الاثنين 16 كانون الاول 2002
تاريخ ـ فكر
16

الامير فخر الدين المعني الثاني
الأمير فخر الدين المعني الثاني والأمير يوسف باشا سيفا

(1516ــ 1613)


آراء حرة
اقطف وتذوق... فعار أن ترشق الشجرة المثمرة بالحجارة

رد على مقالة السيد مطانيوس شاهين غربية

الاستشهاد يصنع المعجزات والامجاد

ما اجمل الاقوال المأثورة واروعها: «منذ متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا». تقف حدود حرية الانسان عند حدود حرية الاخرين. من يعرف حدوده، يقف عندها.
الحرية لا يمكن تجاوزها او مصادرتها او خنقها او القضاء عليها، لانها مقدسة بكل ابعادها وحدودها.
في اسرائيل اليوم حركة يمينية، تحت اسم «حركة الحدود». نشأت في الفترة الاخيرة الماضية، تحت تأثير ضربات المقاومة الفلسطينية الموجعة. وهدفها المعلن، هو الضغط على الحكومة الاسرائيلية. لالتزام حدود الدولة العبرية وتفكيك جميع المستوطنات في مناطق السلطة الفسلطينية. وذلك لازالة الاسباب، التي تجعل المقاومين الفلسطينيين البواسل، يقومون باعمال استشهادية مباركة. تعرض الاسرائيليين وممتلكاتهم ومصالحهم للخطر والمصائب والكوارث.
حركة التزام الحدود اليمينية، لم تولد او تبادر الى هذه الطروحات الايجابية الجريئة، من فراغ او عدم. فقد فرضت عليها عمليات الاستشهاد، وجوب التفكير الجدي العميق، في ضرورة الفصل بين دولة اسرائيل وحدود الدولة الفسلطينية العربية المزمع اقامتها. فتحركت هذه الفئة الواسعة من الشعب العبري في اسرائيل، على الفور وبسرعة للقيام بتظاهرات كبيرة. احتجاجا على سياسة شارون تجاه الفسلطينيين. وانقاذا لحاضرها ومستقبلها. وضمانا لمصيرها، الذي لم تعد تراهن عليه من خلال خطط حكومة دولتها، المتسمة بالقمعية والوحشية. ان هذا التغيير المتواصل، الذي نشهده لدى الرأي العام الاسرائيلي. يعود الفضل فيه الى الاستشهاد ومفاعيله القوية الخطيرة في نفوس الاسرائيليين. فهو الذي سيؤدي الى انهيار المعنويات ويفرض على الحكومة الاسرائيلية السلام الحقيقي عاجلا ام اجلا .
صباح ارسلان سعيد

لقد قرأت مقالة السيد مطانيوس شاهين غربية في جريدتكم الغراء بتاريخ 18/11/2002 وفاجأني الاسلوب اللامنطقي الذي يسرد به افكاره.
الايزوتيريك كما تحقق الجميع لا يحتاج الى دعاية ولا يفرض معرفته بل يوضح المفاهيم بمنطق حقائقه التي يضعها في متناول المدارك عامة. هذا وبقدر ما يكون وقع الحقيقة جارحا على متحجري العقول، يعتقد هؤلاء ان كلام الايزوتيريك اسواطا تلسعهم... كما حدث مع مطانيوس افندي وثارت ثائرته علينا. لكن مثلما الوالد يقسى على ولده كي يعي خطأه، هكذا الايزوتيريك يحتضن طفولة وعيك يا مطانيوس افندي.
اولا: الكبرياء هي العدو اللدود للتطور والتفتح الداخلي، والكبرياء يتحكم في نفسك، في اعمالك وتصرفاتك ومشاعرك ويسد عليك طريق التقدم.
ثانيا: المسؤولية وعي، فاين انت من وعي نفسك? المسؤولية تفهم وادراك، تصرف وتطبيق... المسؤولية تحمل اعباء في سبيل هدف متطور... وفهم قوانين الحياة وانظمتها! فاين انت من هذه الميزات الانسانية!
ثالثا: لا حقيقة من دون صدق، لا محبة من دون اخلاص، لا وعي من دون ممارسة، ولا سلام داخلي من دون صفاء ذاتي. فاين انت يا سيد غربية من هذه الصفات الانسانية?!
من الواضح انك بعيد كل البعد عن نفسك وعن طوايا نفسك. من الواضح انك تبحث عن تشوف لم تستطع الحصول عليه من خلال مهنتك. ومن الواضح ان حقدك اعماك عن التمييز بين الحقيقة والوهم. فانصحك مرة اخرى التمعن في هذه العبارة «مهما تعالى صخب الحياة»، لا تجعله يصم اذنيك عن سماع صمتها... ففي صمتها تهمس الحقيقة.
لا عجب ان اوقعك غيك في حبائل شياطين افكارك فتفتق خيالك المشحون بالكره والعدئية باتهامنا اننا خبراء في السحر الاسود وعبدة الشيطان... فالايزوتيريكي لا يؤمن اصلا بوجود الشيطان ومؤلفاتنا تثبت ذلك. الشيطان هو في افكارك المشينة يا سيد غربية. الشيطان هو في نفسيتك الوسواسة. الشيطان هو في سلبياتك وغاياتك الخبيثة. قل لي اذا عمل المرء على التخلص من السلبيات والتحلي بالايجابيات، وعلى الارتقاء بوعيه، فاين يكون الشيطان? الا فاعلم، لم يعد يؤمن احدا بالشيطان بعدما اطلع على ما نشرته الجمعية اليسوعية في روما بان «جهنم ليست مكان بل حال في الانسان» وان الشيطان اختلق واستعمل لتخويف الناس... وهذا ما ذكره الايزوتيريك منذ عقود، ومؤلفاته خير شاهد. فاين مطانيوس افندي من التفكير السليم، حتى لا نقول من الفهم والوعي!!!
وما رأيك في قول العلامة علي بن ابي طالب رضي الله عنه: الشر فيك والخير فيك، الداء فيك والدواء فيك و «اتحسب نفسك يا انسان جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر?! ام ان مطانيوس افندي من الذين يفضلون وجود الشيطان كي يتستروا وراء شهوات نفوسهم وضعف ارادتهم!!! لا تلقي تهم نفسك على غيرك. فامثال افضالك من عبدة يهوة والشيطان وخبراء بالسحر الاسود، فكتب الايزوتيريك تشهد بفرادة علومها الانسانية التي غدت زاد كل مفكر وباحث ومستشهد. من تظن نفسك تخاطب.
الايزوتيريك يشهد الجميع انه علوم راقية. هي العلوم المضنون بها على غير اهلها كما فسرها العرب الاقدمون. هي علوم النخبة كما فسرتها موسوعة بريتانيكا الانجليزية. هي العلوم التي يصعب تفسيرها على غير مستوى العقول كما فسرتها موسوعة لاروس الفرنسية. هي علوم الخفايا والحقيقة الخافية وراء كل الظواهر التي نشهدها تفكر ولو قليلا يا مطانيوس افندي، ايعقل ان تكون كل تلك الموسوعات على خطأ ام ان الايزوتيريك قد سحرهم بطريقة ما?!
اهم ما يتميز به الايزوتيريك في شهادة العديد ممن مارسوا تعاليمه انه علم قائم على الممارسة والتطبيق العملي الذي يوصل المرء الى التحقق من النتائج بنفسه... فتتحول يقينا لديه لا يستطيع احد ان ينقضه او يزعزع ثقته به، كأي شيء اختبر وتحقق المرء من افادته.شعار الايزوتيريك الدائم ان الانسان هو المختبر وهو المختبر. فهل اجمل من ان تختبر بنفسك فتتحقق كما تحقق الكثيرون?! يا مطانيوس افندي دعني اوضح لك امرا هاما وهو ان الفارق بينك وبين طالب الايزوتيريك هو انه قد تحقق مما لم تستطع انت التحقق منه. وهذا دليل كاف بان كل ما تتحدث عنه هراء وافتراء وسفاهة رخيصة مشحونة بالحقد والغيرة والحسد بغاية التشاوف فقط لا غير! الم تتوعى بعد الى عريك السافر?!
من جهة اخرى الايزوتيريك سباق دائما فهو اول من كشف عن وجود الهالة الاثيرية (AURA) حول الجسد منذ قرون. العلم لم يعترف بوجود الهالة الاثيرية حتى اواسط القرن العشرين بعد ان صورها العالم الروسي (الايزوتيريكي) كيريليان بواسطة الة تصوير على درجة عالية من التطور ظهرت ذبذبات الهالة. فسماها العلم (الهالة) البيوبلازما (BIOPLASMA). فمن يكون السباق يا سيد غربية?! عندما نقول ان العمل سيثبت ما يقدمه الايزوتيريك، فهذا ليس لاننا نحن من بحاجة الى الاثباتات العلمية بل انت من هو بحاجة الى تلك الاثباتات. فان كنت تريد الانتظار فهذا شأنك. اما نحن فنكون قد قطعنا اشواطا عديدة تدريجيا وبخطوات ثابتة نحو حقائق الامور الخافية. فاين الخطأ في هذا? ام ان محاولة تشويه الحقائق الصارخة باتت من طبيعة افكارك المتقوقعة?!?!
مثل قديم يقول «الشجرة المثمرة هي التي ترشق بالحجارة» والتاريخ قد اثبت مرارا وتكرارا صحة هذا القول. انسيت سقراط وغليليو ومحاكم التفتيش مثلا انسيت المصاعب التي مر بها المخترعون امثال اديسون وغراهام بيل?! انسيت السخرية التي تلقوها من قبل الجهلة. قل لي يا مطانيوس افندي اين هم الان الذين سخروا من اولئك الكبار? وماذا بقي للاجيال غير انجازات الكبار!!
وليد فرح

السلطان العثماني الغازي
} توطئة }
في العام 1453، حقق العثمانيون حلما عظيما هو احتلال السلطان محمد الثاني المعروف بالفاتح لمدينة القسطنطينية.وهو حلم كان يراود كبار الخلفاء والسلاطين منذ ايام الامويين حتى ايام العثمانيين. وكان لسقوط القسطنطينية نتائج هامة منها التأثير النفسي على البلدان الاسلامية والامل بان العثمانيين سيوحدون العالم الاسلامي ويقودونه بدلا من السلطنة المملوكية. مع العلم انه بعد الغزو المغولي لبلاد الشام سنة 1400، نزح عدد كبير من السكان الى الجبال اللبنانية طلبا للامان مما ادى الى امتلاء هذه الجبال بالناس وراح الاقطاع يتحول الى عائلات اقطاعية مستمرة تتوراث عملها دون ان يكون هناك حق بالتوريث، وتحول الاقطاعي الى صاحب سلطة لانه كان يقوم بمهام الدولة وتحولت العائلات الاقطاعية الى حكومات محلية مصغرة. تتحالف وتتناحر وفقا لمصالحها الخاصة وليس وفقا لمصالح الدولة. وقد تميزت هذه الحكومات الاقطاعية في لبنان عن بقية مناطق الاقطاع المملوكي بطابع طائفي ولكنه سرعان ما امتصه الصراع القيسي اليمني الذي رسم الخط السياسي لتاريخ لبنان في العهد العثماني. والحكومات الاقطاعية في لبنان كانت:
{ الامارة التنوخية:
وهي اقدمها منذ ايام العباسيين وقد تمكنت من بسط نفوذها من بيروت الى صيدا شاملة جزءا من الشوف الى الغرب والمتن لكن العائلة المعنية في الشوف استطاعت ان تبرز امام ضعف هذه الامارة بسبب الحزبية القيسية اليمنية.
{ الامارة المعنية:
لقد تمكن ال معنى الايوبيين من السيطرة على الشوف المشرف على الساحل اللبناني منذ سنة 1119 وقد احتفظ المعنيون بامارتهم الشوفية حتى وصول العثمانيين. وكانوا دائما على صلة ود ووفاق مع امراء بني شهاب في وادي التيم وقد زادت اواصر العلاقة بينهم بالتزاوج.
{ امارة بني شهاب:
سيطرت هذه العائلة على منطقة وادي التيم وخاصة على اقطاعي راشيا وحاصبيا، لكن الخلافات كانت تقع دوما بينهم وبين ابناء صبح والاعمى وغيرهم اصحاب اقطاع البقاع وكذلك مع مقدمي مشغرة. اما الوئام فكان دوما مع الامراء المعنيين.
{ مقدمية جزين:
كانت جزين مدينة شيعية هامة دينيا وقد ازداد عدد سكانها بعد نزوح شيعة كسروان اليها عام 1305 قام الشيعة بثورة على السلطان برقوق المملوكي لكنها فشلت فشلا ذريعا فانتقلت الزعامة الى الجنوب اللبناني ولم يطل الوقت حتى سيطر الدروز على جزين.
- امارة بني بشارة: حتى مطلع القرن السادس عشر، تولت عائلة بشارة الاقطاعية لبنان الجنوبي. وهي تنسب الى حسام الدين بشارة الذي حارب مع صلاح الدين الايوبي. وفي سنة 1501 اصطدمت بابن الحنيش بعدها انتهى دورها الاقطاعي مع الفتح العثماني نهاية غامضة ولم يبق الا اسمها لغاية يومنا هذا.
{ امارة بني عساف:
بعد الثورات الكسروانية على ايام المماليك، وصل بنو عساف الى هذه المقاطعة مرسلين من قبل السلطنة وقد كانوا مكلفين بالحراسة من انطلياس حتى مغارة الاسد في الشام. وقد عرفوا بلقب «عشران البر» وقد انشأوا عددا من الاذواق اي المخافر على ساحل مقاطعتهم للمراقبة والحماية، منها ذوق مصبح وذوق ميكايل وذوق الخراب...
{ مقدمية الموارنة:
نشأت هذه المقدمية في الشمال اللبناني بعد الحروب الصليبية. وكان لها زعامتان: دينية على رأسها البطريرك وزمنية اقطاعية على رأسها المقدم. وكان للموارنة وضع خاص اقرته لهم الدولة المملوكية. وقد استطاع المقدمون باحكامهم العادلة من تقديم الراحة للناس فكثرت عندهم المدارس والكنائس وقد اتصلوا بالغرب عن طريق البابوية في روما. كما انهم استفادوا من صراعات الاقطاعيين حولهم. للتوسع والتملك فاصبحوا عند مجيء العثمانيين مشايخ واقطاعيين في كسروان وجبيل والشمال.
{ المشايخ الحمادية الشيعة:
حكم هؤلاء المقاطعات الممتدة من سفوح جبل صنين الشمالية حتى جبة بشري. بمافي ذلك جبيل والكورة والبترون وبعلبك حتى الضنية. وقد كانوا على تنافس وتصادم مع الموارنة وال عساف.
{ امراء بعلبك والبقاع:
لقد سيطر على هذه المقاطعة بنو الاعمى وبنو صبح وبنو حرفوش. وفي نهاية القرن الخامس عشر برز الامير ناصر الدين ابن الحنش المعروف بشيخ العرب الذي لعب دورا كبيرا بجمعه البقاعين ومنطقة صيدا والسيطرة على الجنوب اللبناني وقد امتدت سلطته حتى حماه فلقب بامير صيدا والبقاعين وشيخ العرب وامير عربان حماه وحمص.
} امراء بني سيفا في عكار:
ينسبون الى المقدم جمال الدين الملقب بسيفا، كردي الاصل، ينتمي الى المماليك الجراكسة. استلم هؤلاء الامراء الاقطاع في عكار واستمروا يحكمونه حتى كانت نهايتهم على يد الامير فخر الدين الثاني المعني الذي قضى على يوسف باشا سيفا اشهر امرائهم على الاطلاق واقواهم واذكاهم.
} 1ـ العثمانيون في بلاد الشام }
في 24 اب 1516، وفي مرج دابق بين حلب وعينتاب، انتصر الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم حفيد السلطان محمد فاتح القسطنطينية على جيش السلطان قانصوه الغوري اخر سلاطين المماليك الجراكسة، فانفتحت امام المنتصر هذه المنطقة بما فيها لبنان وقد عرف عن السلطان سليم القسوة والغدر والكراهية لايران خاصة وللشيعة عامة. وهو الذي غدر بوالده وخلعه واماته مقهورا. تم فتك بجميع اخوته والحق بهم ابناءهم لئلا ينافسه احدهم على العرش. توفي سنة 1520. لقد نفر الناس من المماليك الذين لم تعرف مصر وبلاد الشام بما فيها لبنان، حكما يشبه حكمهم في جوره وفوضاه وتدينه وقد قال المؤرخ المقريزي ما يلي: «... وصارت المماليك ارذل الناس، وادناهم واخسهم قدرا، واشحهم نفسا واجهلهم بامر الدنيا واكثرهم اعراضا عن الدين..» ووصف الجبرتي المماليك كما يلي:
«ووصل كل صعلوك منهم الى مراتع الملوك... واخذوا لانفسهم الامريات والمناصب. والذين كانوا بالامس اسفل الناس اصبحوا اليوم ملوك الارض، تجبى اليهم ثمرات كل شيء...» ومن تكون هذه صفاته فلا غرو اذا خانه الناس وتركوه ابان المعركة الحاسمة.
عندما توجه السلطان المملوكي، الغوري، من مصر الى سوريا لمحاربة السلطان سليم العثماني القادم من تركيا ، مر في دمشق، فاستقبله النائب عليها سيباي الذي دعا له بالعز والنصر المبين ثم انتقل الى حماه حيث لاقاه نائبها جان بردى الغزالي ومن ثم الى حلب حيث اجتمع مع خاير بك. واصبح جيش المماليك يضم قوات خاير بك والغزالي والامراء اللبنانين. وفي مرج دابق وقعت المعركة الفاصلة وتمكن العثمانيون من استمالة الغزالي وخاير بك اللذين انضما اليهم مع عدد من امراء لبنان مما اثر على سير المعركة وجعلها تميل في النهاية لصالح السلطان سليم خان العثماني ولم يبطىء الامر حتى مثل الغوري وتشتت جنده. ثم تقدمت القوات الغازية نحو الشام وسيطرت عليها سيطرة تامة حيث ولى السلطان سليم الغزالي على هذه البلاد الشامية، كما ولي الامير جمال الدين بلاد الغرب والمتن والجرد والامير فخر الدين المعني الشوف والامير عساف التركماني كسروان. وقد ذكر ان الامير فخر الدين بن عثمان المعني، القى خطبة في دمشق امام السلطان سليم مجده فيها ودعا له بدوام العز والنصر المبين فاستحسن السلطان ما قاله فخر الدين فجعله مقدما على سائر الامراء والاقطاعيين في جبل لبنان، وقيل ان السلطان اعطاه لقب «سلطان البر» والله اعلم... ما صحة هذه المقولة! ان دلت على شيء فانها تدل على الذل والخنوع ونفسية الخوف التي اوجدتها فينا عهود «التخلف والانحطاط بعد ان تلاش حكم العرب العادل... وهذه النفسية عينها، ستسوقنا الى الترحيب بابراهيم باشا ابن والي مصر محررا وبالجيش الانكليزي بقيادة اللنبي ثم الجيش الفرنسي محررا وبعهد الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح محررا وبخلفائهما من بعدهما. ثم تسوقنا الى الانتفاض عليهم جميعا، واحدهم في اثر الاخر». اننا نتبع المثل القائل: «كل من اخذ امي صار عمي...»
} 2ـ بروز الامارة المعنية مع فخر الدين الاول }
لقد ساعدت الظروف الامير فخر الدين المعني، فبعد ان تبث في امارته في الشوف. خرج ناصر الدين ابن الحنش ومعه امراء من التنوخين والمعنيين بالعصيان على الدولة، مما اغضب السلطان سليم الذي هزم هذا الاتحاد فقتل ناصر الدين وزالت الزعامة التنوخية اليمنية من لبنان وبرزت زعامة جديدة قيسية قائمة على تحالف المعنيين مع الشهابيين ومن ابرز قادتها ولعله الاول كان الامير فخر الدين المعني الاول. لقد قاد هذا التحالف سياسة لبنان الى مدة طويلة من الزمن، اي حوالى ثلاثة قرون كما وانه فرض الى حد كبير «الخطوط الرئسية العامة لتاريخ لبنان الحديث...» لقد عرف فخر الدين في قومه وجواره بالفطنة والجرأة ومرجعا للقريب وللبعيد. توفي هذا الامير سنة 1544 تاركا امارته، سلطنة البر، لوحيده الامير قرقماز (وهو اسم تركي يعني الجريء) وفيها بعض الاهتزاز والهدوء غير التام، فيما المنطقة التي تحيط بجبل لبنان تمر بانتفاضات محلية شبه متعاقبة سواء في سوريا ام في فلسطين والسبب في هذه الاضطرابات الثائرة، ان الناس فوجئوا بعيوب الحكم العثماني الذي اتبع اسلوب حكم المماليك الجائر وسياسة فرق تسد، فالسلطان العثماني اقتنع بلقب حامي الحرمين الشريفين وخليفة المؤمنين كما وانه نصّب حكاما ممن استأمنوا اليه او خانوا المماليك وتقربوا اليه من اهل البلاد.
ان تقديم الامير فخر الدين الاول على بقية الامراء والمقاطعجية اللبنانيين نتج عنه الحسد والريبة لديهم فابن الحنش شيخ العربان وابن حرفوش شيخ شيعة بعلبك وابن سيفا الكردي في عكار وطرابلس وابن عساف التركماني في كسروان كلهم يريد ان يكون مع ابن معن على قدم المساواة، ان لم يتفوق عليه. وقد شذّ الموارنة في الشمال، العائشون في قممهم ووديانهم بعيدين عن «الفتح والفاتح»، يفتشون الصخور، ساهرين على شجرة التوت ودودة الحرير، قانعون بشظف العيش لأجل ان يتمتعوا بحريتهم الدينية والدنيوية وسيحالفون المعنيين طوال عهدهم محالفة الصدق والوفاء وقد بادلهم بنو معن الوفاء نفسه.
} 3 ـ الامير قرقماز المعني يدفع الثمن }
لقد زاد في حسد وريبة الاقطاعيين المحليين لآل معن طمع وجبن وطيش وتقلب. فالامير قرقماز اتبع نهج والده فخر الدين، فوطّد الاستقلال وعدل في الرعية وسعى قدر طاقته الى العمران، مراعيا خاطر «الدولة العلية» بتأديته الاموال الاميرية (وهي الاهم) ففي اوقاتها بعد جبايتها من الحكام المحليين بدون عناء وارهاق ولا تبليص، بينما هؤلاء يبتزون الفلاحين والاهالي. استمر حكم قرقماز اربعين سنة على هذا المنوال الى ان حلت الكارثة المرعبة التي قضت عليه.
[ 31 ـ حادثة جون عكار
في سنة 1584، كانت قوة من الجند العثماني تنقل الاموال الاميرية المحصّلة من مصر ومن بلادنا الى اسطنبول عاصمة الدولة، وفي وصولها الى جون عكار، سطا عليها مجهولون، اتفق المؤرخون على القول انهم لصوص، والحقيقة ان اكراد يوسف باشا سيفا حاكم عكار هم الذين قاموا بهذا العمل اللامسؤول. فهل يعقل ان يأتي اناس غرباء عن المنطقة للسلب والنهب واسم حاكمها يلقي الذعر في النفوس? اتهمت السلطنة فورا حاكم عكار يوسف سيفا، عندها زحف حاكم طرابلس القريب من المكان الى عكار وبدأ باحراق المنازل، فأرسل يوسف سيفا من يهمس في اذنه بأن اللصوص انما هم الشوفيون رجال الامير قرقماز والكسروانيون رجال الامير عساف التركماني. فوجه السلطان الى الشوف فرقة من جنده للاقتصاص منهم ولتغريمهم بالمال المسلوب، وكان يقود الحملة العسكرية ابراهيم باشا والي مصر وصاحب الاموال المرسلة وقد عرف عنه البطش، ويقال انه خطر بباله ذات يوم ان يهدم الاهرام. فقد انزل بالشوفيين صنوف الويلات وضرب عليهم نفقة جنوده وامسك عليهم طريق البقاع والبحر وصادرهم بمليون غرش، وسلخ جلد مقدم دير القمر وهو حي، وقطع رؤوس الكثير من «عقال الدروز» في عين صفور وارسلها الى السلطان العثماني. وكالعادة، فقد اختلف اللبنانيون فيما بينهم وتفرقت كلمتهم، فحضر الى مقام ابراهيم باشا، كل من الامير محمد بن جمال الدين التنوخي من عرمون وابن عمه الامير منذر من عبيه والامير محمد عساف من غزير (المتهم مع الامير قرقماز) وغيرهم، وقد اتوا للوشاية ولمساندة هذا الغريب الذي يسلبهم حريتهم ضد ابناء جلدتهم.. اتوا كي يشدوا من ازره ليستمر في بطشه وغيه. وقد الحّ ابراهيم باشا في طلب حاكم الشوف الامير قرقماس الذي آلمه ان امراء لبنان انحازوا الى الوزير التركي وغدروا به وتركوه منفردا. تجاه هذا الواقع توارى الامير المعني مع عياله ومدبره وفرّ الى مغارة تيرون قرب نيحا الشوف. ويقال انه لشدة تأثره مما حل ببلاده، اصيب بداء عضال اودى بحياته سنة 1584، مكسور الخاطر مقهورا، تاركا يتيمين احدهما ابن اثنتي عشرة سنة اسمه فخر الدين والاخر اسمه يونس وعمره ثماني سنوات ومعهما والدتهما الست نسب التنوخية في عنفوان عمرها.
} 4 ـ فخر الدين قرقماز يتنشق الحرية في كسروان }
بعد غدره بعقال الدروز في عين صوفر وتأكده من وفاة امير جبل لبنان، ابحر ابراهيم باشا من بيروت الى اسطنبول في اسطول من عشرين مركبا تركيا حاملا معه ثلاثة امراء اسرى ومدير جمركي طرابلس وبيروت واكثر من «... مليون ذهب» عدا الهدايا والامتعة الثمينة من حرير وغيرها كان قد اهداها له المقاطعجية اللبنانيون لاتقاء شره «برطيل وبخشيش» عدا ما كان هو مع عسكره قد نهبه من القرى اللبنانية.
مات قرقماز واستأسد معارضوه، فرأت الست نسب ان الحكمة تقضي بابعاد ولديها الى مكان آمن خوفا من اغتيالهما من قبل خصوم والدهما. ويقال ان خال اليتيمين الامير سيف الدين التنوخي هو الذي خلف قرقماز بولاية الشوف، ويقال ايضا ان الست نسب اتفقت مع اخيها على ابعادهما الى مقاطعة اخرى ريثما تهدأ الامور وتعود الى مجاريها الطبيعية، لذلك استدعت احد موالي البيت المعني، الحاج كيوان الماروني من دير القمر، وطلبت منه ان يخفي الصغيرين بعيدا عن الشوف وقد حقق للوالدة امنيتها وخبأهما في انطلياس عند صديق له اسمه ابراهيم الشدياق سركيس الخازن، ثم انتقل هذا بهما الى مزرعة صغيرة نائية عن اعين الناس في احراج كسروان اسمها «بلونة» من ارض عجلتون، فعاشا فيها متنكرين اكثر من عشر سنوات، احدهما باسم فخر والاخر باسم يونان. وقد قام بتربيتهما ابراهيم سركيس الخازن (ابو صقر) واخيه رباح. وفي العام 1590 استدعى الامير سيف الدين التنوخي ابني اخته الى عبيه، ولما حان الوقت انتقل فخر الدين الى السمقانية حيث اجتمع اليه حوالى الـ 1500 فارس وبايعوه الامارة وحملوه الى بعقلين.
} 5 ـ معارك فخر الدين مع يوسف باشا سيفا }
في عام 1598 وقع القتال بين الامير فخر الدين، وبين يوسف باشا سيفا في نهر الكلب بسبب ولاية كسروان وقد اسفرت المعركة عن اندحار يوسف سيفا ومقتل ابن اخيه علي وتشتت جنوده واستيلاء فخر الدين على كسروان وبيروت لمدة سنة بعدها تركهما لابن سيفا وعاد الى امارته في الشوف. وفي سنة 1605 جرت واقعة ثانية في جونيه بين الاثنين، حيث هزم الامير يوسف باشا سيفا فترك بيروت تحت ضغط ال ارسلان. وفي العام 1607 وقعت الحرب بين والي حلب علي باشا جانبلاد ووالي طرابلس يوسف باشا سيفا، فاستنجد والي حلب بالامير فخر الدين الذي نجده بقواته الى ارض عرّاد في حماه. وقد اسفرت المعركة عن انكسار يوسف باشا ثم تبعه فخر الدين برجاله ولم يمكنّه من دخول طرابلس فانهزم بحرا الى بلاد حارثة مستغيثا بالامير احمد طربيه فأغاثه وارسله الى الشام ولما علم بذلك علي باشا طلب من الامير فخر الدين ملاقاته هناك حيث حاصروه ولما ضاق به الحال دفع لعلي باشا مئة الف غرش فرضي وسمح له بالانتقال الى حصن الاكراد. تكدرت الدولة العلية من علي باشا لجنوحه عن الصراط المستقيم والعصيان عليها فأرسلت قوة كبيرة لمحاربته واسفرت المعركة عن اندحار علي باشا وهربه من ساحة الوغى الى قلعة حلب حيث ادخل اليها عياله ومحازبيه ثم انتقل هو الى ايران مستنجدا بالشاه. وصلت القوات العثمانية بقيادة مراد باشا الصدر الاعظم ومعه احمد باشا الحافظ ويوسف باشا سيفا سردار العسكر، فتحت القلعة بالامان وقتل من فيها ولم ينج الا القليل وبيعت عيال علي باشا بالمزاد والدلالة. اغتنم الامير فخر الدين الفرص المؤاتية وارسل ولده علي الصغير (9 سنوات) مع مبلغ من المال حوالى 300 الف غرش، لاستعطاف خاطر الصدر الاعظم الذي قبل الهدية وانعم على الامير بسنجقية صيدا وبيروت وغزير.
لمع فخر الدين الثاني حاكما ممتازا بجرأة وذكاء وتسامح ديني مثالي، فامتد حكمه شرقا وشمالا وجنوبا وشجع الزراعة والصناعة والتجارة مستعينا بخبراء من ايطاليا وانشأ جيشا كبيرا من اللبنانيين والمغاربة والجراكسة والاكراد وتملك حصوناً كثيرة في سوريا: في حوران وصفيتا وبانياس وانطاكية وحماه وحلب وسلمية وتدمر كذلك قلاع عجلون وصفد وحيفا في فلسطين. وحالف الاقوياء من جيرانه وحطّ اعداءه ورجّف منافسيه رعبا. فذلك النشاط المكشوف فتح اعين اسطنبول على الامير الطموح، «ناهيك بالوشايات المحلية من خصومه واعدائه فطاردته الدولة العثمانية واضطرته الى الهرب الى توسكانا في ايطاليا حيث بقي خمس سنين بعدها نال عفوا من السلطان مراد الرابع فرجع الى لبنان مشحونا بالاحقاد وخاصة على يوسف باشا سيفا، شقيق زوجته الست علوة بن علي باشا سيفا، حاكم عكار.
} 6 ـ هدم قصور عكار ونقل حجارتها الى دير القمر }
منذ استلام الحكم في لبنان، لم يكن الامير فخر الدين على علاقة حسنة مع والي عكار، ففخر الدين كان طموحا للتوسع وضم لبنان الشمالي مستهدفا توحيد لبنان، فاصطدم بالامير يوسف باشا سيفا والي عكار واضطر الى محاربته لإزاحته عن طريقه واستعادة ما كان بيده من ارض لبنان. وعندما جنح الامير المعني الى التوسع شرقا وجنوبا، جعل يسعى في مهادنة يوسف سيفا واستطاع ان يعقد معه صلحا ويبادله المعاهدات تمكينا لذلك الصلح، فتزوج هو من الست علوة شقيقة يوسف سيفا بعدها زوّج ابنته ست النصر من ابن يوسف المذكور. الا ان المعاهدات لم ترسخ المصافات في حنايا القلوب، فالتسابق على النفوذ والسيطرة والانفراد كانت سيد الموقف. وقد اظهر الامير يوسف باشا سيفا حقده وبغضه خاصة في غياب الامير فخر الدين في توسكانا بحيث وجه رجاله الى دير الامير بقيادة ابنه حسين فخرّب واحرق قصر الامير المعني. وبعد خمس سنوات عاد الامير فخر الدين الى لبنان معززا مكرما فندم يوسف سيفا على فعلته هذه واراد رتق الفتق فأرسل ابنه حسنا للسلام عليه من قبله «واصحبه بعدة جياد عربية اصلية هدية له» لكن الامير رفض الهدية رفضا تاما وقال للأمير حسن بشيء من التهديد والوعيد المبطن: «قل لوالدك ان صهرنا ليس في حاجة الى الجياد لأن جياده كثيرة بل الى شيء من مواد البناء ليرمم بها البيوت التي هدمتموها في دير القمر».
لقد اظهر آل سيفا الموالاة للأمير فخر الدين وهم في الواقع كانوا يبغضونه ويتوقعون الفرص السانحة للانقاض عليه، وكان الامير يعلم ذلك خاصة عندما وصله خبرا من ابنته ست النصر ان آل سيفا يعيرونها بوالدها وبقصر قامته «لو وقعت البيضة من يده الى الارض لما انكسرت».. «وانهم يستطيعون وضعه في جيوبهم مع مفاتيح ابواب منازلهم...» وقد نظموا الكثير من الزجليات في هجائه ولما وصلت اليه وتمعن في فحواها، جعل يحاذر السيفيين ويراقبهم وانفد اليهم هذه الزجلية المشهورة والتي اصبحت على كل شفة ولسان في لبنان:
نحنا قصار وبعيون الاعادي كبار
انتوا من خشب حور ونحنا للخشب منشار
وحق طيبا وزمزم والنبي المختار
ما بعمرك يا دير الا من حجر عكار
ولم يطل الوقت حتى تآمر ال سيفا على الامير فخر الدين مع والي الشام مصطفى باشا وامراء آل حرفوش حكام بعلبك وتألبوا للوثوب عليه في شرقي البقاع، فنهض اليهم وصدمهم في عنجر حيث وقعت معركة رهيبة كان النصر الى جانب الامير فخر الدين الذي لاحقت قواته مصطفى باشا حتى ابواب الشام حيث اسرته ولكن الامير اطلقه حرمة للدولة العلية بعدما اكرم مثواه فاعتذر الباشا منه قائلا ان يوسف سيفا هو الذي اغراه لمحاربته، ثم اطلق يده في تأديب اعدائه والاستيلاء على اقطاعهم. فاقتصّ الامير من خصومه هؤلاء وابتدأ بآل حرفوش فحرق قراهم وضبط الكثير من ماشيتهم وغلالهم وممتلكاتهم وتحوّل الى آل سيفا فدخل طرابلس وعكار وقتل منهم من قتل ونهب من اموالهم ما نهب وبرّأ بقسمه وهدم قصورهم ما عدا قصر صهره الامير حسن سيفا ونقل حجارتها على مراكب الى بيروت ومنها الى دير القمر على ظهور الدواب وزخرف به بعض بناياته فيها. وهذه الحجارة الصفراء اللون ما تزال ظاهرة في بقايا البنايات المعنية في دير القمر حتى يومنا هذا. بعد معركة عنجر واستيلائه على كافة الاقطاعات بحيث صارت امارته اكبر مقاطعة عربية في السلطنة ولقبّه سيد اسطنبول «بسلطان البر»، لقب جده فخر الدين الاول. قال المؤرخ الشامي محمد المحبي في خلاصته: «... بالجملة فقد بلغ فخر الدين مبلغا لم يبق وراءه الا دعوى السلطنة...» والله اعلم.

ما بعمّرك يا دير إلا من حجر عكار

بقلم العميد الركن جورج فغالي (متقاعد)