الرحمن شكري لم يشترك في تزليف الديوان بل اصابته بعض سهامه على يدي ابراهيم عبد القادر المازني فانه اي الديوان يحمل وجهة نظره في النقد والادب۔ وان الشعراء الثلاثة نهلوا من منابع ثقافية واحدة اتخذوها منطلقهم الادبي والفكري۔
4- نشأ الشعراء النقاد اصحاب جماعة الديوان في اوائل هذا القرن في ظروف اجتماعية وسياسية عصيبة اذ كانت مناخات المجتمع المصري انذاك على تخلف وقهر وضغط يمارسه الاحتلال الانكليزي والقصر والاقطاع وهذه القوى كانت تدوس احلام الشعبو كان العصر عصر قلق واضطراب وصراع فكري بين القديم والجديد۔ بين السلفية التقلزيدية والتحديث الاحد بمنجزات اوروبا وقد عبر عبد الرحمن شكري عما كان يعتمل في نفس الشباب المصري في ذلك الحين بقوله: فالشباب المصري في حالة امتنا الاجتماعية الحاضرة عظيم الامل ولكنه عظيم اليأس۔۔۔ والسبب في ذلك ان حالتنا الاجتماعية تستدعي شدة الامل وشدة اليأس۔۔۔ وما زلت اجد بين حالة الامة الاجتماعية ونفوس افرادها رابطة متينة، والشباب المصري في حيرة بين القديم والجديد او بين ماضيه وحاضره، ومن اجل ذلك يضره القديم كما يضره الجديد، فهو من قديمه وجديده غريق بين لجنتين او مثل كرة في ارجل المقادير۔ وكان الصراع بين القديم والجديد على صعيد الفخر والادب في اوجه استعماره۔ فقد كانت مصر تجتاز دورة من حياتها هي اكثر الدورات يأسا وبؤسا وكان الشاب الطامح من امثال شكري والمازني والعقاد يشعر شعورا عميقا بالام الحياة التي يحياها ونه ويرى الى اي حد قد فسدت الحياة فيه حيث لم يبق مجال يحقق الشباب فيه امالهم لما يفيدهم به المستعمر واعوانه من قيود واغلال فنشأ هذا الجيل وفي نفسه ثورة عارمة ضد كل مناخي الحياة التقليدية فصدرت جماعة الديوان في مستهل حياتها عن ثورة لا ضد الادب التقليدي وومثليه وممثليه فحسب بل وضد الحياة نفسها وظروف تلك الحياة التي برموا بها وتمردوا عليها وقد تبدت ثورتهم هذه في كتاباتهم النثرية المختلفة من نقد تطبيقي وفي مقدمات دواوينهم، وشعرا في قصائدهم۔ فبينما كان جيل شوقي ومن قبله غارقا في شعر التقليد والنسيج علي منوال الاقدمين كالبارودي والجارم والساعاتي قامت جماعة الديوان تنعى على هؤلاء شاعريتهم وتسحر منهم لان هذا لاجيل من شعراء التقليد كان ينهج نهج القصيدة العربية القديمة۔ واذا كانوا قد استحيوا من انيستهلوا قصائدهم بوصف الاطلال والدمن فاننا نراهم يستمرون في الجمع في القصيدة الواحدة بين اغراض عدة وفي التنقل من فن الى فن بل نري على الجارم في مقدمة الجزء الاول من دوانه ينصر على ما يعتقده من ان احد مقاييس جودة الشعر هو: التنقل في القصيدة في فنون شتى من القول مع المحافظة على الوحدة الشعرية۔ ومن المرجح انه في قوله هذا لا يقصد غير وحدة الوزن والقافية ودليلنا على ذلك ما جاء في قصيدته الطويلة التي القاها في المؤتمر الطبي في بيروت صيف 19474۔ حيث بدأها بالغزل ثم تغني بوصف لبنان ۔ وبعد ذلك انتهى الى الغاية التي انشأ من اجلها القصيدة وهي اطراء المؤتمر لديوان الجام سيمات الخيال ولا يسعك وانت تقرأ قصيدة لشاعر من اركان المدرسة الدرعمية نسبة الى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة اليوم ان تحةب فكرة اللغة عن خاطرك وان تنسى ان قائل هذا الشعر يثبت على القديم وان اخذ بنصيبه من الجديد وحرص على انتسابه اليه حرصه على انتسابه الى التراث القديم ولا يفوتنا ان نذكر هنا بقصيدة احمد شوقي التي ارسلها من فرنسا ما دحا بها الخديوي وقد استهلها بالغزل:
5- خدعوها بقولهم حسناء
6- والغواني يغرهن الثناء
7- وقفت جماعة الديوان مناهضة الطريقة القديمة في الشعر العربي الحديث وطالبت بان يكون هذا الشعر مصورا العصر وروح الشاعر الحديث۔ وقد رسم العقاد نفسه منهج المدرسة الجديدة في مقدمة ديوان المازني فقال: حسب بعض الشعراد اليوم انه ليس على احدهم ان اراد ان يكون شاعرا عصريا الا ان يرجع الى شعر العرب بالتحدي والمعارضة، فان كانت العرب تصف الابل والخيام والبقاع، وصف هو البحار والمعاهد والامصار، وان كانوا يشببون في اشعارهم بدعد ولبنى والرباب ذكر هو اسما من اسماء مساء اليوم ثم يحور تشبيهاتهم ، ويغير من مجازاتهم بما يناسب هذا التحدي فيقال حينيئد ان الشعر مبتدع عصري وليس بمقلد قديم۔
8- لذلك رفضت جماعة الديوان هذه المقولة في الشعر الجديد، وقالت ان الذي ناسب القديم لا يلائم الجديد وان العرب صوروا حياتهم ونفسياتهم بشكل مطبوع مصورا حاله الشعرية لا حال غيره۔
9- وهذه الدعوة يشبه تلك التي اطلقها خليل مطران في نيابه – المقدمة التي صدر بها ديوانه في الجزء الاول منه وان الاعلان الذي اطلقته جماعة الديوان احدث هزة قوية في دنيا النقد والشعر۔ اذ ارادت ان يكون الشعر معبر عن النفس وهذا من مهماته الاولى، فجماعة الديوان كما مدرسة المهاجر جعلت هدفها اعادة الشعر الى مهمته الاولي مهمة التعبير عن النفس وتصوير العواطف في صدق واخلاص، لا ان يكون مجرد حشد صور والفاظ وتعبيرات متحفية اثرية في كلام موزون مقفى وهكذا قامت الثورة النقدية في الشعر العربي الحديث التي كان قد بدأها خليل مطران حيث بنى المداميك الاولى في هيكلية الشعر الجيد، وتسلمت جماعة الديوان الراية منه لتمضي بها شوطا بعيدا محاولة تحطيم صنمية التقليدية وفك قيود سلطان القديم، اذا كان مطران قد هاجم بهدوء وروية فان جماعة الديوان كانت عنيفة في هجومها لا ترعى ذمة ولا تقيم وزنا حتى لامير الشعراد الذي نال من سهامها النصيب الاوفر۔
10- واذا كان محمود سامي البارودي قد اقال الشعر من عثرته ورده الي اصوله القديمة ولا سيما العباسية، فان الشخ حسين المرصفي ت 1889 بعث النقد التقلدي وساعد في حركة البعث الادبي وقد اهتدى بفطرته السليمة الى بعض ما تردى فيه بعض نقاد العرب القدماء وكان فهمه الشعر كفهم ابن خلدون في هذا المجال من ان الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والاوصاف المفصل باجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على اساليب العرب المخصوصة به۔ وازاء هذه المقولات كان لا بد لجماعة الديوان من ان تثور وتحطم الجدر القديمة من اجل اقامة بناء للشعر حديث، لا يحول دون تدفق فيض الرغبات الذاتية واحساساتها وامالها، فتبوز افرادها منابر الادب والنقد فهمفتية لا عهدلهم بالجيل الماضي وقد نقلتهم التربية والمطالعة والافادة من التراث العربي الغربي ولا سيما الانكلو – سكسوني اجيالا بعد جيلهم فباتوا يشعرون شعور الشرقي ويتمثلون العالم كما يتمقله الغربي فجاؤوا بدعوات جديدة في مفهوم الشهر تغاير المفاهيم السائدة التي ورثها جيل شوقي واضرابه من اصحاب النظرة التقليدية في الشعر واذا كان العقاد اسبق رفيقيه ظهورا في الحياة الادبية لانه بدأ الكتابة في الصحف منذالعام 1907 فان عبد الرحمن شكري كان اسبقهم الى نشر الشعر في ديوان فقد اصدر ديوانه الاول ضوء الغجر سنة 1909وهو بعد طالب بمدرسة المعلمين۔ وكان ديوانه الى جنب يوميات العقاد بداية اقتحام المذهب الجديد في الادب الميدان وفاتحة الصراع بينه وبين القديم، ويزكي هذا الرأي قول محمد مندور، فحركة التجديد التي انبعتث في مصر في النصف الاول من هذ القرن، قد اشترك فيها عمالقة ثلاثة هم: شكري والمازني والعقاد۔ بحيث يصعب في كثير من الاحيان تمييز نصيب واحدهم في هذه الحركة من نصيب زميليه۔ واذا كان عبد الرحمن شكري قد خلف تراثا اكبر مما خلف في النقد فزملاؤه ومعاصروه يحدثون بان شكري كان له في التويه والنقد الشفوي ما لو دون لكون تراثا ضخما۔
11- ويؤيد هذا الرأي ايضا العقاد نفسه من ان شكري كان كثير المطالعة في اللغتين العربية والانكليزية وكان على اطلاع واسع على اداب هاتين اللغتين، كان يقدم اراء وجيهة في اي كتاب يقرأه ورأيه كان يدل على اناة وسعة الاستيعاب التفهم والمازني نفسه الذي هاجم شكري في غير مناسبة يعترف بسبق شكري وريادته لجماعة الديوان بقوله: وقل من يذكر الان شكري حين يذكر الادب وبعد الادباء ولكنه علي هذا رجل لا تخالجني ذرة من الشك في ان الزمن لا بد منصفه، وان كان عصره قد اهمله ، ولقد عبر زمن كان فيه شكري هو محور النزاع بين القديم والجديد ذلك انه كان في طليعة المجددين اذا لم يكن هو الطليعة والسابق الي هذا الفضل۔۔۔ وكانت صلتي به وثيقة وكان كل منا يخلط صاحبه بنفسه ، ولكني لم اكن يومئذ الا مبتدئا على حين كان هو قد انتهى الى مذهب معين في الادب ورأي حاسم فيما ينبغي ان يكون عليه۔
12- ومهما يكن من امر في قضية من يكون رائد جماعة الديوان فان المسألة تبقي ان هؤلاء الثلاثة لم تنفصل نظراتهم النقدية عن ابداعهم الشعري وان كانوا قد تركوا اراء شفهية او مدونة في الشعر والشعراء فان جل هذه الاراء واهمها ما جاء في مقدمات دواوينهم الشعرية حيث التحم النقد بالفن وهذه المقدمات تعد بيانات شعرية حدد فيها جماعة الديوان مذهبهم في الشعر والنقد حيث بشروا في تلك المقدمات بالاراء الجديدة داعين الي ا لصدق الفني ووصف الطبيعة والتعبير عن العاطفة والاندامة بمظاهر الكون والنفاذ الى ما وراد المحسوسات والاهتمام باللباب دون القشور وشددوا على قضية الوحدة العضوية في ال قصيدة العربية الجديدة والبعد عن شعر المناسبات والنفاق والكذب والتحرر من القيود التي تحول دون الابداع والصدق في التجربة الفنية الشعرية والاصالة والطبع۔ وقد حدد مفهوم جماعة الديوان للشعر ببيت اطلقه عبد الرحمن شكري في قصيدته عصفور الجنة والبيت صدر به شكري ديوانه الاول ضوء الفجر والبيت هو:
13- الا يا طائر الفردو
14- س ان الشعر وجدان
15- وهذا البيت يحدد علاقة الانسان بالشعر او الشعر بالانسان او ما نستطيع ان نقول فيه: هو ما كان تعبيرا عن النفس البشرية بكل كيانها وذاتها۔ او هو ما اثر في النفس واستثئار كوامنها ودل على نفسية الشاعر۔ وهذا يقودنا الى ماحولة تحديد مفهوم الشعر عند جماعة الديوان ومفهوم لغة الشعر وموسيقاه وغايته۔۔۔ ومحاولتنا تنصب – دراسة – على مقدمات دواوين هذه الجماعة او ما يصح ان نسميه: البيانات الشعرية لجماعة الديوان اذ كل ما جاء في كتباتهم النقدةي كان توضيحا لما جاء في هذه البيانات التي جعلناها مادة بحثنا۔

مفهوم الشعر عند جماعة الديوان:
ترك عبد الرحمن شكري مقدمات دوادينه واكمل هذه المقدمات مقدمة ديوانه الخامس الخطرات التي جاءت بعنوان: في الشعر ومذاهبه۔
يرى شكري ان الشعر هو اجل عمل يعمله الشاعر الصميم في حياهت۔ ذاك ان الشاعر انما خلق للشعر ، فليس الشعر متمما للشاعر بل هو اساس حياته۔
ومن هنا كان الشعر عند شكري ضرورة بل لازما من لوزام الحياة كالماء والنور والهواء۔ وهو ضروري لانه يصور الحياة الانسانية بخيرها وشرها۔ فهو ليس زينة او ترفا، انما هو احد المقومات الجوهرية في الحياة المتحضرة۔ وقد حرص شكري على ان يعرب عن هذا المفهوم – دائما – في شعره قال:
وما الشعر الا القلب هاج وجيبه
وما الشعر الا ان يثير مثير
ونبصر فيها البدر وهو منير
ويعبر عن مفهومه للشعر بقوله: والشعر ما اشعرك وجعلك تحس النفس احساسا شديدا لا ما كان لغزا منطقيا او خيالا من خيالات معاقري الحشيش۔ فالمعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراؤه وتجاربه واحوال نفسه وعبارات عواطفه۔
وليست المعاني الشعرية كما يتوهم بعض الناس التشبيهات والخيالات الفاسدة والمغالطات السقيمة مما يتطلبه اصحاب الذوق القبيح۔ وبهذا المفهوم لا يبعد شكري عما قالت به: العرب فابن رشيق ثول: انما الشعر ما اطرب، وهز النفوس، وحرك الطابع، فهذا هو باب الشعر الذي وضع له، وبني عليه، لا ما سواه۔ وكل هذا لا يتأتى الا اذا استطاع الشاعر ان يؤدي شعره بكلام يطرب السامع هذا الكلام ان هو الا الكلام الشعري الذي قالت العرب عنه: البليغ من يحوك الكلام على حسب الاماني، ويخيط الالفاظ على قدور المعاني۔ ولنا في وصية ابي تمام للبحتري ولتكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الاجساد دليل علي افادة شكري من التراث العربي في هذا المجال حيث يصير الشعر بين الشاعر الشاعر والشاعر الناقد مادة درس وتنظير ولا سيما عندما يروح الشاعر يتصدى للشعر بالتنظير وارساء الاسس والقواعد التي يجب ان يبنى عليها هذا الشعر۔ ولا يستطيع الشاعر ان يقدم شعره بالصورة المناسبة القائمة على العلاقة بين الاشياء التي قال بها بودلير في قصيدته ترسلات ۔
ذاك ان التشبيه في الشعر لا يطلب لذاته وانما يطلب لعلاقة الشيء الموصوف بالنفس البشرية وعقل الانسان۔ وكلما كان الشيء الموصوف الصق بالنفس واقرب الى العقل كان حقيقا بالوصف۔ وهذا يوضح فساد مذهب من يريد وصف الاشياء المادية لانها مما يرى لا لسبب اخر۔ هذا الوصف خليق بان يسمى الوصف الميكانيكي۔ فوصف الاشياء ليس بشعر اذا لم يكن مقرونا بعواطف الانسان وخواطره، وذكره وامانيه وصلات نفسه واذ يرى شكري ان الشعر تعبير عن النفس فانه يلتقي – في هذا الرأي مع الدعوة التي بشر بها خليل مطران في بيانه الموجز وقصيدة المساء من هنا نرجح ان هذا الشاعر قد تأثر بمطران بطريق او بآخر، مثلما تأثر بشعراء الرومنطيقية الانكليزية من حيث الاندماج بالطبيعة وبخاصة شعراء البحيرات ولذا يرفض شكري نظرية المحاكاة كما قال بها الكلاسيكيون التي تهدف الى ان الفن يحاكي الطبيعة – اي يصورها – كما هي ويقول بالنظرية الرمانسية التي تحاكي الطبيعة لكن بنسبة اشد اي الطبيعة عنده، مثلما هي عن الرومانسيين، مصدر الشعر، وعلى الشاعر ان يندمج فيها او هي تندمج فيه، فالطبيعة اشد اتساعا واكثر تنوعا بما لا يقاس من الناحية المادية والناحية المعنوية، فشكري يمتدح الشعر – كما يمتدحه شعراء الانكليز – بانه ينبعث مباشرة من الحساسية امام مشاهد الطبيعة، كما يقترح وردزورث ويوافقه وكولريدج وقد عرف وردزورث الشعر بقوله: ان الشعر فيض المشاعر القوية فيضا ذاتيا وانه ينبع من عاطفة نستذكرها في حال الهدوء حتى يحدث شيء من رد الفعل على اثره ما يشملنا من هدوء۔ ولكي يستطيع الشاعر ان يوصل العر الى القارئ او السامع لا بد له من ان يكون صادرا عن نفسه۔
فالشاعر انما يحس بما لا يحس به غيره۔ ولكن هذا الغير يحس الاحساس نفسه ولا يستطيع ان يعبر عنه فيأتي الشعر ويعرب عن حسه الذي هو احساس الاخرين ولذلك يقول وردزورث: الشاعر يتميز عن سائر الناس بمقدرته الفائقة على التعبير عن الخواطر والمشاعر على نحو ما نشأت نفسه، وهذه العواطف والافكار والمشاعر هي نفسها ما يختلج في نفوس الناس من عواطف وافكار ومشاعر۔ وقديما قالت العرب ما يشبه هذا القول لاعتقادها ان الشعر المؤثر لا بد ان يكون نابعا من احساس عميق وشعور صادق۔ فقد ذهبت الى ان ما خرج من اللسان لا يتجاوز الاذان۔ وهذا يتوافق مع ما قالبه عبد الرحمن شكري فالشعر عنده ليس رصف الفاظ وتزويق كلام انما هو النفس بكل حالاتها، وقد قال في اعترافاته: كنت في اول الامر احسب ان الاديب حلية لقومه، وان الادب زينة فكنت اقضي الايام في تصيد الالفاظ واختلاس الاساليب اللفظية، ولكني ضجرت من هذه المنزلة الحقيرة وقلت: ان كان الادب في تصيد الالفاظ فلا خير في الادب ثم فطنت بعد ذلك الي الحياة واساليبها والى الروح وعواطفها وعلمت ان الشاعر هو الذي يعبر عن اساليب الحياة وعواطف النفس۔ وهو الى ذلك ، اي شكري يقيم لعناصر الشعر وزنا والعناصر هذه هيك العاطفة والخيال والفكر والذوق السليم، وبعض الناس يحسب ان سلامة الذوق في رصف الكلمات كإنما الشعر عنده جلبة وقعقعة بلا طائل معنى۔ او كأنما هو طنين الذباب ۔ ولا يكون الشعر سائرا الا اذا كان عند الشاعر مقدرة على التأليف بين اللفظ والمعنى ومرة اخرى يتلاقى شكري والشعراء الانكليز الرومانسيين في ان الشعر هو ما اتفق على نسجه الخيال والفكر ايضاحا لكلمات النفس وتفسيرا لها، مثلما يتفق والعرب في مسألة مشاكلة اللفظ لمشاكلة المعنى لكي تأتي الصورة الشعرية بارزة غير مهزوزة، ويرفض تقسيم الشعر الى شعر عاطفة وشعر عقل، وان كان الشاعر عنده يتميز بالشره العقلي الذي يجعله رابغا في ان يكرف كل فكر ويحس كل احساس، ذاك ان كل موضوع من موضوعات الشعر يستلزم العاطفة والفكر معا ولا يأتي شكري بهذه الاراء باشياء جديدة لم تكن معروفة عند العرب فالعرب جعلت الشعر قائما على الفكر والعاطفة والخيال والذوق، وقد قال حازم القرطاجني: واما العلم فلا يثبت ايضا للشاعر بأن يوزع شعره معاني منه، فليس يبعد على الناظم اذا كا نقد تصور مسائل من علم وان قلت ان يعقلها ببعض معاني شعر، ويناسب بينها وبين مقاصده۔ من هنا كان ادراك عبد الرحمن شكري ضرورة المزاوجة بين الفكر والحس في العملية الشعرية، حيث يحتاج شعر العواطف الى ذهن خصب وذكاء وخيال واسع لدرس العواطف ومعرفة اسرارها وتحليلها فتيضح لدينا ان شكري لا يبعد بهذا المفهوم عما قالت به العرب من ان الشعر قائم فيما هو قائم عليه ، على الدرس والرواية والمران، اذ هو علم من علومها وليس للجودة في الشعر صفة انما هو شيء يقع في النفس عند المميز كالفرند في السيف والملاحة في الوجه۔ وهذا يتواءم مع ما قال به: وردزورث: ان الشعر من ضروب المعرفة بأسرها هو الاول والاخر ، فانه براق على الزمان ما بقي قلب الانسان۔ وان عملية الخلق الشعري عند شكري قائمة على الاستيطان الذاتي الذي يعد عنده من اهم الوسائل لا لمعرفة نفس الشاعر فحسب بل لمعرفة النفس البشرية بوجه عام۔ وهو الى ذلك يرفض تقسيم الشعر الى فنون وحصره في تعريفات ، فمنزلة اقسام الشعر في النفس كمنزلة المعاني من العقل فليس لكل معنى منها حجرة من العقل منفردة بل تتزاوج وتتوالد فيه۔
اما قضية الصدق والكذب فقد اعارها شكري اهتماما بارعا اذا قد رفض مبدأ المبالغة والمغالطة في الشعر مثلما رفض مبدأ المبالغة والمغالطة في الشعر مثلما رفض مبدأ ان اعذب الشعر اكذبه فليس الشعر كذبل بل هو منظار الحقائق ومفسر لها۔ وليس حلاوة الشعر في قلب الحقائق ، بل في اقامة الحقائق المقلوبة، ووضع كل منها في مكانها۔
فالشعر رحلة كونية يحس المرء فيها لذات التفكير اكثر مما يحسها في هذا العالم الارضي، وعليه تكون الرحلة الشعرية الى عالم النفس او عالم الباطن او ما يمكن ان نسميه عالم اللاوعي۔۔۔ حيث يفتش الشاعر عن الحقيقة في قلب الكون ، وان منتهى الشعر عنده هو المعرفة وان الانسان يستذكر الماضي ويتسلق الايام المقبلة لكنه دائما وبخاصة الرومانسي يتجه الى حيثما يجد مجالا من الحس يسمو اليه يجناحيه۔ والصدق الذي يعينه شكري هو الصدق في المشاعر التي تؤكد التجربة الشعرية – الشعورية ، حيث يكون الشعر الصق بعواطف الانسان ومشاعره وخواطره، فالوصف الخارجي للمشاعر يسمى الوصف الميكانيكي، وهذا ليش بشعر۔
ومن كل ما تقدم يتبين لنا ان الشعر عند عبد الرحمن شكري لا يقوم على اسس محددة ثابتة نهائية، وهو قائم على تصوير النفس بكل اختلاجاتها، لا يقيده قيد الا قيد حرية الشاعر في التعبير عما يحس ويشعر بكل صدق فني۔ اما ابراهيم عبد القادر المازني فيعرف الشعر بقوله:
كل بيت في قرارته
جثة خرساء مرنان



خارجا من قلب قائله
مثل ما يزفر بركان
ويقصد المازني بقوله هذا ان الشعر تنفيس عن نفس صاحبه، وهذا ما قالت به الرومانسية من قبل۔
ويؤكدد المازني مفهومه للشعر في مقدمة الجزء الثاني من ديوانه فيقول: وما الشعر الا معان، لا يزال الانسان ينشئها في نفسه ويصرفها في فكره ويناجي بها قلبه ويراجع فيها عقله۔۔۔ ان الشعر ديوان يقيد فيه اهل العقول الراججة ما يجيش في خواطهم في اسعد الساعات ۔، وهو الذي ينقذ من الفناء والعدم خواطر الالهام ، وهو يحلق بالمرء فوق الحياة ويرغمه على ان يحس ما يرى وان يرى ما يحس وان يتخيل ما يعلم وان يعلم ما يتخيل۔ يعني ان الشعر ما كان تأثيره في النفس ابلغ ، فهو يستثير النفس ويصور ما تنطوي عليه الكوامن العميقة فتترجم في فن جميل، وهذا يفيد ان الشعر صورة الحياة والمازني بهذا التعريف لا يبعد عما قال به شكري من ان الشعر تعبير عن العواطفل، وعما قال به وردزورث، فالشعر لا يقول الشعر بعمل ارادي وفي موضوع يختاره وانما يقوله عندما تجيش الخواطر وتتلمس لها مخرجا۔ والعرب قديما فهمت هذه المقولة في اصول الكتابة فاذا هي شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على السنتنا والمازني نفسه قال: الشعر خاطر لا يزال يجيش بالصدر حتى يجد مخرجا ويصيب متنفسا، وهذا القول يذهب مذهب هازليت الناقد الانكليزي، من ان الشعر هو لغة الخيال والعوطاف وهكذا نتبين ان المازني افاد من التراث العربي ثملما افاد من النقد الاوروتبي وبخاصة الانكليزي وبالاخص هازليت فجماعة الديوان كانوا من المعجبين بهذا الناقد وقد اهتدوا به لانهم لم يدخلوا عالم الاداب الاجنبية مغمضين او خالين من الرأي والتمييز۔
وان اهتمام المازني بالاحساس والشعور لا يبلغ به اهدار العبارة، فالشعر انما هو ايضا عمل فكر هو رهن بصحة النظر وسلامة الذوق وصدق السريرة ولا يستطيعه الا من اعدته له طبيعته وهيأت له اسباب فطرته ، وبما هو فن يحتاج الى مواهب وملكات ، ذاك ان الشعر في اصله فن ذاتي يحاول الشاعر ان يرضي نفسه به ويتعلل ويتلهى۔
والمازني لا يقول بالمحاكاة في الشعر۔ فالشعر الهام، والشاعر ساعة تملكته حمى الوحي والالهام تدفعه قسرا في طريق الادب۔ وان غريزته ما زالت تلهمه وتوحي اليه، على صناعة تقسره عليها الارادة الذكية والرغبة الملتهبة۔ وما زال الشاعر يطلب ارضاء نفسه وهو يعالج عمله ، وينبغي الترفيه عنها من ضغط عواطفه ، ولكنه قد اصبح طماح العين كثير المراغب يفكر في جمهور قرائه وعشاقه ويحلم بما يمني به نفسه من النجاح۔
واذا كان المازني يلتقي الرومانسيين من حيث مفهومه للشعر، فانه تاليا يلتقي الرمزيين في نظرية الترسلات من ناحية تفسير المرئي باللامرئي واللامرئي بالمرئي۔ ومن هنا كان الشاعر في نظرة المازني ا لنقدية اشد الناس احساسا واعمقهم حمة، وهذا الرأي يقودنا الى الحديث على الصدق والكذب في النقد عند المازني۔ والقضية ترتكز على ان يكون الشاعر صادقا في الاحساس۔
فالصورة الكاملة النفسية او الكونية التي يصورها الشاعر حين يفكر في امر من الامور تنم عن عمق شعوره واحساسه وفيها يرجع الشاعر الى اقتناع ذاتي واخلاص فني يقول المازني: ولعمري لست اعرف شيئا هو احلى جنى واعذب وردا من الشعر اذا صدقنا واهله المقال۔، وفي هذه النظرة يلتقي المازني الناقدا۔ ارتشادرز بقوله: يخذلنا الشعراء او نخذلهم اذا كنا لا نجد انفسنا قد تغيرنا بعد قراءة شعره فوظيفة المتلقي مشاركة الشاعر في التجربة الشعرية: الشعر الصادق هو وحده الذي يولد في القارئ۔۔۔ استجابة لا تقبل في الحرارة والنبل والصفاء عن تجربة الشاعر نفسه۔
وان التقاء المازني بهذه المفاهيم مع ريتشاردز والرومانسيين ليس مجرد التقاء مصادفة بل التقاء تأثير واعجاب۔ وفي مسألة الصدق يلتقي المازني ابن طباطبا العدوي والامدي الذي قال: وقد كان قوم من الرواة يقولون اجود الشعر اكذبه، ولا والله ما اجوده لا اصدقه۔
د۔ منيف موسى
كلية الاداب – الجامعة اللبنانية (يتبع غدا)




من وجوه الثورة الفرنسية: توماس باين
تعددت جنسياته، اما وطنه فالعدالة وحدها!
باين: كوزموبوليتي يجسدعالمية اعلان 1789


في شباط 1791 ، صدر في لندن كتاب بعنوان حقوق الانسان وقد اندفع مؤلفة توماس باين في مدح حمس للثورة الفرنسية واعلان 1789۔ وفيه يعلن ان قضية الشعب الفرنسي هي قضية اوروبا بأسرها، او بالاحرى قضية العالم اجمع۔ في الوقت نفسه، ظهر هذا المؤلف كرد على مقالة نقدية اخرى بعنوان افكار حول ثورة فرنسا حيث يعرض بورك حججا انفعالية عظيمة الفصاحة ضد الثورة الفرنسية۔
بسرعة كبيرة ، ترجم كتابب باين الى اللغة الفرنسية ، وعرف، في كلا اللغتين ، رواجا كبيرا جدا۔ ثم نشر جزء ثان له سنة 1793 ، وترجم في الحال۔
صوت باين جريء وفظ، وهو لا يريد ان يتكلم الا باسمه الشخصي، بعبارات قاسية لا مراعاة فيها۔ في الواقع ، ان اول حق تنتزعه حقوقالانسان هو حق الادراك والحكم من وجهة نظر فرد عادي۔ في الوقت ذاته، يعرف باين كفرد ان يلتقط الافكار التي تدور حول عقول الناس والتي تريد ان يفصح عنها: وهو بخاصة يستشعر دون خطأ بالوقت المناسب للافصاح عنها۔
عندما صدر كتاب حقوق الانسان لم يكن باين شخصا مجهولا۔ على صفحة العنوان ، عرف نفسه كأمين للمؤتمر بالنيابة عن وزارة الخارجية خلال حرب اميركا۔ وواضع مؤلف بعنوان: الحس السليم اذن، كمواطن اميركي وكأحدد صانعي الاستقلال الاميركي ، دافع بان عن الثورة الفرنسية واعلان 1789۔
غير ان توماس باين كان في الاصل انكليزيا۔ لقد ولد في تيتفورد سنة 1737 من اب يعمل صانعا للمشدات وسوف تستخدم هذه المعلومة التفصيلية في الرسوم الكاريكاتورية الموجهة ضد مؤلف حقوق الانسان۔ كانت فترة شبابه مليئة بالمغامرات۔ وهكذا ، ابحر على متن سفينة تحت امرة المدعو ديث: قبطان الموت! كان يحلم بمدينة ملفيل وكما سنرى ، سوف تحلم ملفيل بباين ، بعد قرن من الزمن ۔۔۔ وبعد ان اشتغل في مصلحة الضرائب غير المباشرة التي ستكون موضوع اول عريضة له ابحر سنة 1774 باتجاه اميركا۔ وكان يحمل في جيبه كتاب توصية من الرجل الشهير جدا بنيامين فرانكلين ، الذي عرفه في انكلترا ، والذي قربه منه ميله الى العلم والى تطبيقاته العملية۔
وصل باين الى فيلادلفيا سنة 1774 ، وفي ربيع 1775 اصدر فيها مؤلفا ضد الرق ، ومع مطلعل 1776 ، صدر مولفه النقدي الكبير الحس السليم ، وفيه دعا مستوطنات اميركا الانكليزية الى انتزاع استقلالها من الوطن الام قبل فوات الاوان ، برأيه ، لان السلطة الانكليزية قد تكبل المجتمع الاميركي بروابط متشعبة المصالح۔
فالحرية هي الان بمتناول اليد ، ومعها ، امكانية التأسيس من جديد۔ لكن ، بالرغم من المناصب الرسمية التي اوكلت الى باين ، فقد اقصى بوضوح عن عمل مؤسسي الجمهورية الاميركية كان خطيبا جسورا بلا ريب وخطيرا ربما۔


لا تعد الى بيتك هذا المساء
في ربيع 1787 ، غادر باين اميركا الى اوروبا – وقد سبق له في 1781 ، ان كان في عداد وفد اميركي الى فرنسا حيث اكتشف ان شهرته هناك هي بمقدار شهرته في اميركا۔
لقد اتى الى باريس كمخترع ، اذ اراد ان يعرض على اكاديمية العلوم تصميم جسر حديدي ذي عقد واحد۔ ان هذا الميل الى العلوم والتقنيات لن يتوقف عنده ابدا۔ وعلامته بارزة في كتاباته وبخاصة في عصر العقل، وفي الحلقات التي سيتردد اليها باين في باريس، لا يمكن الفصل بين رواد المعرفة ورواد الحرية۔ وكما يلاحظ ميشليه ، فقد كان صالون كوندورسيه – الذي اصبح باين صديقا مقربا جدا له – المركز الطبيعي لاوروبا المفكرة۔ كان لكل امة ، كما لكل علم، مكان فيه۔
مع ذلك ، لا ينسى الفرنسيون ان باين هو الاميركي العظيم، ففي 1789 ، كلفه لافاييت رسميا بنقل مفتاح قلعة الباستيل الى جورج واشنطن ، رئيس الولايات المتحدة الاميركية ، منذ الربيع ۔ في الواقع ، لن يعود الى اميركا الا بعد سنوات عديدة۔ مذ ذاك ، اهتم باين على نحو وثيق بالثورة الفرنسية۔
بعد فرار الملك الى فارين ، تجاسر على دعوة الشعب الفرنسي، وفقا لروح اعلان الاستقلال الاميركي ، الى التخلص من ملكية لم تجلب له سوى سلسلة طويلة من المصائب العامة۔۔۔
وقد اثار هذا التبشير الجمهوري جدال مع سيياس – وهو جدل غريب اذا صدقنا لاكانال الذي اكد فيما بعد ان القضية كلها كانت مدبرة من قبل محركيها الاثنين لاضفاء المزيد من البريق على الحجة الجمهورية۔
كتاب حقوق الانسان نشر اولا في انكلترا ، وبورك الذي يرد عليه باين هاجم قبل كل شي انصار الثورة الفرنسية الانكليز۔ وهكذا ظهر في مسقط رأسه كداعية مفسد۔ بالفعل ، ان حقوق الانسان ينعش الامال الاصلاحية او الثورية لراديكاليين الانكليز ۔ فتكونت حلقات جديدة اثارت تخوف السلطة۔ حتى ان نجاح الكتاب يعمل ضده: فبيعه بسعر منخفض هو ظرف مشدد للعقوبة! فكان على باين ان يهرب من انكلترا على عجل۔ آنذاك ، لقب الشاعر وليام بلاك دورا خفيا ، اذ انقذه من ايدي الشرطة حين نصحه: لا تعد الى بيتك هذا المساء۔
وهكذا ، مثله مثل عدد من المشاهير الاجانب ، منح لقب مواطن فرنسي ۔ وانتخب عضوا في الجمعية التأسيسية من قبل اربع دوائر بعد بضعة اسابيع ، اي في كانون الاول 1793 ، شارك في المناقشات المتعلقة بمحاكمة الملك، وفي اثناء جلسة عاصفة ومؤثرة ، حجيث اغاظ ماراتاتخذ موقفا ضد اعدام لويس السادس عشر – بواسطة مترجم۔
منذ ذلك الحين ، بدأ وضع باين يتقهقر فقد اعتبر مع كوندورسيه عندما اشرك في لجنة التسعة الملكفة بصياغة مشروع الدستور بأنه من الجيرونديين اليساريين ۔ وفي نهاية 1793 ، اعتقل وسجن في لوكسمبورغ ، ونجا من المقصلة بالمصادقة ثم سافر الى اميركا ، حيث توفي سنة 1809۔
ان ما اتاح لتوماس باين، من خلال مجادلته مع بورك ، ان ينصب نفسه مدافعا عن الهدف التأسيسي والعمومي لاعلان سنة 1789 ، هو قبل كل شيء تاريخه الشخصي۔ اذ ، كما قال ميشيليه : لم يكن ينتمي الى اقل من ثلاثة اوطان ، انكلترا ، اميركا، وفرنسا: انما الحق يقال انه لم يكن له غير وطن واحد، هو الحق والعدل۔
ومنذ نهاية القرن الثامن عشر ، انتشرت مؤلفات باين في الاوساط الشعبية الانكليزية ، وقد قرنت حقوق الانسان طوال القرن التاسع عشر في انكلترا بأسرها ، حيث اصبحت ، حسب تعبير طومسون نصا مؤسسا لحركة الطبقة العاملة الانكليزية۔
عن لوموند الثورة الفرنسية



النغم سجين الصراخ
ارجو ان تخفض صوتك بعض الشيء، لاني لم اعد اسمعك
نظرت اليه ، فوجدت علامات الاسف على وجهه ۔ لم يتوقع ، ان اكون على هذه الدرجة من السخف۔ فحسر عني كلامه الجوهري، الذي كان سيحول به خبزي وخمري الى جسده ودمه۔
حاولت ان اعتذر ، حتى اتمتع مجددا بالنغم الذي افتتح به حديثه ، واطلقني بواسطته في عوالم سامية، فوجدت ان ثمة درب واحدة الى اذنه، هي درب صوته فاضطررت للانسحاب ، وحسرة الخسارة تعتصر قلبي۔
بكيت ، بكيت ، انسانا نظيفا ، دفن ذاته في صدفة انبهاره بها، بكيت جمالا تهدره الانانية۔
وترددت اصداء النغم في داخلي ، وراحت مخيلتي ، تبحث له عن مكان في السمفونية ۔
واذا بي اكتشف ان السمفونية تحوي انغاما ووضوحا ، فانطلقت بالغناء وصوتي يحمل نشيحا جديدا ، يحمل فرحة تغالب النزيف يحمل رعشة تصارع الركود۔
عائدة