الثلثاء 20 نيسان 1999
قضائيات
8
وكلاء الدفاع (دالاتي ونهرا)
المتهمون
هيئة المجلس العدلي
(التتمة صفحة 9)
لماذا يُلاحق وحده بينما الباقون لا يلاحقهم أحد ولا في أي قضية?
التأمت هيئة المجلس العدلي الرابعة والثلث من بعد ظهر امس برئاسة القاضي منير حنين وعضوية القضاة احمد المعلم، رالف رياشي، حسين زين وغسان ابو علوان وحضور ممثلي النيابة العامة التمييزية، النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم والمحامية العامّة التمييزية القاضية ربيعة عماش قدورة.
ومثل المتهمون الستة: قائد «القوات اللبنانية» المنحلّة سمير جعجع، العميد الطيار خليل مطر، الرائد الاحتياطي كيتل الحايك، الرقيب الأول كميل الرامي، عزيز صالح، وانطوان الشدياق، مخفورين من دون قيد في حضور وكلاء الدفاع عنهم، كما حضر محامو الجهة الشخصية المدعية المتمثلة بالرئيس عمر كرامي وشقيقه معن والمقدم جمال الموّاس.
وخصّصت الجلسة للاستماع الى مرافعة المحامي كريم بقرادوني عن المتهم جعجع، وقد جزّأ مرافعته الى مقدّمة بعنوان «التاريخ لا يرتاح»، الجزء اأوّل تناول فيه براءة جعجع لانتفاء الدوافع المزعومة لاغتيال الرئيس رشيد كرامي، والجزء الثاني تناول فيه براءة موكله لسقوط كل الادلّة والقرائن الجرمية وانتفاء اي علاقة سببية بالافعال المنسوبة اليه، امّا في الجزء الثالث فأكّد فيه براءة جعجع لسقوط نظرية الآمر الناهي والفاعل الذهني او الفاعل المعنوي. أما خاتمة المرافعة فكانت بعنوان «من روبن هود الى سقراط».
موقف لا بد منه
واستهلّ بقرادوني المرافعة «بموقف لا بدّ منه» فقال: «انتابني غضب جامح عند قراءة مطالعة النائب العام لدى محكمة التمييز الشفهية الاستاذ عدنان عضوم ومرافعات محاميّ الدفاع الاساتذة الزملاء بسام الدايه ومصطفى الاسير وحسن القواص، وهالني ما قالوه فيّ، وما وجهوا الى من تهم باطلة ومؤذية تسيء الى سمعتي الوطنية وتمس مصداقيتي الشخصية. ولمست استشراساً غير مألوف في التعامل معي، واستغربت هذا الحجم من العداء المجاني وغير المبرّر. وثارت ثائرتي ورحت اوضب مقدمة ارد فيها على الاساءات والتجني على قاعدة «العين بالعين والسن بالسن»، وكتبت الصفحات العديدة في هذا المجال. أوقفت الكتابة مساء الجمعة العظيمة لأشارك في رتبة دفن المسيح. وقرأ القارئ فصلاً من رسالة القديس بولس الرسول الأولى الى أهل كورنتس جاء فيها: «ان الخمير اليسير يخمّر العجين كله. القوا عنكم الخمير العتيق لتكونوا عجيناً جديداً... فلنعيّد اذن لا بالخمير العتيق ولا بخمير السوء والخبث، بل بفطير الخلوص والحق...». واجتاحتني هذه الكلمات وفعلت فعلها فيّ وكأني اسمعها للمرّة الأولى، وهبطت عليّ كالنعمة فأنستني الغضب والسوء والاساءة. وسمعت «نبي» جبران خليل جبران الآتي هو الآخر من بشرّي يهتف لي وينادي: «اذا المحبة أومتْ اليكم فاتبعوها، اذا ضمّتكم بجناحيها فأطيعوها، اذا المحبة خاطبتكم فصدّقوها، المحبة لا تعطي إلا ذاتها، المحبّة لا تأخذ إلا من ذاتها، لا تملك المحبة شيئاً، ولا تريد أن أحدٌ يملُكها، لأن المحبة مكتفية بالمحبة».
وعدتُ الى البيت، وعدلت عن فكرة الرد على الاساءة والسوء بمثلها، ولاسيما ان كل ما قيل فيّ لا يدخل في نطاق هذه المحاكمة. مزّقت أوراقي العتيقة، وتضرعت إلى الربّ ان يكون ملف هذه الدعوى هو آخر ملفات الحرب. وتمنيت اليوم الذي يحمل لنا فرح المصالحة الكبرى عبر قانون عفو شامل لا يستثني أحداً، ولا يميّز بين مواطن ومواطن لا في الحرب ولا في السلم. عندها نغلق الصفحات العتيقة، فنبني الوطن الجديد على المحبة والتسامح، ونتطلّع معاً الى ما يجمعنا في المستقبل بدل ان نعيش في ما فرّقنا في الماضي. وفهمت في تلك اللحظة قول سيدنا المسيح: «لا تقاوموا الشرير. من لطم خدك الأيمن أدرْ له الأيسر» (متى 5/39). عندها شعرت بأني حر ففرحت، وادركت بأن الفرح محبة، والمحبة حرية، والحريّة صلاة».
رفيقي وصديقي
وأضاف بقرادوني: «ان حقي في عدم الردّ عن نفسي لا يوازيه الاّ واجبي بأن أدافع بكل قواي عن موكلي، رفيقي وصديقي الدكتور سمير جعجع»، وأشكر المجلس العدلي الذي أتاح لي هذه الفرصة بعدما أصدر قراراً تمهيدياً هو الأول من نوعه في لبنان، وقد قلّ نظيره في العالم وقضى بقبولي شاهداً ومحامياً في هذه الدعوى، وقد يكون هذا ما سبّب الكثير من الالتباسات، لأنه لم يتعوّدوا الاستماع الى شاهد حق عام ومحام في الوقت عينه، ولم يعجبهم الشاهد فانتقموا من المحامي.
ولفت الى «أن موعد مرافعته هذه يصادف بعد مرور ستة ايام من ذكرى 13 نيسان 75، تاريخ اندلاع الحرب اللبنانية، وعلى بُعْد يومين من ذكرى 21 نيسان 94 تاريخ توقيف جعجع، وانه منذ 24 سنة ويدق ابواب التاريخ سؤال واحد: من المسؤول عن اندلاع حرب لبنان? ومنذ 5 سنوات يقضّ مضاجع الضمير سؤال واحد آخر: «هل سمير جعجع مجرم ام مظلوم?»، مشيراً إلى «ان جواب السؤال الاول جاء في البدء بأن اللبنانيين هم المسؤولون وخصوصاً المسيحيون منهم اذ ارادوا تصفية الكفاح الفلسطيني المسلح والتمسك بامتيازاتهم وتقسيم لبنان والتعامل مع اسرائيل، ومع الوقت راحت تتكشف الحقائق. فالكفاح الفلسطيني ما عاد يرمي الى تحرير فلسطين بل الى حكم لبنان وتحويله الى وطن بديل، الاّ انه ازاء صمود المقاومة المسيحية التي تحولت لاحقاً الى مقاومة لبنانية والدكتور جعجع واحد منها تراجع مشروع الوطن البديل ليتحول مشروع توطين او مشروع الكانتون الفلسطيني في الضفة الغربية وغزّة... والحقيقة انه لو كان الدكتور جعجع متفاهماً مع اسرائيل لما كان دخل السجن، وان سجن جعجع هو الدليل الحسي بأنه لا يشكل جزءاً من المشروع الاسرائيلي».
وقال: «ان الجواب على السؤال الثاني كان في البدء ان جعجع مجرم، ولكن بعد مرور 5 سنوات، امسى الذين فرحوا بدخوله السجن متضايقين من بقائه فيه، وصار جعجع مظلوماً وعلاوة على ذلك أمسى رمزا للمظلومين الى درجة ان الذي امر بتوقيفه وهو مدعي عام التمييز السابق القاضي منيف عويدات، يطالب اليوم بالعفو عنه، وهو ادلى بذلك في حديث الى مجلة «المسيرة»، وكذلك فعل رئيس حزب الكتائب المرحوم جورج سعاده، والنائب رشيد الخازن وكذلك مجلس المطارنة في مذكرة اعدها خصيصا لمناسبة اللقاء التشاوري مع رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري في 6/3/98 مذكرة موقعة من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، تعمدت فيها بكركي ان تتطرق الى موضوع القوات اللبنانية مباشرة.
افظع الاوصاف
وقال بقرادوني: تابعت الجلسات العلنية امام مجلسكم منذ حوالى السنة والنصف فخيل الي باننا نتكلم عن حرب غير التي عشتها بكل تفاصيلها وفصولها. وخلاصة الصورة المرسومة امام محكمتكم من قبل النائب العام لدى محكمة التمييز ومحامي الادعاء تفيد بان المسيحيين والمسلمين كانوا يعيشون في لبنان في حالة وئام وسلام، وان القادة المسلمين والمسيحيين مسالمون ومتفاهمون في ما بينهم على معظم قضايا الوطن والدولة والاقتصاد والمجتمع، غير ان عصابة واحدة تطلق على نفسها اسم «القوات اللبنانية» خرجت من الفراغ بقيادة شخص اسمه سمير جعجع راح يعبث بالسلام والتضامن والتفاهم، ويزرع الفتنة والعنف والاقتتال.
وصب النائب العام لدى محكمة التمييز ومحامو الادعاء حممهم على الموكل ووصفوه بافظع الاوصاف ولم يجدوا فيه الا الدوافع الدنيئة والروح الدموية. والصورة الاكثر رقيا جاءت في مرافعة الزميل النقيب رينيه غنطوس الذي كتب ما حرفيته: «ان قليلا من الحديث عن البيئة الاجتماعية وعن البشر والتاريخ في لبنان عامة وفي طرابلس خاصة وفي بشري من شأنه ان يثري البحث القانوني وان يساهم في تكوين قناعتكم القضائية فيعطيها مزيدا من الزخم»..
الى هذا الحد نوافق الزميل النقيب موافقة كاملة اذ نرى معه بانه لا يجوز النظر الى هذه الدعوى بمعزل عن البيئة الاجتماعية والظروف الزمنية التي احاطت باغتيال المرحوم الرئيس رشيد كرامي.
لكن الزميل النقيب يقدم صورة غير واقعية كما كانت عليه طرابلس وبشري اثناء الحرب فيضيف قائلا: «طرابلس، يا سادتي، لم تشطر يوما الى شرقية وغربية، تجدون فيها المآذن والنواقيس تتعانق انغامها في توليفة روحانية واحدة.. اما مدينة المقدمين، بشري الحبيبة، فنجد في تقاليدها قاعدة سمحاء عاشت عليها.. فمن المفارقات المؤلمة ان يدا منها امتدت لاغتيال الشهيد رشيد كرامي في حين ان يدا قد تطاولت في ما سبق على والده، غير انها كانت يد زنوج مرتزقة اتى بهم الاستعمار من المجاهل الافريقية».
ويختم النقيب مرافعته مشيرا الى ان الدكتور سمير جعجع يشكل «عدوانا على السلم الاهلي».
هذا الكلام، وهو الاكثرلياقة واعتدالا، يوحي بان كل شيء كان على ما يرام داخل طرابلس وبين المدينة وجوارها. كم كنا نتمنى لو كان كلام النقيب غنطوس صحيحا. وكم كنا نتمنى لو لم تقع الحرب اللبنانية! وكم سعينا قبل اندلاع الحرب لتأمين التلاقي بين اللبنانيين «لتتعانق المآذن والنواقيس»! وكم نجهد بعد انتهاء هذه الحرب لنشر ثقافة التلاقي عسى ننجح حيث فشلنا في الماضي! غير ان المسلّم به والثابت ان التلاقي لم يكن قائما خلال الحرب وثقافة التسامح لم تكن هي السائدة، بل كانت حالة القتال والاقتتال هي القاعدة.
الحرب في طرابلس
ان العودة الى الاحداث التي سبقت اغتيال الرئيس كرامي وتزامنت معه تحملنا على التذكير ببعض ما كان حاصلا في طرابلس بالذات، وبالتحديد في شهر ايلول 1975 على سبيل المثال، حين اندلعت الحرب وكان الدكتور سمير جعجع ما زال يدرس الطب في الجامعة الاميركية، وببعض ما حصل في العام 1985 في طرابلس وبيروت ويوم تسلم الدكتور جعجع قيادة القوات اللبنانية ولم يكن بعد مسؤولا عنها بالكامل».
حيث اندلعت المعارك داخل طرابلس بين المسلمين والمسيحيين وبين طرابلس وزغرتا وامتدت الى بشري والكورة وعكار وعمت كل الشمال على غرار كل لبنان، ووقعت طرابلس في لعنة الحرب الطائفية في داخلها ومع الجوار ولم تعد ويا للاسف «تتعانق فيها المآذن والنواقيس»، وهذا مشهد واقعي كان قائما عند اغتيال الرئيس كرامي، فضلا عن اعمال الخطف والانفجارات في بيروت الغربية التي حصلت في العام 85 ومنها محاولة خطف القائم باعمال السفارة النروجية رئيس الجامعة الاميركية بالوكالة، وعدد من اساتذة الجامعة، خطف القس الاميركي بنيامين وير، وعدد من الصحافيين، فضلا عن عضو الهيئة العالمية لحزب الطاشناق ومرافقه وتفجير مبنى السفارة العراقية، والاميركية ومقر قيادتي الوحدتين الاميركية «المارينز» والفرنسية «المظليين» وغيرها من الاعتداءات على مكاتب الصحف والمجلات، ولن نستعرض المشهد الامني بعد العام 1985 فالكل يتذكر مسلسل خطف الرهائن الاجانب، واغلاق كل السفارات الغربية العاملة في بيروت الغربية وانتقالها الى بيروت الشرقية او الى خارج لبنان، اضافة الى الحروب بين التنظيمات المسلحة من حرب المخيمات الى الحروب بين المرابطون وامل، وبين امل والاشتراكي، وامل وحزب الله، و«حزب الله» والحزب الشيوعي. وقد ادت الاشتباكات بين «امل» من جهة والشيوعي والاشتراكي من جهة ثانية الى سقوط 120 قتيلا و1097 جريحا في شهر شباط 1987 فقط، ولم يتوقف الاقتتال بين اخوة الخندق الواحد الا بعد دخول القوات السورية الى بيروت الغربية. وقد احصت قوى الامن الداخلي ضحايا الحرب اللبنانية وجرحاها لغاية منتصف عام 1987، فتبين ان هناك 463،129 قتيلا، و680،150 مصابا بجروح خطيرة، و415،17 مفقودا، و968،13 مخطوفا بينهم ما يقارب العشرة الاف جرى تصفيتهم، واستثنى هذا الاحصاء القتلى والجرحى الذين سقطوا في العمليات الاسرائيلية.
الاغتيالات السياسية
وتبنّى بقرادوني مرافعة زميله الدكتور ادمون نعيم - التي اعتبرها اطروحة متكاملة حول قضية اسمها حرب لبنان - لا سيما لجهة تطبيق قانون الحرب واعرافه في شأن هذا الاغتيال الذي حصل في عزّ الحرب اللبنانية، ووقت ما كان فيه امن ولا دولة، فضلا عن وجود كلام للرئيس كرامي يتطابق والوصف الذي اعطاه الدكتور نعيم للحرب بأنها حرب اهلية، وترؤسه لاجتماعات حوار كانت تحصل بين الافرقاء المتقاتلين مما يعني ان الدولة كانت تعترف بالقوات المتقاتلة».
ثم عرض لـ72 حالة اغتيال سياسي، من اصل 206 حالات احصاها «مركز الشرق الاوسط للابحاث والدراسات»، بناء على طلبه، حصلت جميعها ما بين 6 اذار 77 مع تاريخ اغتيال الزعيم كمال جنبلاط ولغاية 22 تشرين الثاني 89 تاريخ اغتيال الرئيس رينيه معوض واهمها اغتيال النائب طوني فرنجية (13 حزيران 78)، اغتيال الطفلة مايا بشير الجميل (23 شباط 80)، آية الله باقر الصدر (23 نيسان 80)، اغتيال الرئيس بشير الجميل (14 ايلول 82)، الكولونيل الفرنسي كريستيان غوتيير (18 ايلول 86)، العقيد خليل كنعان (29 ايلول 86)، فضلا عن اهمّ محاولات الاغتيال منها محاولة اغتيال الوزير فؤاد بطرس، الرئيس امين الجميل، الرئيس كميل شمعون، الرئيس شفيق الوزان، الاباتي بولس نعمان، الوزير عبدالله الراسي، الزميل طلال سلمان، الرئيس سليم الحص، النائب مصطفى سعد، الرئيس صائب سلام والعلامة السيد محمد حسين فضل الله».
وسأل بقرادوني في هذا الاطار «أليس غريبا ان يتم العفو عن جرائم المخدرات في صورة شاملة ومن دون اي استثناء ويبقى قانون العفو عن جرائم الحرب قابلا للتأويلات ومفتوحا على الاستثناءات التي تتوسع «غب الطلب» وتضيق وفق الحاجة?
أليس غريبا ومستغربا ان يلاحق الدكتور سمير جعجع بقضية تفجير كنيسة السيدة في الذوق فيبرأ، وبقضية اغتيال المرحوم داني شمعون وعائلته فيدان، وبقضية محاولة اغتيال الوزير ميشال المر فيدان، وبقضية اغتيال المرحوم الياس الزايك التي لا تزال عالقة امام محكمة التمييز الجزائية، وبقضية اغتيال المرحوم رشيد كرامي التي تنتظر قراركم، وحده يلاحق والباقون، كل الباقين، لا يلاحقهم احد ولا بأي قضية، بتنا نعرف مصير الاربع او الخمس اغتيالات المتهم بها الدكتور جعجع، ولكن من يخبرنا بمصير المئتي اغتيال وعشرات محاولات الاغتيال?
أليس غريبا ومستغربا ان يفر من السجن المتهمون باغتيال او محاولة اغتيال القيادات والرؤساء، وكي لا نذكر الا ما يتعلق برؤساء الجمهورية نسأل: كيف هرب حسين طليس من سجن مستشفى بحنّس وهو المتهم بمحاولة اغتيال الرئيس كميل شمعون? كيف هرب حبيب الشرتوني من السجن، وهو الذي اعترف باغتيال الرئيس بشير الجميل? واين اصبح ملف اغتيال الرئيس رينيه معوض ولماذا هو في الثلاجة لا يفتح ولا يغلق? أليس غريبا ومستغربا ان نشكو من سياسة ازدواجية المعايير التي تمارسها الولايات المتحدة الاميركية تجاه ازمة الشرق الاوسط، فتميز اسرائيل على حساب كل العرب، وفي الوقت عينه نمارس سياسة ازدواجية المعايير تجاه بعضنا البعض?
وكما يشعر العرب بالظلم والقهر بسبب تصرفات واشنطن المنحازة، فان الدكتور جعجع تنتابه الاحاسيس عينها. ما دمنا لا نعدل تجاه بعضنا البعض، فلا نطالبن الاخرين بأن يكونوا عادلين تجاهنا. هذا منطق الحياة والتاريخ.
واوضح بقرادوني «ان هناك موقفين في لبنان من تاريخ الحرب: موقف «الهارب» الذي يريد ان ينسى مهما يكن الثمن، وموقف «الغارق» الذي يريد ان يتذكر مهما يكن الثمن. وفي رأيي ان الهرب من التاريخ حماقة، والغرق في الماضي انتحار. انا اتذكر الماضي لاعتبر في الحاضر والمستقبل. والتقي في هذا الموقف مع المفكر محمد حسنين هيكل الذي قال في كتابه الاخير الصادر في كانون الاول الماضي تحت عنوان: «العروش والجيوش» ما حرفيته: «الامم الكبيرة تحيا لكي تتذكر والاصح انها تتذكر لكي تحيا، لأن النسيان هو الموت او درجة من درجاته، في حين ان التذكر يقظة، واليقظة حالة من عودة الوعي قد تكون تمهيدا لفكر ربما يتحول الى نية فعل». تذكر التاريخ ليس عيبا بل وعي. ولن يرتاح التاريخ ما دمنا نذكر فواجعه فقط، وما اغتيال المرحوم الرئيس رشيد كرامي الا واحدة من هذه الفواجع الوطنية المؤلمة والقاسية. ولا نريح التاريخ ما دمنا لم نكشف الحقائق، وواحدة من هذه الحقائق ان الدكتور سمير جعجع بريء من دم الرشيد. وسأثبت هذه البراءة.
انتفاء الدوافع
ثم انتقل بقرادوني الى الجزء الاول من مرافعته المخصص لتأكيد براءة جعجع لانتفاء الدوافع المزعومة لاغتيال الرئيس رشيد كرامي عملا باحكام المادة 192 من قانون العقوبات، مفندا الدوافع السبعة التي عددها النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم ومحامو الادعاء، مظهرا عدم توافرها وعدم صحتها وعدم جديتها، على اساس انه لا جريمة من دون دافع ولا جريمة من دون سبب او غاية.
وفي الدافع المستمدّ من السجال الاعلامي بين «القوات اللبنانية» والرئيس رشيد كرامي، رأى بقرادوني ان البيان الذي اصدره مجلس قيادة «القوات اللبنانية» في 11/2/87، والذي اعتمده القرار الاتهامي للدلالة على السجال الاعلامي، يقتضي ان يعاد وضعه وغيره من البيانات المستند اليها والمبرزة في هذا الملف، في اطاره الزمني والمكاني الصحيح والتطلع اليه من ضمن حال الحرب التي كانت سائدة آنذاك. ان عدم التمييز بين الخطاب السياسي في الحرب والخطاب السياسي في السلم يشكل خطأ منهجيا فادحا، ويوحي خلافا للحقيقة بأن الامر خلاف شخصي بين المتهم والضحية.
ولا بد من التذكير بأن لبنان كان يتخبط في العام 1987 في خضم معارك عسكرية وسياسية واعلامية ضارية بين الافرقاء المتنازعين في الحرب اللبنانية حول الاتفاق الثلاثي وسقوطه، وما نتج عنه من مقاطعة نصف الحكم برئاسة المرحوم رشيد كرامي لنصف الحكم الآخر برئاسة الشيخ امين الجميل. وكان الجميع يتحضرون لخوض معركة ضارية اخرى حول استحقاق رئاسة الجمهورية عام 1988، بعد ان شارف عهد الرئيس امين الجميل على نهايته. وكانت الانقسامات على اشدها وعلى كل المستويات وفي كل المناطق، والمثال الابرز في هذا المجال هو ما آلت اليه المؤسسة العسكرية.
توزع الجيش اللبناني بحكم الانقسام السياسي والجغرافي الى ألوية متعددة، وكان كل لواء او مجموعة ألوية تخضع للمنطقة التي كان يتواجد فيها. كان اللواء السادس يأتمر بأمرة «حركة امل»، واللواء الحادي عشر في ثكنة حمانا يأتمر بأمرة الحزب التقدمي الاشتراكي، واللواء الاول في منطقة البقاع يأتمر بالقرار السوري، واللواء السابع في الشمال يأتمر بأمر «لواء المردة» والالوية الاخرى كاللواء الخامس والثامن والعاشر كانت تأتمر بأمرة قيادة الجيش في اليرزة.
التخاطب السياسي العنيف
وفي ظل هذا الانقسام الجغرافي والحكومي والعسكري والسياسي والحزبي والشعبي، كانت لغة التخاطب السياسي بين افرقاء النزاع عنيفة، وكانت السجالات السياسية متعددة الاطراف والاشكال، ليس فقط بين منطقة وأخرى، بل وايضا بين اطراف الفريق الواحد وداخل كل منطقة. ونورد بعض الامثلة عن السجالات السياسية لنبين من خلالها ان البيان السياسي الذي اعتمده القرار الاتهامي لادانة الدكتور سمير جعجع هو في اعلى درجات الرقي بالنظر الى لغة الحرب التي كانت سائدة بين مختلف القوى السياسية آنذاك. فالمبارزات الاعلامية القاسية والصريحة والمباشرة ظاهرة مألوفة ومعروفة بين القيادات اللبنانية، نذكر منها السجالات التي حصلت بين كل من الرؤساء كميل شمعون وسليمان فرنجيه والياس سركيس وامين الجميل من جهة والرئيس رشيد كرامي من جهة اخرى.
حيث نلحظ ان اللغة المستعملة من قبل « القوات اللبنانية» تجاه الرئيس عمر كرامي لم تكن اكثر قساوة من اللغة السياسية المستعملة من قبل الزعامات تجاه الرئيس كرامي او في ما بينها، ولا يمكن ان يشكل هذا البيان في اي حال من الاحوال دافعا للاغتيال.
وافضل من يبرئ الدكتور جعجع في هذا المجال هو الرئيس كرامي نفسه الذي كان يرى، خلافا لرأي النائب العام لدى محكمة التمييز والمحقق العدلي ومحاميه، ان السجال الاعلامي القائم طبيعي، «وله اسبابه» ولم يرَ فيه دافعا من دوافع الاغتيال. جاء هذا الموقف في رد الرئيس كرامي على سؤال طرحه عليه الاستاذ جبران تويني في مقابلة نشرتها مجلة «النهار العربي والدولي» في 26/4/1987:
على التلفزيون تهددون بعضكم البعض وتشتمون بعضكم البعض. هل تعتبر ان التصعيد الكلامي مثلا من جانب الوزيرين بري وجنبلاط او الوزراء من الجانب الاخر الذين يواجهون تصعيد بري وجنبلاط، هل تعتبر انه يصب في خانة توحيد البلاد وتهدئة الخواطر?
«هذا له اسبابه، يجب ان تعود الى اسبابه».
وقال: ان هذا البيان صادر عن مجلس قيادة «القوات اللبنانية» وليس تصريحا شخصيا للدكتور سمير جعجع، وبالتالي لا يمكن الادعاء بأن السجال الاعلامي نشب بين الموكل والرئيس كرامي كما يزعم القرار الاتهامي. ان البيان صادر عن مجلس قيادة القوات الذي كان يضم ممثلين عن كافة الاحزاب السياسية والقوى في المنطقة الشرقية كالكتائب والاحرار والتنظيم وحراس الارز. وكانت هذه الاحزاب تشارك كلها في اقرار البيانات الصادرة عن مجلس قيادة القوات اللبنانية.
وان هذا البيان كسائر البيانات الصادرة عن مجلس قيادة القوات اللبنانية، لم يكن يضعه الدكتور سمير جعجع شخصيا بل كان نصه يحضّر من قبل فريق اعلامي ويعرض على مجلس القيادة الذي كان غالبا ما يدخل عليه التعديلات ويتم نشره بعد اخذ موافقة مجلس القيادة عليه. وقد اكد الزميل الاستاذ اميل رحمه هذه الآلية امام مجلسكم، كما شرحتها امامكم (ص 180) بصفتي رئيسا للدائرة الاعلامية في القوات اللبنانية آنذاك كان لدينا مجموعة نكلفها بتحضير مشروع البيانات التي تصدر عن القوات، وكانت تقدم اليّ المسودة فأعرضها على مجلس القيادة فيدخل عليها التعديلات اللازمة وننشرها في ما بعد. وان هذا البيان هو تعبير عن موقف سياسي مبدئي موضوعي وجماعي، وهو بعيد كل البعد عن التهجم او التجريح الشخصي من قبل الدكتور جعجع تجاه شخص الرئيس رشيد كرامي. وقد اعتمد اسلوبا راقيا في لغة التخاطب السياسي، بالمقارنة لاسلوب التخاطب السياسي والسجال الاعلامي السائد في زمن الحرب، ولا يتضمن في طياته اي قدح او ذم شخصي بل نقدا موضوعيا مهذبا لمواقف الرئيس كرامي السياسية ونهجه في العمل السياسي منذ العام 1969 ابان ازمة اتفاقية القاهرة، مرورا برفضه انزال الجيش اللبناني عام 1975، وصولا الى رفضه الترخيص بفتح مطار حالات عام 1987. وكلها وقائع وحقائق ثابتة وشائعة، وقد صرّح بها قبل بيان القوات اللبنانية العديد من السياسيين كالرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجية بالاضافة الى العميد ريمون اده.
سلبية المواقف
ان هذا البيان وصف الرئيس رشيد كرامي «بالسلبية»، وهذا وصف متداول من قبل القادة والمسؤولين السياسيين منذ زمن بعيد، بدليل ما قاله فيه الرئيس سليمان فرنجية لمجلة «LA REVUE DU LIBAN في العام 1976، وما عاد وكرره الرئيس كميل شمعون في 28 آذار 1987، اي قبل شهرين تقريبا من اغتياله حين وصفه «بالسلبية» وحمّله مسؤولية «شلل الحكومة»، وقال لصحيفة «البيرق»: «ان مواقفه السلبية تشل كل امل في لبنان، وكل عمل منتج وعمل صحيح غير ممكن لان مجلس الوزراء لا يجتمع والحكومة مشلولة وسبب الشلل كله هو رئيس الحكومة».
ان بيان القوات اللبنانية اخذ على الرئيس كرامي «ارتهانه لسوريا» وهذا امر لم يكن يرى فيه الرئيس كرامي عيبا، بل واجبا، فهو الذي صرح على غلاف «النهار العربي والدولي»: «انا مواطن سوري، والسوري مواطن لبناني»، وبالتالي لم تكن تقول القوات اللبنانية بالرئيس كرامي ما لم يكن يقوله هو بنفسه.
وقد اقر الرئيس كرامي ان افرقاء كثر «من هنا وهناك» يصفونه بالسلبية وتباهى انه استاذ في السلبية ضد الشواذ وقال في تصريح له في 29/4/1987: «ونحن لسنا بالسلبيين كما يرددون هنا وهناك دائما، وانما من اجل رفض كل الممارسات الشاذة نحن اساتذة في السلبية».
ان هذا البيان لا يعبر عن موقف تتفرد به «القوات اللبنانية» بل يشمل هذا الموقف كل الاحزاب السياسية الاخرى في المنطقة الشرقية في تلك الحقبة الزمنية ومنهم حزب الوطنيين الاحرار والجبهة اللبنانية، كذلك كتلة نواب الموارنة المستقلين واتحاد الروابط المسيحية.
وبرغم هذا كله لم يأت احد ليتهم لا الاحرار ولا الجبهة اللبنانية بتوافر دافع شخصي لهم باغتيال الرئيس رشيد كرامي.
هكذا يبرز السياق المنهجي الخاطئ الذي اعتمده القرار الاتهامي، اذ يأخذ امرا صغيرا وبسيطا كبيان القوات اللبنانية فيكبره ويعظمه ويعزله في المكان والزمان ليجعل منه دافعا لجريمة، وهذا ينطبق على موضوع المطالبة باستقالة رشيد كرامي، وهو الدافع الثاني الذي سنتطرق اليه الان.
اما في الدافع المستمد من تعطيل مشروع الحل المزعوم بين الرئيسين كميل شمعون ورشيد كرامي، فرأى بقرادوني «ان مشروع الحلّ المتكامل الشبيه باتفاق الطائف، الذي ارتكز عليه المحقق العدلي والنائب العام التمييزي غير موجود بدليل ان الوزير جوزف الهاشم لا يعلم بوجوده وهو الوزير الاقرب من الرئيس الجميل والقريب من الرئيس شمعون والمحاور مع الرئيس كرامي في لقاءات سباقات الخيل وغيرها، ويستنتج من افادة الشاهد امام المجلس العدلي بأنه لم يكن على علم بالمشروع المزعوم وان بنوده لم تكن موضوع تفاوض في حوارات سباق الخيل وان الخلاف بين الرئيسين شمعون وكرامي كان يتناول العلاقات المميزة مع سوريا وان «اللاحل» مرده الى ان سوريا تتمسك بالاتفاق الثلاثي والافرقاء المعارضون لها يرفضونه وكان الرئيس كرامي يقف بينهم محرجا، ومن الواضح ان الاتفاق المزعوم لم يتضمن جوابا على هذا الامر مما يعني عمليا بأنه لم يكن موجودا او على الاقلّ لم يكن امرا جديا يستأهل ان يشبهه القرار الاتهامي «باتفاق الطائف».
كما ان الدليل الثاني على عدم وجود مثل هذا المشروع المزعوم وعدم جديته هو ما ورد في كتاب وزير الخارجية اللبناني السابق والمستشار الشخصي للرئيس امين الجميل الدكتور ايلي سالم الذي تطرق بالتفصيل الى كل المحاولات الرامية الى اتفاق سياسي في العامين 86 و87 ولم يذكر المشروع الذي يدعي القرار الاتهامي بأنه نجح في ايجاد الحل، فضلا عن ان الدليل الثالث على عدم وجود مشروع الاتفاق المزعوم يستمد من ان لا احد في «القوات اللبنانية» ولا في الجبهة اللبنانية ولا في حزب الكتائب اللبنانية اطلع على هكذا مشروع، ولا حتى أنا، وما لم اعرفه شخصيا لم تكن باقي الفاعليات مطلعة عليه».
ثم تطرق وكيل جعجع الى الدافع المتمثل بمعارضة الرئيس كرامي فتح مطار حالات فأعتبر أن المطالبة بفتح مطار حالات لم تبدأ مع الدكتور جعجع ولم يتفرد بهذا المطلب من دون سواه. فقبل اندلاع الحرب بدا مطار بيروت غير آمن منذ ان دخل دائرة العنف والعنف المضاد بين المنظمات الفلسطينية واسرائيل وراحت تدور على ارضه معارك خطف الطائرات وعلى طريقه خطف المواطنين، منها نسف مظليين اسرائيليين لـ13 طائرة تابعة للاسطول الجوي المدني اللبناني، خطف مسلحين فلسطينيين لطائرة تابعة للخطوط الجوية الالمانية، وضع عبوة ناسفة في قاعة وصول الركاب وخطف طائرة «كرافيل» وغيرها...
حاجز البربارة
وفي معرض رده على الدافع المستمد من مطالبة دولة الرئيس رشيد كرامي برفع حاجز البربارة ركز بقرادوني على «ان رفع حاجز البربارة لم يكن مطلبا موجها من الرئيس كرامي الى الدكتور جعجع، بل هو جزء من «خطة امنية» اقرتها الحكومة قضت برفع الحواجز عن طول «الطريق الساحلية» من الشمال الى الجنوب، ولم تكن تتناول فقط حاجز البربارة من دون سواه من الحواجز الاخرى الكثيرة والكثيفة المنتشرة في ارجاء لبنان وعلى طول الساحل، وان «المنطقة الشرقية» بكل احزابها وتنظيماتها وشخصياتها كانت تشارك الدكتور جعجع في موقفه القاضي بالموافقة على ازالة حاجز البربارة بشرطين: اولهما عودة مهجري الشمال، وثانيهما ازالة باقي الحواجز على الطريق الساحلية.
وخلص الى «ان حاجز البربارة على غرار مطار حالات لم يكن مسألة تخص الدكتور جعجع والرئيس رشيد كرامي دون سواهما، بل مسألة سياسية عامة يشترك فيها كل الافرقاء المتنازعين من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين. وما قرار رفع هذا الحاجز او ذاك مرتبط بشخص واحد، بل بمجموعة اشخاص ومجموعة فئات ومجموعة عوامل ومجموعة ظروف. وما كان يتصور احد ان اغتيال الرئيس كرامي هو الوسيلة الناجعة للحفاظ على حاجز البربارة بدليل ان رئيس الحكومة ترأس الحكومة منذ 1984 وبقي الحاجز قائما.
وعن الدافع السابع والاخير والمستمد من حالة العداء بين جعجع وكرامي، قال بقرادوني: «لقد ابرزت الجهة المدعية غلافا لمجلة «المسيرة» صادرة بعد اغتيال الرئيس كرامي تحت عنوان «مات ليحيا لبنان»، وقام محامو الجهة المدعية بتفسير هذا الكلام على ان فيه شيئا من التشفي بمعنى ان موت كرامي احيا لبنان وبالتالي فان اغتياله امر ايجابي بنظر «القوات اللبنانية»، وبالطبع من لا يعرف مناخات تلك الحقبة قد يفهم الامور في هذا المنحى، لكن من عاشر تلك الحقبة ومن منظار الالتزام الحزبي، يدرك على الفور ان هذا العنوان مستعار من ادبيات حزب الكتائب الذي يحفر على كل بلاطة شهيد عبارة «مات ليحيا لبنان» للدلالة على ان هذا الشخص استشهد من اجل بقاء لبنان، وما عنوان «المسيرة» الا الدليل على ان الخلافات السياسية القائمة بين كرامي و«القوات اللبنانية» لم تمنع هذه الاخيرة من النظرة اليه كشهيد».
وختم بقرادوني الجزء الاول من مرافعته بالسؤال: هل استفادت القوات اللبنانية بصورة عامة والدكتور سمير جعجع بصورة خاصة من اغتيال الرئيس كرامي? وقال: ويأتي الجواب صارخاً: كلا. والصحيح ان الدكتور جعجع لم يحقق أي مكسب او اي افادة معنوية او سياسية او شخصية نتيجة اغتيال الرئيس كرامي.
بعدها انتقل وكيل جعجع الى عرض القسم الثاني من مرافعته، المخصص لاسقاط كل الادلة والقرائن الجرمية ونفي اي علاقة سببية بالافعال المنسوبة الى موكله مباشرة فتناول 10 نقاط، سجل في اولها مأخذاً على القرار الاتهامي لانه لم يغص في الاعماق فعام على سطح الملف، ولم يحدد هوية الفاعل، بل وقع في سلسلة تناقضات في سرد الوقائع، وهو مليء بالنقد والتحامل، والتحقيقات الاولية والاستنطاقية تمت في مناخ من الضغوطات النفسية والجسدية بقصد استهداف الموكل، فضلا عن ان هذا القرار جاء قائماً على مجموعة خبريات مبنية على كلمات متقاطعة نظمت افقيا وعاموديا وبمناسبات مختلفة، لا يربطها بعضها ببعض الا الرغبة في تحميل جعجع دم الرئيس كرامي، واحلى ما في هذه الخبريات ان الشهود يستحضرون دائماً الغائبين الذين لا امكانية لاستحضارهم ليخبروا بالضبط ما يحتاجه التحقيق لادانة الدكتور جعجع ومعظم الشهود مشكوك بسلوكهم ومسلكيتهم ومصداقيتهم، كما ان بعض الكلمات المدسوسة في الملف جاءت على لسان اشخاص يعانون من عقدة نفسية، هي عقدة انتمائهم الى القوات اللبنانية وبالاخص ما يمكن تسميته «عقدة غسان توما»، لاسيما بالنسبة الى الشهود روبير ابي صعب، امال عبود، خوسيه باخوس وافادة العميد خليل مطر.
واعتبر بقرادوني روبير ابي صعب الشاهد المسكون بالخوف والحقد، الخوف من ان يتم فتح ملفات تعامله مع اسرائيل، والحقد على القوات التي اوقفته 20 يوماً بعدما اتهمته بتسريب المعلومات الى جهات خارجية، فجاء الى هذه المحاكمة كشاهد ينفخ سمومه ضد قائدها الموقوف»، لافتا الى «ان هذه الشهادة بالتواتر لا يمكن الاخذ بها، ولا سيما ان ابي صعب ينقل كلاماً عن بيار رزق الذي هو بدوره على خصام مع جعجع، والذي ينقل بدوره ايضا كلاما من شخص ثالث هو غسان توما، علما ان هذه الواقعة الاخيرة هي غير صحيحة نظراً للخلاف السائد بين رزق وتوما وبالتالي استبعاد امكانية ان يكون الثاني اخبر الاول بعملية اغتيال بهذا الحجم».
اما عن الشاهدة امال عبود، فقال بقرادوني ان هذه الاخيرة هي فتاة مسكينة، ضعيفة ومستضعفة، تعاني من الشعور بالخوف والذنب لانها كانت سكرتيرة غسان توما، وقد شاء قدرها ان تختار لتلعب الدور الرئيسي في القضية، الا ان افادتها جاءت متناقضة وقد احتاجت الى اكثر من مساعدة وايحاء لتتفادى الوقوع في التناقض الا انها فشلت»، ولفت الى «ان الشاهد خوسيه باخوس تم التحقيق معه وافاد عن اسماء المتهمين وهو حسب زعمه شارك في التحضير لعملية الاغتيال، لكن رغم ذلك ما زال يمرح بأمان وسلام، ولكن مقابل ماذا? علماً انه عانى ايضا من عقدة الذنب بأنه مسؤول عن مواكبة توما وعنده اسباب كثيرة تجعله يرضخ للضغوط ويشتري حريته وسلامته بأي ثمن ولو بلغ هذا الثمن حدّ توفير الاسس لاتهام جعجع».
اسقاط الادلة
ورأى وكيل جعجع ضروة اسقاط الدليل المستمد من سعي القوات اللبنانية الى تضليل التحقيق عبر ارسال كتاب الى وكالة «الصحافة الفرنسية» تتبنى فيه «منظمة الثأر الاسلامي» عملية الاغتيال، لعدم وجود تطابق في اللغة المستعملة من قبل «القوات اللبنانية» والمستعملة في البيان، والتي كانت مستخدمة من قبل الحركات الاسلامية فضلا عن ان الشاهد اللواء عمر مخزومي نفى امام المجلس ان يكون الانتربول قد زود الجهات اللبنانية بمعلومات توضح مصدر هذا البيان».
كذلك طلب اسقاط الدليل المستمد من محاولة تضليل التحقيق عبر توجيه التهمة الى شخص يدعى ناجي خوري وتفجير سيارتين واحدة في سوق الخضار في طرابلس والثانية قرب المركز التربوي الذي يحمل اسم الرئيس كرامي، لانه ثبت من اقوال شقيق ناجي خوري امام المجلس العدلي بان هذا الاخير كان على علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية وانه كان يعمل على تأمين اوراق ثبوتية لتسهيل مرور الفلسطينيين عبر مرفأ جونيه الى بيروت الغربية، فضلاً عن عدم وجود اي اثبات بأن السيارتين المفخختين على علاقة بالاغتيال».
اما في عدم قانونية القرينة المستمدة من امتناع جعجع عن الاجابة عن الاسئلة، فاوضح بقرادوني ان موكله امتنع عن الاجابة مؤكداً حقه المشروع في الصمت، الذي أكده الكثير من الفقهاء والقانونيين والاجتهادات القانونية.
سقوط نظرية الآمر الناهي
وخصص بقرادوني الجزء الثالث من مرافقته لاثبات براءة جعجع لسقوط نظرية الآمر الناهي والفاعل الذهني او الفاعل المعنوي فأكد «ان قانون العقوبات لم ينص على مفهوم الفاعل الذهني او «الفاعل المعنوي» ولولا محاكمات جعجع لما كان المجلس العدلي توصل الى نظرية «الآمر الناهي» التي تشبه الصورة الخارجية لشخصية جعجع، وكثيرا ما تصبح صورة الشخص اهم من الشخص نفسه، كما تصبح الصورة المجتزأة من الواقع اهم من الوقائع عينها وهذا امر ينطبق على هذه الدعوى».
وعرض في هذا الاطار لنظرية الخارق والمخروق ورأى ان لبنان وطن التجاذبات والاختراقات بامتياز ومسرح الصراعات الدولية والاقليمية والاختراقات المتناقضة من قبل الاجهزة كافة في العالم التي حولته برمته الى وطن مخترق، وفجرت فيه دورات العنف التي شهدناها منذ العام 1975.
وطاولت الاختراقات المجتمع اللبناني برمته بكل طوائفه ومناطقه واحزابه وتنظيماته. وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر ان حركة «أمل» حاكمت اكثر من مرة بعض عناصرها بتهمة الاختراق الامني لمصلحة العدو الاسرائيلي، والحزب التقدمي الاشتراكي اضطر مراراً الى تطهير صفوفه من الاختراقات الامنية. ففي 18 ايار 1987 اعلن العميد غازي كنعان، رئيس جهاز الامن والاستطلاع للقوات السورية العاملة في لبنان، انه تم اعتقال مجموعة من ثمانية اعضاء يديرها «ابو شعيب» بتهمة التفجيرات الامنية في بيروت الغربية، كما اعلن ان الرأس المخطط لهذه المجموعة هو «ابو هيثم» ممثل الحزب التقدمي الاشتراكي في «لجنة التنسيق» لبيروت الغربية التي كان يرأسها رئيس الحكومة رشيد كرامي والتي توقفت اعمالها اثر دخول القوات السورية الى الشق الغربي من العاصمة في شباط 1987.
واشار الى ان الشهادة الاهم في هذا الاطار لا بد من التوقف طويلاً امامها، فهي صادرة عن دولة الرئيس عمر كرامي الذي صرح الى اذاعة «صوت الشعب» في 17 تشرين الاول 1990 حين كان وزيراً للتربية الوطنية ونشرته جريدة «النهار» في اليوم التالي في 18 تشرين الاول 1990 اكد فيه انه «سيدعي على ميشال عون باغتيال شقيقه». وان هذا التصريح الصادر عن الجهة المدعية يكفي لاعلان براءة الدكتور سمير جعجع. من هنا نفهم ان الرئيس عمر كرامي حين وافق على اشتراك الدكتور جعجع في حكومة تشكلت برئاسته ما كان يظن لحظة ان للدكتور جعجع علاقة باغتيال شقيقه، ولا انه الآمر الناهي».
الطاعة العمياء!
واكد بقرادوني انه لا يمكن اعتبار الدكتور سمير جعجع بمثابة الفاعل المعنوي او الذهني (Auteur intellectuel) للجريمة، لانه حتى ولو سلمنا جدلاً انه اوعز بارتكابها، وتلك مسألة غير ثابتة البتة، واذا ما سايرنا القرار الاتهامي في افتراضه، وهي غير ثابتة وكان عليه اثباتها، فان بقية المساهمين والفاعلين والمتدخلين ليسوا لا مجانين ولا معتوهين ولا منومين مغناطسياً، بل سليمو الادراك وكاملو المسؤولية وارادتهم حرة وعاقلة.
ولا اظن ان احداً يمكنه ان يدعي، على سبيل المثال، ان غسان توما وغسان منسى ورفاقهم الواردة اسماؤهم في هذه الدعوى هم مجانين او معتوهون او مسلوبو الارادة او جاهلون لما يقدمون عليه. فالكل يصور غسان توما ومجموعته وكأنهم اعتى العتاة ويملكون دماغاً شيطانياً، كما يزعم القرار الاتهامي والنائب العام لدى محكمة التمييز والجهة المدعية، وبالتالي لا تتوافر شروط الفاعل المعنوي، وتكون هذه الصفة منتفية لان ادوات التنفيذ ليست اشخاصاً مجانين او معتوهين او سكارى او مخدرين او اطفالاً غير مميزين او جهلة ليصح اعتبار الدكتور جعجع فاعلاً معنوياً».
ولفت الى انه لا يمكن الركون بتاتاً الى ما حاول القرار الاتهامي والنائب العام لدى محكمة التمييز ومحامو الادعاء الاشارة الى ان الدكتور جعجع هو بمثابة الفاعل الذهني للجريمة لان مرؤوسيه يطيعونه طاعة عمياء وكأنما هم ادوات في يده. فقد بات هذا المنطق يصطدم بسلسلة عقبات منها: اجتهاد المجلس العدلي، والتحقيقات العسكرية، والعديد من الوقائع الثابتة في هذا الملف وغيره من الملفات المعروضة على المجلس العدلي. فقد تبين باجتهاد المجلس العدلي في قضية كنيسة سيدة النجاة في الذوق، وفي القرار الاتهامي الصادر عن حضرة المحقق العسكري الاول الاستاذ رياض طليع في محاولة اغتيال الرئيس الياس الهراوي، ان العديد من مسؤولي القوات اللبنانية بمن فيهم غسان توما وبعض رفاقه الواردة اسماؤهم في هذه الدعوى نفذوا عمليات من دون علم قائدهم وخلافاً لارادته. فمنهم من جمع المعلومات عنه شخصياً لصالح اجهزة وجهات معادية. ومنهم من حاول اغتيال رئيس الجمهورية الذي كان يتعاون معه الدكتور جعجع تعاوناً جيداً ومثمراً. ومنهم من مرر السلاح الى «حزب الله» من دون علمه. ومنهم من اشترى مصرفاً من دون مراجعته. ومنهم من كان يدير تلفزيون القوات اللبنانية بحيث تعود له الكلمةالاخيرة فيه وليس للدكتور سمير جعجع. من هنا لا يمكن الادعاء ببساطة وسهولة بأن مرؤوسي الدكتور جعجع كانوا يطيعونه طاعة عمياء وانهم كانوا أدوات مسخّرة له، وانهم كانوا ينفذون اوامره بحذافيرها، وانه كان بالفعل وفي كل الأوقات الآمر الناهي في كل شيء وفي كل حال».
وأشار الى ان نظرية الفاعل الذهني لا يمكن ان تنطبق على قضيتنا الحاضرة لأن القرار الاتهامي بنى مقولته على أساس الطاعة العمياء والمطلقة والتي لا تناقش، لأوامر الدكتور جعجع، وفي هذا الملف وسواه شواهد صارخة على سقوط هذه المقولة وعدم ثبوتها وعدم واقعيتها. فالأجهزة في القوات اللبنانية لاسيما الأجهزة الأمنية كانت تخالف أوامر الدكتور جعجع أو تخفي عليه أموراً عديدة. وانه لا يمكن القول بأن ما يحصل على الدوام داخل الثكنات العسكرية والأجهزة الأمنية يتم بأمر من قائد القوات اللبنانية ومعرفته. لم تكن أوامره تنفذ من دون مناقشة وغالباً ما كان يتعرض للعصيان، كما حدث معه ابان حركة 10 آب 1986، التي قام بها مسؤولون في القوات كمارون مشعلاني وغيره ضد مشروع «إعادة تأهيل» الكوادر العسكرية الذي أولاه الدكتور جعجع عناية كبيرة. وكثيراً ما كانت تتنازع الأجهزة فيما بينها، خلافاً لإرادة الدكتور جعجع ومصلحته وحتى صورته السياسية والشخصية في الداخل والخارج. كالصدام العلني الذي حصل بين عناصر تابعة لغسان توما وأخرى تابعة لبيار رزق على مدخل مبنى الأمن وعلى مشهد ورؤية من وفد ايطالي استضافته القوات اللبنانية، وذلك ثابت من شهادة سمير ابو يونس أمام مجلسكم، مما ولّد احراجاً لا مثيل له للدكتور سمير جعجع.
وقال: «إذا اردنا ان نلتصق اكثر بالواقع، وخصوصاً بوقائع هذه الدعوى، نرى انه طالما تبيّن ان الدوافع الجرمية منتفية، وطالما ان الأدلة والقرائن الجرمية ساقطة، وطالما ان العلاقة السببية المباشرة وغير المباشرة بين الجريمة والدكتور سمير جعجع غير ثابتة، وطالما ان احتمال حصول الاختراقات وارد، أكان من قبل اسرائيل أو من قبل الفلسطينيين أو من قبل جهات مجهولة أخرى، وطالما أن الرئيس عمر كرامي يشك بقائد الجيش ميشال عون وكان ينوي ان يدّعي عليه، وطالما انه لم يتم العثور على واضع العبوة في الطوافة 906، وطالما انه لم يتم تحديد اسم الضابط الذي عاين الطوافة المفخّخة لنقل الرئيس كرامي يوم الاثنين الأول من حزيران 1987 ولم يستمع اليه، وطالما انه لم تعرف هوية الضابط الذي امر بتفكيك العبوة الأخرى في الطوافة الثانية المفخخة وفق رواية النائب العام لدى محكمة التمييز.
فإن الشك والشك وحده، وما أكبر مساحته في هذه القضية، كافٍ لوحده ان يفيد الموكل وفقاً لما سار عليه الفقه والاجتهاد في لبنان وفرنسا ومصر، سيما اجتهاد المجلس العدلي بالذات في قضية كنيسة سيدة النجاة الذوق. لذا يقتضي اسقاط نظرية الفاعل الذهني الواردة في القرار الاتهامي لعدم صحتها وعدم واقعيتها وعدم ثبوتها وعدم امكانية انطباقها في القضية الحاضرة على الدكتور سمير جعجع».
القرار الخارجي
واعتبر «انه لا مجال لاية مسؤولية جزائية ان تقع على عاتق الدكتور سمير جعجع لانه لم يتم اثبات اي صلة سببية بين قيام الموكل باي فعل ايجابي او سلبي وافعال المتهمين الآخرين. كما انه لم يتم اثبات اي صلة سببية بين ذلك الفعل الاول والنتيجة الجرمية. لذا يقتضي بالمجلس العدلي اعلان براءة الدكتور جعجع لعدم توافر الادلة او على الاقل لعدم كفايتها، ولانتفاء العلاقة السببية بين افعال الدكتور جعجع والجريمة، لاسيما وان الشك هو لمصلحة المتهم».
مشدداً على ان اغتيال الرئيس كرامي ليس قراراً لبنانياً بل قراراً خارجياً على غرار باقي الاغتيالات الكبيرة: اغتيال كمال جنبلاط، تغييب الامام موسى الصدر، محاولات اغتيال بيار الجميل وكميل شمعون وامين الجميل، اغتيال الرئيس بشير الجميل، اغتيال المفتي حسن خالد، الشيخ صبحي الصالح والرئيس رينيه معوّض والسلسلة تطول...!
وقال: «لا يجوز تصغير اغتيال الرئيس كرامي فتتهم القوات اللبنانية بهذه العملية، ونكون كمن يريد عن عمد او غير عمد تبرئة الاجهزة الخارجية بمن فيها تبرئة اسرائيل او غيرها من دم رشيد كرامي!
وختم: «رأيت ضمائركم تسكن عيونكم طوال المحاكمة فكنتم تتبصرون بكل شاردة وواردة بقصد ان تفهموا الظاهر والمخفي وتدركوا المعلوم والمجهول، فشكراً لكم ولبصركم وبصيرتكم. رأيت عقلكم ينبض مع كل كلمة وكل حركة وكل اشارة تحصل امامكم فتسعون الى التقاطها علّها تقودكم الى خيط الحقيقة الرفيع، فشكراً لكم لجهودكم وصبركم. واتصوركم وقد نظمتم في حياتكم المهنية والغنية مئات الاحكام، غير انكم تعون تماماً ان هذا الحكم في هذه القضية هو حكم سيدخل التاريخ، وغداً يذكركم التاريخ عبر هذا الحكم دون سواه. انكم محكمة استثنائية بهيئة استثنائية وبصلاحيات استثنائية امام مسألة استثنائية فلا تصدروا حكماً عادياً. لا تقربوا هذه المسألة بالعقل والقانون فحسب، بل بالروح والوجدان خصوصاً، فتشوا عن الجواب في ذاوتكم الطاهرة والعادلة وليس في سراديب هذا الملف وغياهبه. غوصوا الى اعماق قناعاتكم واستلهموا منها الحكم الاخير.
لا تحمّلوا سمير جعجع ثمن هزيمة لم تلحق به، ولا تعاقبوه على جريمة لم يرتكبها.
لا تبرئوا الخارج من دم رشيد كرامي. برئوا سمير جعجع، تبرئوا لبنان باسم شعب لبنان».

الرئيس كرامي نفسه افضل
من يبرئه وهو رأى في السجال
أمراً طبيعيا
ً له مبرراته
بعد خمس
سنوات على سجنه اصبح جعجع مظلوماً
بل رمزاً للمظلومين
المجلس العدلي يتابع اليوم الإستماع الى كرم في قضية إغتيال كرامي
بقرادوني: لو وافق جعجع أن يكون وزيراً هل كان أحيل إلى المحاكمة ?
عمر كرامي إتهم عون بكتم معلومات وقال إنه سيدعي عليه

غادة عون
«لا تبرئوا الخارج من دم رشيد كرامي، برئوا سمير جعجع تبرئوا لبنان باسم شعب لبنان»، بهذا الطلب، ختم المحامي كريم بقرادوني، امس، دفاعه عن قائد القوات اللبنانية المنحلة الدكتور سمير جعجع المتهم باغتيال الرئيس رشيد كرامي، فترافع على مدى نحو 6 ساعات عن «الرفيق والصديق»، محولاً اياه من «روبن هود» الذي دافع عن حقوق الناس البسطاء في وجه تسلط المسلحين الاقوياء، الى «سقراط» الذي اختار سجنه عن سابق تصور وتصميم، فعاد سمير جعجع حكيماً، حول حبسه محسبة وسجنه صومعة واستبدل البندقية بالكتاب المقدس». واصفاً اياه «برمز المظلومين»، بعدما كان في البدء مجرماً وتحول الفرحين بدخوله الى السجن الى متضايقين من بقائه فيه».
وقبل يومين من الذكرى الخامسة لتوقيف موكله في 21 نيسان 94، تسنى لبقرادوني بموجب قرار هو الاول من نوعه في لبنان اصدره المجلس العدلي في 16/1/98، ان يدافع جعجع بصفته محامياً عنه، بعدما وقف مرة اولى امام هيئة المجلس نفسها وفي القضية نفسها بصفته شاهداً، كما تسنى له ايضاً ان يدحض نظرية «الآمر الناهي»، التي كان قد اكدها هو نفسه في معرض شهادته في قضية اغتيال المهندس داني شمعون وعائلته، وقد خصص لهذا الامر جزءاً مهماً من مرافعته التي وقعت في 189 صفحة «فولسكاب».
واذ رأى بقرادوني امس «ان اجتهاد المجلس العدلي في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة في الذوق، والقرار الاتهامي الصادر عن المحقق العسكري رياض طليع في محاولة اغتيال الرئيس الياس الهراوي، اعلنوا بشكل قاطع «ان العديد من مسؤولي القوات اللبنانية بمن فيهم غسان توما وبعض رفاقه نفذوا عمليات من دون علم قائدهم وخلافاً لارادته». اغفل عن قصد تأكيد حكم المجلس العدلي في قضية اغتيال داني شمعون لنظرية الآمر الناهي، معتبراً ان قانون العقوبات لم ينص على مفهوم الفاعل الذهني او الفاعل المعنوي، وانه لولا محاكمات جعجع لما كان المجلس العدلي توصل الى هذه النظرية التي تشبه الصورة الخارجية لشخصية جعجع وكثيراً ما تصبح الصورة مجتزأة من الواقع اهم من الوقائع عينها».
وفي هذا الاطار عرض بقرادوني لنظرية «الخارق والمخروق» فرأى ان لبنان هو «وطن التجاذبات والاختراقات بامتياز وما اغتيال الشخصيات اللبنانية بالعشرات ومنها اغتيال الرئيس كرامي وكمال جنبلاط وبشير الجميل والشيخ حسن خالد والرئيس رينيه معوض الا دليل على ذلك». لافتاً الى احتمالات وفرص اختراق القوات اللبنانية كانت متوافرة اكثر يوم اغتيال الرئيس كرامي في العام 87، نظراً لحجم القوات البشري آنذاك وانتشارها فوق الاراضي اللبنانية، مما يجعل الامساك بها امراً صعباً.
واشار بقرادوني الى انه لا يمكن اعتبار جعجع بمثابة الفاعل المعنوي او الذهني للجريمة لان بقية المساهمين والفاعلين والمتدخلين في الجريمة ليسوا لا مجانين ولا معتوهين ولا منومين مغناطسياً، فضلاً عن عدم وجود اي صلة سببية بين افعال الدكتور جعجع والجريمة، وانتفاء الدوافع الجرمية وسقوط الادلة والقرائن الجرمية، لافتاً الى «انه طالما ان الرئيس عمر كرامي كان يشك بقائد الجيش ميشال عون في ضلوعه في اغتيال اخيه، وكان ينوي الادعاء عليه، وطالما لم يتم العثور على واضع العبوة في الطوافة، وطالما انه لم يحدد اسم الضابط الذي عين الطوافة المفخخة لنقل الرئيس كرامي يوم الجريمة ولم يستمع اليه، وطالما انه لم تعرف هوية الضابط الذي امر بتفكيك العبوة الاخرى في الطوافة الثانية المفخخة فان الامر يقتضي اعلان براءة جعجع للشك»، مؤكداً «ان اغتيال الرئيس كرامي ليس قراراً لبنانياً بل قرار خارجي، ولا يجوز تصغير هذا الاغتيال فتتهم القوات اللبنانية، ونكون كمن يريد عن عمد او غير عمد تبرئة الاجهزة الخارجية بمن فيها اسرائيل من دم رشيد كرامي».
ولم ينس بقرادوني ان يتطرق الى الاتهامات التي الصقت بموكله حول عدواته للرئيس كرامي، لاسباب عدة، فشدد اولاً على «ان عدم التمييز بين الخطاب السياسي في الحرب والخطاب السياسي في السلم يشكل خطأً منهجياً فادحاً، لافتاً الى انه لم يكن يوماً يوجد خلاف شخصي بين جعجع وكرامي، ليتفاقم، فهما لم يكونا يتنافسان على منطقة واحدة او على زعامة طائفة واحدة او على مناصب سياسية واحدة، بل ان خلاف الرئيس كرامي ومأزقه السياسي كان مع الرئيس امين الجميل، وليس مع جعجع، وان المطالبة بمطار حالات كانت امنية صرف واهدافها انسانية، وان الرئيس كرامي لم يتفرد بمعارضته فتح مطار حالات كما ان جعجع لم يتفرد بالمطالبة بفتحه، علماً ان المستفيد من هذا المطار لو تم فتحه هي شركة «الميدل ايست».
وذكر بقرادوني بان جعجع لم يكن يوماً يهدف الى مشروع تقسيمي، بل كان دائماً مع «وحدة لبنان»، ولو انه دعا الى ادخال اللامركزية، كما ان لولاه لما كان لوثيقة الوفاق الوطني ان ترى النور في العام 89 فهو من شجع النواب للذهاب الى الطائف».
واتهم بقرادوني بعض الشهود في القضية بانهم مشكوك في سلوكهم ومسلكيتهم ومصداقيتهم وهم يعانون من عقدة القوات اللبنانية وعقدة غسان توما فادوا شهادتهم اما خوفاً او انتقاماً من القوات، في حين رأى «انه ليس غسان توما من استدرج مطر الى الزورق ليشهد على الاغتيال بل مطر استدرج الى الملف ليشهد على القوات».
واستفاد بقرادوني من دفاعه عن جعجع والقوات اللبنانية، ليدافع عن نفسه ضد «التهم الباطلة والمؤذية التي وجهها اليه وكلاء الادعاء والنائب العام التمييز القاضي عدنان عضوم، والتي من شأنها ان تسيء الى سمعته الوطنية ومصداقيته الشخصية». ثم يعدل عن ذلك «بعد اقتناعه بقول السيد المسيح لا تقاوموا الشرير، من لطم خدك الايمن ادرله الايسر»، متضرعا الى الله ان يكون ملف هذا الدعوى اخر ملفات الحرب، وان ياتي اليوم الذي يحمل فرح المصالحة الكبرى عبر قانون عفو شامل لا يستثني احدا.
ومع هذا التضرع، يبقى للمجلس العدلي ان يستمع الرابعة من بعد ظهر اليوم الثلثاء الى مرافعة اخر وكلاء الدفاع النقيب عصام كرم ورد النيابة العامة وجهة الادعاء.


الثلثاء 20 نيسان 1999
قضائيات
9
كلمة «الآمر الناهي» لا تنطبق عليه بعد عمليات نفذها معاونوه من دون علمه
هل خطف الرهائن الاجانب وانفجار المارينز والمظليين مسؤولية «القوات» ?
(تتمة الصفحة 8)
أبناء بشري : جعجع يُحاكم
لأنه رفض ان يكون شاهد زور

جاءنا بالفاكس بيان صادر عن أبناء بشري جاء فيه:
«بمناسبة مرور 5 سنوات على اعتقال القائد الدكتور سمير جعجع يهمنا ان نؤكد على ما يلي:
1- ان الدكتور سمير جعجع ناضل دفاعاً عن لبنان وسيادته وحرية شعبه وهويته طيلة فترة الحرب غير آبه بالمخاطر التي هدّدته لأنه صاحب قضية، وهو اليوم ومن سجنه يتابع مسيرة النضال والحرية بعدما قرر المواجهة والصمود حتى النهاية.
2- ان المحاكمات الجارية اليوم تشكل تغطية سياسية لأكبر عملية ظلم تجرى في حق أحد القادة لا لسبب الاّ لأنه رفض ان يكون شاهد زور وشريكاً في السلطة التي مزّقت لبنان وضربت سيادته محاولة طمس هويته عبر مشروع التجنيس الخطير... وامعنت فيه فساداً وسرقة وأدّت الى افلاس الدولة والشعب.
3- نناشد دولة الفاتيكان بشخص قداسة البابا والمنظمات العالمية وجمعيات حقوق الانسان وانظمة الدول التي تدعي الحفاظ على الحقوق والكرامات التدخل لوقف المهزلة واطلاق الدكتور سمير جعجع وهو المعتقل منذ خمس سنوات تحت الأرض.
4- نُعرب عن دعمنا لمواقف المطران الياس عودة الأخيرة وإعجابنا بشخصيته الجريئة والشجاعة وهي التي تجسّد العنفوان المسيحي اللبناني والعفوية الصادقة، فيذكرنا بيوحنا المعمدان الذي شهد للحق بصوت يهز الضمائر، إن مواقف المطران عودة هي تعبير عن ضمير كل انسان حر في لبنان في زمنٍ كثُر فيه المبخِّرون، وسادَ فيه المُساوِمون، وهي بلسم للجراح وبذور قيامة آتية برجاءٍ أكيد».

ميرزا يصدر قراره الظني في قضية مجلس القضاء الاعلى

جوزف ـ شاهين ابو فاضل
اصدر قاضي التحقيق الاول في بيروت الرئيس سعيد ميرزا قرارا ظنيا ضد جريدة «الديار» والمدير المسؤول فيها الاستاذ يوسف الحويك وشركة النهضة الممثلة بشخص مديرها الاستاذ شارل ايوب وكاتب المقال الذي نشرته جريدة «الديار» 14/12/1998 تحت عنوان:
«هل يدخل القضاء عصره الذهبي في عهد الرئيس لحود? واصلاح السلطة القضائية يبدأ من مجلس القضاء الاعلى».
فاليكم النص الكامل لقرار المحقق الاول في العاصمة الرئيس سعيد ميرزا.

قرار
نحن سعيد ميرزا قاضي التحقيق الاول في بيروت،
بعد الاطلاع على ورقة الطلب عدد 18852/98 تاريخ 15/2/99 ومرفقاتها،
وعلى التحقيقات الاستنطاقية والاولية،
وعلى الاوراق كافة
تبين انه اسند الى المدعى عليهم:
1- المحامي جوزف شاهين ابو فاضل، والدته جولييت - مواليد 1960 - لبناني بصفته كاتب المقال في جريدة «الديار».
2- يوسف حنا الحويك - والدته منتهى - مواليد 1959 - لبناني بصفته المدير المسؤول في جريدة «الديار».
3- شركة النهضة ش.م.م. بصفتها صاحبة جريدة «الديار» والممثلة بشخص مديرها المفوض السيد شارل ايوب.
4- كل من يظهره التحقيق،
بانه في بيروت وخارجها وبتاريخ 14/12/98 اقدم الاول على كتابة مقال بعنوان «هل يدخل القضاء عهده الذهبي في عهد الرئيس لحود» تضمن عبارات تحمل في طياتها قدحا وذما وتحقيرا بالسلطة القضائية، وأقدم الآخران على نشر المقال في جريدة «الديار».
الجرائم المنصوص والمعاقب عليها في المواد 383 و385 و386 من قانون العقوبات، والمادة 20 وما يليها من قانون المطبوعات.
وبنتيجة التحقيق،
اولا : في الوقائع
بتاريخ 14/12/98 صدرت جريدة «الديار» وفي صفحتها السابعة مقال بتوقيع المدعى عليه المحامي جوزف ابو فاضل بعنوان «هل يدخل القضاء عصره الذهبي في عهد الرئيس لحود?».
«مصدر قضائي رفيع: اصلاح السلطة القضائية يبدأ من مجلس القضاء الاعلى، وقد ابتدأ كاتب المقال مقاله كما يلي:
«تتوقع اوساط مطلعة في قصر العدل ان السلطة القضائية ستشهد قفزة نوعية تغيّر فيها شكلها وهندامها وطريقة عملها من القمة الى القاعدة الى درجة - سوف يقال فيها ان السلطة القضائية كانت قبل تولّي الرئيس جوزف شاوول مقاليد وزارة العدل تعمل بطريقة تقليدية تآكلها الصدأ ولم يطرأ عليها اي تغيير جوهري من شأنه ان يوصل اصحاب الحقوق الى حقوقهم في اقرب وقت وفي اقل نفقات، وتحت عنوان «رأس الهرم» ورد في المقال:
وتقول المصادر المطلعة في قصر العدل ان الاصلاح في السلطة القضائية سيبدأ في رأس الهرم وبمجلس القضاء الاعلى تحديدا.
اذ ان تركيبة هذا المجلس وطريقة العمل فيه وعدم تفرغ القائمين عليه للعمل على رفع مستوى الاداء في السلطة القضائية حوّله الى هيئة تشريفات وتوزيع المراكز وتأمين الترقيات الذاتية وتطبيق سياسة المرجعيات السياسية والروحية والمالية واصحاب النفوذ، وتراجع السلطة القضائية من مستوى سلطة دستورية مستقلة تستطيع ان تكون اقوى من السلطات وأفعلها الى وظيفة مشلولة لا قوى لها ولا طول ولا قوة الا على الضعفاء والفقراء والمسحوقين والذين ليس عندهم وزير نافذ او «امير» قادر او «بيك» اقطاعي او «شيخ» صاحب سلطان يستسيغون الذهاب الى قصر العدل ويستهلون القيام بأعمال المحامين».
وتحت عنوان «تعيين القضاة» ورد في المقال: «وسوف يتولى مجلس القضاء الاعلى الاشراف التام على تعيين القضاة .... والنظر في مخاصمة القضاة ووجوب الفصل في مهلة قصيرة حتى يعرف صاحب الحق والقاضي المشكو منه مصيره مع التركيز على تفعيل احكام المخاصمة وتحويلها من نص (ميت) الى نص فاعل فيعرف القاضي انه هو حامي القانون وليس جلاده وانه تحت القانون على الدوام وليس فوقه،وان وظيفته وجدت لخدمة الناس وليس للتنكيل او للمشاوفة عليهم او لاهدار حقوقهم.
وتحت عنوان «التفرغ الكامل» ورد في المقال
... وتعتبر الاوساط ذاتها ان القاضي المتفرغ للجان قد يهمل واجباته الاساسية في القضاء فيتأخر البت في القضايا ويصبح تأجيل الجلسات من سنة الى سنة حتى الى سنة ونصف السنة احيانا ويبقى اهتمامه على سبيل المثال بالمردود الشخصي من لجان سوليدير واليسار واذا حاولت «ليونور» الصعود الى اليابسة فيما بعد. وبذلك يكون المواطن والمدعون ينتظرون الحكم «باسم الشعب اللبناني» فتعلو الصرخات ويأتيها الجواب بالتذرع على ان عدد القضاة قليل في حين ان العدد الحالي للقضاة هو كافٍ لو تفرغ الكل لعمله الاساسي.
كما ورد في المقال:
... وانه لا يجوز بعد انتهاء الحرب ... ان يبقى أحد من القضاة خائفا على نفسه او على عائلته واطفاله فيستعمل كل انواع الواساطات ليكون له مرافقون عسكريون من مختلف الاجهزة وليكون له موكب يشبه المواكب التي كان يشكو منها الناس...
... وانه لا يجوز ان يكون الرئيسان لحود والحص على هذا القدر من الشفافية والنبل والتواضع وان يبقى بعض القضاة خائفين على انفسهم ومتشبثين بمواكبهم وحراسهم وحاملي اسرارهم وهم يعلمون ان القاضي الحقيقي لا تحميه الا عدالته في احكامه وان القاضي الحقيقي هو الذي يقصده الخائفون ليحميهم وليس العكس.
وانهى كاتب المقال مقاله بالاتي:
كما يكون الرؤساء والقادة يكون المواطنون «بدل الحكمة» التي قالها ابو بكر الصديق كما تكونون يولى عليكم.
وبمعنى آخر كما يكون القضاة في اعلى الهرم القضائي يكون سر القضاة في بقية الدرجات.
ولدى استجواب المدعى عليه كاتب المقال المحامي جوزف ابو فاضل من قبل حضرة النائب العام الاستئنافي في بيروت حاول يائسا اعطاء العبارات التي تضمنها المقال غير ما يفهم صراحة من قراءتها ، كما ادلى بان عددا من القضاة أوحوا إليه بان اصلاح السلطة القضائية يبدأ من مجلس القضاء الاعلى لكنه اعتذر عن ذكر اسم اي منهم.
ولدى استجوابه من قبلنا كرر اعتذاره عن ذكر اي اسم من اسماء القضاة الذين اوحوا له بما سبق بيانه، وادلى بانه لم يقصد الاساءة او الذم او التحقير بالسلطة القضائية وانه لم تكن لديه سوء نية تجاه السلطة القضائية وانه يعتذر من السلطة القضائية اذا جنح به القلم واساءت بعض التقارير الواردة في المقال الى السلطة القضائية والى كل الجسم القضائي.
ولدى استجواب المدعى عليه يوسف الحويك، المدير المسؤول في جريدة «الديار» افاد بانه لم يطلع على المقال قبل نشره وان كاتب المقال المدعى عليه المحامي جوزف ابو فاضل هو ابن شقيقة السيد شارل ايوب المفوض بالتوقيع عن شركة النهضة التي تمتلك جريدة «الديار» واضاف بان المدعى عليه المحامي جوزف ابو فاضل يحرر الصفحة القضائية في جريدة «الديار».
ثانيا: في الادلة
لقد تأيدت هذه الوقائع بالادلة التالية
1- بالادعاء
2- بالمقال المنشور في جريدة «الديار» الصادرة بتاريخ 14/12/98
3- باقوال المدعى عليهما المحامي جوزف ابو فاضل ويوسف الحويك
4- بكافة التحقيقات الاولية والاستنطاقية
5 بمجمل التحقيق
ثالثا: في القانون
حيث من المسلم به ان حقوق النقد والتعبير وابداء الرأي والنشر ليست مطلقة بل هي مقيدة بحدود القانون حتى لا يساء استعمالها.
وحيث ان حدود ابداء الرأي تقضي بان يصاغ صياغة ملائمة للموضوع والغرض المرتجى منه وان تراعى فيه الرصانة والدقة والصدق وتجنب الاساءة الى الغير.
وحيث يتبين من العبارات الواردة في العنوان وفي المقال الذي كتبه المدعى عليه المحامي جوزف ابو فاضل ونشرته جريدة «الديار» بتاريخ 14/12/98 انه تناول موضوع السلطة القضائية وطريقة عملها ونسب الى مصدر قضائي رفيع- وتهرب لدى استجوابه من ذكر هوية ذلك المصدر- بان اصلاح السلطة القضائية يبدأ من مجلس القضاء الاعلى ، وبعد ان ضمن مقاله عبارات تتضمن قدحا وذما وتحقيرا بعمل السلطة القضائية، واطلق على مقام مجلس القضاء الاعلى نعوتا واوصافا مهينة مثل: «تحوله الى هيئة تشريفات وتوزيع المراكز وتأمين الترقيات الذاتية» ومتماديا الى اطلاق اتهامات باطلة مثل «تطبيق سياسة المرجعيات السياسية والروحية والمالية واصحاب النفوذ».
وحيث ان المدعى عليه نسب الى قضاة لبنان بانه لا حول لهم ولا طول ولا قوة الا على الضعفاء والفقراء والمسحوقين، وبانهم لا يعرفون واجباتهم وان وظيفتهم وجدت لخدمة الناس بدل التنكيل بهم والتشاوف عليهم وهدر حقوقهم.
وحيث ان ما تضمنه المقال من عبارات تتصف بميزات وخصائص نافرة تفيد القدح والذم والتحقير بالسلطة القضائية والتطاول على مقام مجلس القضاء الاعلى والتجريح بكل قاضٍ في لبنان.
وحيث انه في جرائم التحقير والقدح والذم فان سوء النية لدى الفاعل مقدر ومفترض ويسهل استنتاجه من طبيعة هذه الجرائم، وان التذرع بحسن النية لا يكفي اذ على الفاعل ان يثبت ايجابا هذا الامر، وهذا ما عجز المدعى عليه المحامي جوزف ابو فاضل عن اثباته اثناء استجوابه بشكل يحمل على الاقتناع به.
وحيث، وعلى فرض ان المدعى عليه اراد انتقاد السلطة القضائية وطريقة عملها، فانه واجبه - كمحامٍ او كصحافي - لا يستوجب تحقير او ذم او قدح القضاة والتعرض الى شخصهم ونعتهم بصفات تمس كرامتهم وشرفهم، وان المشترع اراد من حماية افراد السلطات العامة حماية السلطة العامة التي يجسدونها والتي يمارسون اعمالهم باسمها.
وحيث انه، وبالاستناد الى كل ما تقدم، يكون فعل المدعى عليه المحامي جوزف ابو فاضل مؤلفا لجنحة المادة 22/ فقرة 2 من المرسوم 104/77 معطوفة على المادة 383 من قانون العقوبات.
وحيث انه بالنسبة الى المدعى عليه يوسف الحويك المدير المسؤول في جريدة «الديار»، فانه بمقتضى المادة 26 من المرسوم 104/77 فان العقوبات التي يقضى بها بسبب الجرائم المرتكبة بواسطة المطبوعات الصحفية تقع على المدير المسؤول كفاعل اصلي، لان مسؤوليته قانونية موضوعية لا تقبل الدليل العكسي، ولان من واجباته منع نشر ما يعد جريمة، وقعوده عن هذا الواجب دليل على انه اراد النشر واذن به.
وحيث يكون، والحال ما ذكر، فعل المدعى عليه يوسف الحويك مؤلفا لجنحة المادة 22/ فقرة 2 معطوفة على المادة 26 من المرسوم 104/77، وكلتاهما معطوفتين على المادة 383 عقوبات.
وحيث ان المدعى عليها شركة النهضة ش. م. م. الممثلة بشخص مديرها المفوض السيد شارل ايوب، وهي كهيئة معنوية مسؤولة عن الاعمال التي يأتيها مديرها او عمالها باسمها او باحدى وسائلها كما نصت على ذلك المادة 210 عقوبات، وبالتالي فان فعلها يؤلف جنحة المادة 22/ فقرة 2 من المرسوم 104/77 معطوفة على المادتين 383 و210 عقوبات.
لهذه الاسباب
نقرر
وفقا للمطالعة:
اولا - الظن بالمدعى عليه المحامي جوزف شاهين ابو فاضل بمقتضى جنحة المادة 22/ فقرة 2 من المرسوم 104/77 معطوفة على المادة 383 عقوبات.
ثانيا - الظن بالمدعى عليه يوسف حنا الحويك بمقتضى جنحة المادة 22/ فقرة 2 معطوفة على المادة 26 من المرسوم 104/77 وكلتاهما معطوفتين على المادة 383 عقوبات.
ثالثا - الظن بالمدعى عليها شركة النهضة ش. م. م. الممثلة بشخص مديرها المفوض السيد شارل ايوب بمقتضى جنحة المادة 22/ فقرة 2 من المرسوم 104/77 معطوفة على المادتين 383 و210 عقوبات.
رابعا - تضمين المدعى عليهم الرسوم والمصاريف القانونية.
خامسا - احالتهم امام محكمة استئناف بيروت - الغرفة الناظرة بقضايا المطبوعات.
قرارا صدر في بيروت بتاريخ 19/4/1999.
قاضي التحقيق الاول

يُحاكم لأنه
أراد أن يحافظ
على قناعته
ولو على
حساب حريته
لا تحمّلوه
ثمن هزيمة
لم تلحق به
ولا تعاقبوه
على جريمة
لم ترتكبها يداه