الاثنين 8 كانون الاثني 1996
آراء
8
تاريخ عكار بين حبلص وعبدالله: اختلاف في التأريخ وتناقض في النظرية
الاتراك استدرجوا الصليبيين لتحطيم بلاد العرب تمهيداً لاحتلالها من قبلهم
جزء من سهل عكار
الجرد العكاري المواجه

بقلم : مطانيوس شاهين غربية

مناظر لا تراها الا في عكار

بوش لفظ

اسم عكار

بشكل سليم

فصفق له

عصام فارس

مرتين


حاول الاتراك منذ آلاف السنين السيطرة على منابع مياههم وملاحقتها حتى مصباتها، وهذا عرف في لاوعي الامم التي تعتبر ان النبع هو الاساس والمصب هو الحدود. انها ثابتة تاريخية ما زالت قائمة وتتفاعل حتى الآن، وهناك الكثير من الخبراء والمتنبئين الذين يتكهنون بان الحرب المقبلة في الشرق الاوسط هي حرب المياه بين الاتراك والعرب. فجميع الشعوب التاريخية التي سكنت تركيا كان حلمها الاول مرافقة دجلة والفرات والمطل الشرقي على البحر الابيض المتوسط واحتلالهما. وعندما فشل ابناء الغرب في السيطرة على بلاد العرب (بعد الحروب الصليبية)، رأى الاتراك ان الفرصة متاحة امامهم لطرد الصليبيين واحتلال بلاد العرب من جديد. وهكذا استمر احتلال الاتراك للشرق الاوسط حتى مطلع القرن العشرين، وتحت ستار الامبراطورية الاسلامية.
وليس صحيحاً ان حكام العرب، في حينه، قاوموا الفتح الصليبي او دافعوا عن انفسهم! ويقول المؤرخ الدكتور عمر عبد السلام التدمري، وهو المؤرخ الاكثر تطرفاً من الناحية الاسلامية: واذا كنا قد انحينا باللائمة على موقف السلاجقة من طرابلس وعدم نصرتهم لها، فان الفاطميين يتحملون اللوم والتقريع بالموقف المخزي الذي بدا من خليفتهم «الامر بالله» ووزيره الافضل، وقادة اسطول الفاطميين، ثم من الولاة الفاطميين على طرابلس. واول ما يؤخذ على هؤلاء عدم اكتراثهم بالهجمة الصليبية على الشام، بل انهم رحبوا بها لانهم وجدوا فيها عوناً على السلاجقة، وقد بعثوا رسلهم الى زعماء الصليبيين وقادتهم في انطاكية للتعبير عن فرحتهم بسقوطها في ايديهم، وشماتة بخصومهم السلاجقة.
«ومما يدهش ويثير الاستغراب ان الفاطميين ظلوا مكتوفي الايدي وهم يرون المدن الاسلامية تدمر، ويقتل رجالها ونساؤها واطفالها، وتدنس مساجدها، وكل هذه الاعمال تلذ لهم، طالما يعتقدون ان المتضرر الاول منها هم السلاجقة وانهم بعدم التصدي للصليبيين يصرفون نظرهم عن الدخول الى مصر» (تاريخ طرابلس ج1 ص 322). ان هذا الكلام يعكس والى حد بعيد الحالة «الاسلامية ـ العربية» التي ما زالت مطروحة حتى الآن، ويبدو اننا لا نزايد الا على بعضنا بالاسلام والعروبة، وليس على غيرنا الذي يحاول ان يحطم عروبتنا واسلامنا!!.
فالاتراك كان همهم الاول السيطرة على بلاد العرب اطول مدة ممكنة واستعبادهم الى اقصى الحدود، ولذلك سمحوا لآل سيفا ولآل المرعبي ان يؤلفوا جيوشاً تسهر على ضبط الامن التركي وعلى تحصيل الضرائب المرهقة من الشعب العكاري، وكأننا اقترفنا خطأ مميتاً بحقهم او بحق الاسلام الذين ادعوا حق وشرفية المحافظة عليه، وان كان بالمظاهر!. ولم نجد رجل دين واحداً لا من آل سيفا ولا من آل المرعبي، بل تركوا هذه المهمة «الشكلية» للعائلات السنية العربية، ولم يفرقوا يوما بين مسلم عربي ومسيحي عربي من الموالين لهم. فالمماليك هجروا العائلات السريانية من عكار لانها والت الصليبيين، اما العائلات المسيحية التي وقفت ضد الاحتلال الصليبي فقد حافظوا عليها وصارت من الاثرياء. وهكذا استمر آل المرعبي في سياستهم، فقد حضنوا العائلات السريانية التي دعمت حكمهم، وحتى ان موالاة السريان لآل المرعبي فاقت موالاة السنة العرب لهم، ووصلت الامور الى حد صار فيه موارنة عكار يكتبون على هوياتهم «ماروني عثماني»، وهذا مثبت بالوثائق المنشورة.
وكان للمسيحيين العرب موقف بارز ضد الاحتلال الصليبي وفاق في الكثير من جوانبه موقف الاسلاميين العرب وغير العرب. وقد اكد وليم الصوري مقتل بونز اذ قال انه فر عند هزيمة عسكره الى الجبال، ولكن نصرانياً من فلاحي الكورة كشف امره للمسلمين فقتلوه.. وابن الاثير يذكر ان الصليبيين عندما رجعوا لحصار جبلة اعاد ابن حليحلة ارجافهم هذه المرة بان المصريين (الفاطميين) قد توجهوا لحربهم، فرحلوا عنه ثانية، ثم عادوا من جديد. وعند ذلك لجأ الى خطة جديدة، ساعده على تنفيذها رعايا جبلة من النصارى والروم، حيث قاموا بمراسلة الصليبيين وواعدوهم الى برج من ابراج البلد ليسلموه اليهم فيملكوها عن طريقه، وانطلت الحيلة على الصليبيين الذين بادروا الى انتداب ثلاثمئة رجل من اعيانهم وشجعانهم، فتقدموا الى البرج المتفق عليه، وقام نصارى جبلة بادلاء الحبال اليهم. وقد كمن ابن حليحلة عند السور، فصار كلما طلع واحد منهم اخذوه اليه فقطع رأسه حتى قتل الثلاثماية جميعاً.
«وفي الواقع، لقد كان هذا اول هجوم مركز يصل فيه المسلمون الى ربض طرابس، منذ سقطت بيد الصليبيين قبل نحو ثلاثين عاماً. وقد لعب نصارى الكورة ومعظمهم من الروم الارثوذكس ـ دوراً هاماً في تسهيل وصول التركمان الى مشارف طرابلس (التدمري ج1 ص 271 ـ 365).
ولعل الاتراك هم الذين استدرجوا الحملة الصليبية لتحطيم بلاد العرب قبل ان يحتلوها، لانهم كانوا يعرفون، من خلال تجاربهم التاريخية، ان مصير العرب سيكون بين ايديهم بعد ان يستنفدهم ابناء الغرب، وهذا ما حصل بالفعل. وكانت اولى الاغلاط التي ارتكبها المماليك بحق عكار هي تمركزهم في الجبل وتركهم السهل العكاري سائباً، لانهم ظنوا انهم في امتلاكهم للجبل يسيطرون على الجبل والسهل معاً. وهذه الثابتة الفاشلة جربها قبلهم الكثير من المحتلين وحتى الكنعانيين انفسهم. ولقد اصبح من الثابت ان عكار لا تؤخذ الا من السهل وليس من الجبل. وهذا ما تفادته القيادة التركية فيما بعد حيث اسكنت آل المرعبي في السهل ولزمتهم الجبل. ويقول الدكتور فاروق حبلص بهذا الصدد: «وقد كان للخطة التي وضعها المماليك للدفاع عن عكار وتوطيد حكمهم فيها، لكي يتمكنوا من تأمين سلامة الممر التجاري بين طرابلس وحمص، اثر فعال في تغيير نمط حياتها. فاهملوا حصونها الساحلية، وجلبوا آل سيفا اليها واقطعوهم جبالها».
ثم واذا كان لا بد من وضع النقاط على الحروف، فمن الظلم ان نفصل بين آل المرعبي والسياسة التركية «لان القرارات السياسية لم تكن من صنع بكوات عكار، ولم تكن من مصلحة عكار وابنائها، بل كانت من صنع الدولة العثمانية ومعدة لخدمة مصالحها وحدها». فاوامر الباب العالي كانت تطبق بحذافيرها، وهذا ما دعا الاتراك لاطلاق يد آل المرعبي او غيرهم ليتصرفوا بعكار كما يشاؤون خاصة وان بلاد عكار بعيدة عن العاصمة اللبنانية وعن العاصمة السورية معاً. ولو كان آل المرعبي من العرب العاربة لما تصرفوا مع عرب عكار على هذا الشكل، لان هدف السياسة التركية كان اذلال العرب بأية وسيلة كانت خدمة لاستمراريتهم، ولذلك استخدموا آل المرعبي الذين فقدوا كرديتهم مؤخراً واصبحوا من العرب ومن العكاكرة الاقحاح. ولو لم يتمكن آل المرعبي من تطويع عكار كما تشاء القيادة التركية لما ابقوهم حكاماً وعلى مدى قرنين من الزمن ومن دون منافس. ولولا سقوط الاتراك لكان آل المرعبي ما زالوا يتلزمون عكار حتى الآن، وكان الجرد العكاري ما زال يفعل ما كان يفعله سكان «تل مرديخ» عندما «كانت تتلى الاناشيد الدينية عند عد الخراف».
وقد يكون من الظلم ايضا ان نتهم آل المرعبي بأنهم ما زالوا من اثرياء عكار، وسأستند على كلام الدكتور فؤاد سلوم مؤلف «تاريخ دريب عكار» لئلا اتهم بالانحياز: «لم يكن الهدف من تسهيل القروض العقارية وانتقال الاراضي الا لمصلحة الاستغلال الكبير في الملكيات الكبرى ولتنشيط تجارة الاراضي ونقلها من يد العائلات الاقطاعية وورثائها الى يد اصحاب الرأسمال من تجار محليين او اجانب وهو ما يفسّر انتقال الملكيات الكبيرة الهامة في سهل عكار الى اسر غريبة عن المنطقة، من جبل لبنان وزحلة وغيرهما، لا تزال ملكياتهم قائمة هنا. (مثل آل ابو جودة واده والدبس والحلبي...). ولقد كان من شأن هذا التدبير خلخلة البنية الاجتماعية التي كانت قائمة في الدريب، وفي انحاء الريف الاخرى، والنزول بطبقة الملاكين الى طبقة ادنى، اذ تحولت الاكثرية من البكوات والاغوات ( آل المرعبي وآل الدندشي) الى الفقر والبطالة، لانهم باعوا املاكهم الموروثة وانفقوا اثمانها على السلع الاستهلاكية الاوروبية، فانتهى ابناؤهم، في ما بعد، موظفين دائمين او مياومين او موسميين منتفعين في دوائر الدولة، متساوين في ذلك مع ابناء الفلاحين في وضعيتهم الاجتماعية (اطروحة دكتوراه ص60).
ولقد اكثر الدكتور جوزف عبدلله من وصفه «للبعارنة» بأنهم من الفلاحين والفقراء، ووصلوا الى المجلس النيابي من هذا الموقع، ولكن هذا الكلام ليس واقعيا لان الدكتور جوزف عبدلله نفسه يعود ويقول عن آل البعريني: «لا شك ان هنالك جملة من العوامل المتداخلة صنعت بتشابكها هذا النجاح... وفي عداد الاسباب الشخصية ايضا، الكرم والضيافة، وهذا متوفر للبعارنة، لا سيما بعدما تمكنوا من جمع ثروة قيمة من خلال ممارستهم لتلك التجارة التي راجت كثيرا في المناطق الحدودية مع سورية ابان فترة الحرب الاهلية» (ص 131).
وليس صحيحا ان آل المرعبي كانوا من الاقطاعيين او في زمن الاقطاعية كما يعرّف عنهم الدكتور جوزف عبدلله. و«ابو وجيه البعريني» لقّب بـ «طانيوس شاهين عكار» لأنه وقف ضد الملاكين الشرعيين للاراضي وسواء امتلكوا هذه الاراضي بالحق او بالباطل. وقد كان ولّى زمن الاقطاع في عكار عند نهاية حكم آل سيفا، وبدأ عهد المتلزمين. وهكذا «اخذت الدولة العثمانية بتطبيق نظام الالتزام في عكار منذ منتصف القرن السابع عشر كبديل للاقطاع الذي كان معمولا به ايام امارة بني سيفا. والالتزام يعني بيع ضرائب اقليم ما لمدة سنة واحدة لأحد المتنفذين الذين عرفوا بالمتلزمين، لكي تضمن الدولة لخزينتها مدخولا معتبرا ومحددا.
و«اذا تساءلنا عن كيفية اقامة هذه الملكيات الكبيرة، نجد ان جذورها التاريخية ترجع الى بداية القرن الثامن عشر، وتتعلّق بالادارة العثمانية والظروف الاجتماعية والامنية التي عاشتها عكار في القرنين الاخيرين... وعلى مر السنين اكتسبت هذه السيطرة صفة الملكية بعد ان مرّت بثلاث مراحل مميزة وواضحة: الملكية لسنة واحدة والملكية لمدى الحياة، واخيرا الملكية الدائمة التي تنتقل بالوراثة. ولم يكتف المتنفذون من آل المرعبي بما كان لهم من مالكانات في بداية القرن التاسع عشر، بل استحصلوا بفضل نفوذهم على مالكانات سواهم من العائلات.
و«كانت الحالة المتردية للفلاحين من العوامل المساعدة على احراز مثل هذه الصفقات الرابحة التي كانت تمتد احيانا على قرى بكاملها كما ذكر احد المعاصرين: «ان خروج الاملاك من ملك الفلاحين الى الافندية سببه ان كل ما كان يقع من دين ومظلمة او غيرها (غرامة)، كان يلقى على عاتق القرية كلها. فتجمعت هذه الديون على القرية حتى اضطر اهلها الى بيعها بأرخص الاثمان صفقة واحدة. ومن الفلاحين من تشرد في القرى او من ارتضى بأن يكون فلاحا عند ارباب الاملاك الجدد.
ولم تكن ملكية الاراضي حكرا على آل المرعبي وحدهم «ففي بداية القرن التاسع عشر، كان الباشوات يمتلكون مساحات شاسعة من الاراضي تدر عليهم الارباح الطائلة، امثال علي باشا الاسعد (المرعبي) الذي امسى، وعلى حد تعبير القنصل الفرنسي في طرابلس عام 1810 «من رجال الثراء المعروفين». وفي النصف الثاني من ذلك القرن انفرد احد وجهاء المنطقة بملكية قرى العريضة والمسعودية وقعبرين وبرقايل وجديدة عكار وبزال ومشمش وحرار وقريات وبيت يونس ومحمرة وبيت الحوش، وفي بداية القرن العشرين كان في عكار حوالى اربعين ملاكا كبيرا يتقاسمون معظم اراضيها تقريبا. وقد استمرت هذه السمة، على نطاق اضيق، تغلب على اشكال الملكيات حتى النصف الاول من القرن العشرين، عندما كانت اسرة المرعبي تمتلك قرى بكاملها واخرى بالمشاركة، كقرى تل حياة وكفرملكي والحوشب والكويخات والحيصا ودارين والمسعودية وغيرها، كما كان عبود عبدالرزق يمتلك وحده اكثر من سبع عشرة قرية كلية او بالمشاركة. هذا بالاضافة الى الملكيات الكبرى لال طعمه وآل عطية في منطقة تل عباس، وآل دندش الذين امتلكوا ما يقارب الستين قرية في شمال عكار. فانعدام الامن في الريف لم يترك مجال الملكية الا للوجهاء القادرين على اثبات وجودهم حتى اصبحت قيمة الارض لا تقاس الا بقدرة اصحابها» (حبلص 163 - 167).
واذا كان لا بد لنا من مشاهدة الامور في زاوية اخرى فإننا «نرى انه بانقراض السيفيين لم يبق لعكار اقطاعي محلي يحكمها، فتبعت احيانا ولاية طرابلس، واحيانا اخرى الامارة المعنية، كما كانت تقدم الخوة لمشايخ آل حماده، ما بين 1677 و1684 بدعم من ولاة طرابلس ... ولم تزل عكار على هذه الحال حتى استولى عليها آل مرعب بقيادة شديد المرعبي، وانتزعوها من الحماديين، بعد ان قتلوا زعيمهم عيسى حماده في 22 آذار سنة 1714، ودفع ال المرعبي الحماديين باتجاه البقاع، ثم تعاهد الطرفان على حدود بينهما في اعالي جرود عكار. وما لبث المراعبة ان قسموا بلاد عكار، في ما بينهم، الى ثلاث نواح هي القيطع والجومة والدريب. والواقع ان حكام طرابلس ولوا المراعبة حكم عكار لدرء الخطر الشيعي المتمثل بالحماديين والدنادشة». (زخور 8).
التعادل في عكار بين العرب العاربة والعرب المستعربة
بعد تدمير الساحل الكنعاني فقدت عكار السيطرة على ذاتها، باستثناء مرحلتين هامتين في تاريخها: الاولى كانت على ايام الملك عبد اشيرتا العكاري وابنائه الملوك والتي دامت حوالى المئتي سنة، والثانية على ايام الامبراطور اسكندر سفيروس العكاري. ثم عادت وانطوت على ذاتها واصبحت ملكاً للاخرين، وبقيت مستمرة على هذا الشكل حتى مطلع القرن العشرين ـ ولعلها ما زالت ـ وبعد كل هذا التأقلم الذي حصل حديثاً بين ابنائها الغرباء الاصل.
ان خصوبة التربة والثروات الاقتصادية والموقع الاستراتيجي تجارياً وعسكرياً شكلت عوامل حيوية، جعلت من عكار محط انظار شعوب متعددة، من بدو ورعاة، وحضر ومزارعين واشقياء وقطاع طرق، وعائلات موالية للدولة العثمانية، استقرت جميعها في تلك المنطقة في ظروف سياسية واقتصادية وامنية معينة. الا ان هذه الشعوب، وان اختلفت اصولها بين عربية وتركمانية وكردية، تأقلمت جميعها مع محيطها ومجتمعها، وتأصلت في المجتمع العكاري، بعد ان انقطعت صلاتها بمواطنها الاصلية.
الا ان هذه العناصر البشرية الجديدة لم تتمكن من ملء الفراغ الناتج عن هجرة السكان الاصليين من عكار، بسبب اختلاف مراكزهم الاجتماعية وتنظيماتهم العائلية. ففي حين كان النازحون عنها من المزارعين، اكتفى المستوطنون الجدد من آل دندشي وآل المرعبي بامتلاك الاراضي، وترفعوا عن تعاطي الاعمال اليدوية والزراعة، بل عاشوا على الانتاج الفلاحي. اما قبائل البدو فقد ألفت السلب والنهب ورغبت عن الزراعة والحراثة (حبلص 253 ـ 275).
دخل آل المرعبي عكار فوجدوها قرى مهدمة ومحروقة ومهجرة. فالذي فعله آل حمادة قبلهم كان عملاً جنونياً وقاتلاًَ، فقد احرقوا القرى وهجروا السكان اكثر من سبع مرات في مدة لا تتجاوز الخمسين سنة. وهكذا فعل قبلهم آل سيفا في حروبهم المتواصلة مع فخر الدين الثاني، وهكذا ايضاً فعل المراعبة واستنجدوا بالغرباء في حروبهم العبثية ضد بعضهم البعض. وقد ادت هذه الاوضاع مجتمعة، الى افقار القرى العكارية التي شهدت انكماشاً زراعياً وانهياراً سكانياً، فقد تدنى عدد سكانها الى ثمانمئة نسمة، بعد ان كان ثلاثة الاف في السابق.
هذا فضلاً عن تدمير واضمحلال قرى اخرى، بعد ان نزح عنها سكانها كقرى: ببنين والجديدة والسفينة وبزال وحبشيت ودنبو وخريبة الجرد والحويش وعكار (العتيقة) وبزبينا وتكريت وقبولا وبيت ملات وعين يعقوب وعيات وحلبا وحيذوق وجبرايل ورحبة...
وقد قابل هذا النزوح السكاني من عكار، استيطان جماعات جديدة، استفادت من الظروف الامنية والسياسية انذاك، واثبتت وجودها ورسخت اقدامها فيها، فاستوطنها ال المرعبي بتأييد وموافقة الدولة العثمانية، بعد ان تحالفوا مع والي طرابلس للقضاء على نفوذ آل حمادة فيها.
وكان آل الدندشي الاغوات العرب (آل الفحيلي سابقاً من حوران) قد دخلوا عكار بعد آل سيفا وتلزموها وبدءاً من اقليم الشعرا في شمال عكار (منطقة وادي خالد وجوارها) ، ولكنهم لم يتمكنوا من رد هجمات آل حمادة المستمرة، ولا الدولة التركية ساعدتهم على ذلك، بل تركتهم يفشلون عمداً ليبرروا دخول آل المرعبي الاكراد رجال الدولة التركية الموثوقين.
والحقيقة ان آل المرعبي كانوا مجموعة من العشائر الكردية والتركمانية وبعض قبائل البدو والعرب والمرتزقة. وكان آل المرعبي الذين قادوا هذه العشائر من «الاكراد الرشوانية» كما يعرف عنهم «المنجد»، وكما عرفوا هم عن انفسهم (وهذا مثبت بالوثائق القديمة والحديثة). وهم في الاساس من آل «حمكو» ثم اصبحوا من آل «حمو» ثم لقبوا بآل المرعبي تيمناً باحد اجدادهم الاشداء واستساغوا هذا الاسم لما له من امكانيات على صعيد الحكم وارهاب الناس.
«وجاء في تاريخ آل الاسعد المراعبة الذي الفه عبد القادر الحسيني الادهمي بناء على امر محمد باشا المحمد، احد افراد هذه الاسرة، ان مرعب من «بيكات الاكراد» قدم عكار اواخر القرن السابع عشر ومعه فريق من عشيرته واقاربه، ونصب مضاربه في قرية الشيخ جابر في سواحل عكار» (زخور8).
اما الدكتور فاروق حبلص فقد رفض هذه الحقيقة التاريخية واعاد اصل ال المرعبي الى قبيلة عربية من آل عيسى?!. ومع كل ما في هذه النظرية من موضوعية ووثائق شبه رسمية وبراعة في الاخراج فانها لا تعدو كونها نوعاً من الالتباس المقصود من ال المرعبي ومن الدكتور فاروق حبلص معاً. والحقيقة انه كان مع آل المرعبي قبيلة عربية صغيرة من آل عيسى مجندة في خدمتهم وهكذا، وللهروب من اصلهم الكردي، بعد ان شعروا بأهمية العروبة، وبعد ان كانوا يفاخرون باصلهم الكردي، كان لا بد من عمل ما لانقاذ الوضع، فادعوا نسبتهم الى آل عيسى العرب الاسدية.
ولعل الدكتور فاروق حبلص بهذا الطرح اراد ان يمهد لتبرير ما لعائلته هو، لانه يشعر في اعماقه انه لا ينتمي الى اصول عربية، بل يعود الى قبائل تركمانية? وما زال «زوق الحبالصة» موجوداً في عكار حتى الان، وان كان الدكتور حبلص من ابناء القلمون ولعل انقسام آل المرعبي الى عائلات عدة ما هو الا عودة الى ما كانوا عليه سابقاً.
وكان هدف المراعبة الاساسي هو امتلاك بلاد عكار بالكامل، وهذا ما حصل بالفعل.
فالتزامهم لمنطقة عكار كان الطريق المثالي لامتلاكها. وقد كانت جيوش بعض باشوات عكار تشبه الجيوش النظامية عدداً وعدة. اذ كان جيش علي باشا الاسعد المرعبي (وحده) في الربع الاول من القرن التاسع عشر، يضم ما بين اربعماية الى خمسماية فارس يرهبون مدينة طرابلس (حبلص 329). وهكذا كان آل سيفا ايضاً فقد كان بامكان يوسف سيفا ان يجمع اثني عشر الف مقاتل من حملة البنادق المدربين على صنوف القتال حسب شهادة قنصل البندقية في حلب يومذاك (الاب قرألي، فخر الدين ودولة توسكانا، ج1: 97).
ويتضح من ذلك كله، ان معظم الاراضي الزراعية في عكار، كانت بحوزة كبار الملاكين من البكوات والملاكين المتوسطين من الاغوات، في حين اقتصرت ملكية الفلاحين على مساحات جد ضئيلة، غالباً ما شاطرهم البكوات في ملكيتها. وقد جاء الاتراك بآل المرعبي ليحكموا عكار لا ليصبحوا شعباً عكارياً كما حصل في ما بعد، ولكن القدر شاء ان فعل بالاتراك كما فعل وسيفعل بكل مغتصب، فلم يعد امام آل المرعبي الا الرضوخ للامر الواقع، واصبحوا عكاكرة لبنانيين ولا غبار على قوميتهم وتجذرهم في الارض.
ومن هذا المنظار يمكن القول ان عكار القرن العشرين هي صنيعة آل المرعبي بكل سلبياتها وايجابياتها ـ هذا اذا كان هنالك من ايجابيات!?
استفاقة العرب
دارت كل هذه الاحداث عندما كان الفلاحون والرعاة يقبعون في جرود عكار وغالبيتهم الساحقة من السنة العرب: في منطقة فنيدق وعكار العتيقة وجبل اكروم ـ وادي خالد
وكانوا «صابرين على الضيم» ويتعبأون ألما ويجالدون. وكانت الزعامة السياسية في عكار العتيقة، وسط الجرد العكاري، ولم تكن في المنطقة الجنوبية. وبعد ان سقط آل سيفا، بدأت الزعامة العربية الضعيفة في التأرجح، حتى استقرت اخيرا في منطقة فنيدق، وبزعامة آل البعريني الاقوياء الذين بدأوا باسترداد الارض والسيادة عليها.
ولعل السبب الاساسي في انتقال الزعامة الى فنيدق هو كما يقول الدكتور جوزف عبدالله: «ثمة امران تتميز بهما فنيدق تميزا ملحوظا. الاول هو وضوح الحدود بين الوحدات القرابية (العائلات العشر) المكونة للجسم الاساسي في مجتمع فنيدق. والثاني هو درجة التماسك العميقة بين جميع هذه الوحدات القرابية الاساسية، حتى ليخال الباحث ان فنيدق بمجملها اقرب ما تكون الى العشيرة الواحدة، المنقسمة الى عدة فروع او بطون».
وكانت المهمة شاقة وتحتاج لمواقف ثورية وتضحيات، لأن السنّة العرب كان عليهم مقاتلة عشائر الهرمل والجعافرة، وآل المرعبي، والحكم اللبناني الذي وقف مع آل المرعبي وخاصة في فترة الرئيس كميل شمعون. وعندما بدأت القومية العربية بالتمدد، على ايام الرئيس جمال عبد الناصر بدأ السنة العرب في عكار يتنفسون الصعداء، حيث تعادل العرب العاربة مع العرب المستعربة.
«وعجز آل العلي، بقواهم الذاتية «النمور»، عن قمع «البعارنة»، وتلقوا درسا، في لعبة التحدي المضاد، لم تعهده عكار ولا رجالات الاقطاع فيها، منذ العهد العثماني. ونزلت بهم اشد ضربة موجعة في تاريخهم. ولم تنفع في رد الاعتبار لهم كل عمليات القمع الرسمي، ولا الحملة الشاملة وعمليات المطاردة والترويع. وبرز «البعارنة» كقوة سياسية لا تنقصها شجاعة القتال، والرد على التحدي بأعنف منه» كما يقول الدكتور جوزف عبدالله ص 112.
وهكذا لعب القدر لعبته الايجابية و«تم تعيين وجيه البعريني نائبا عن عكار لملء المقعد الشاغر بوفاة النائب سليمان العلي المرعبي». ولم تتوقف لعبة القدر عند آل البعريني وحدهم بل وصلت الامور الى حد «لفظ فيه الرئيس بوش اسم عكار بشكل سليم مرتين، وصفق له السيد عصام فارس بحرارة، بمناسبة يوم تكريم لبنان وعصام فارس» (جريدة «الديار» 27/10/1994). وعلق النائب وجيه البعريني على هذا الحدث: «... عكار شبه المنسية في عهود لبنان السابقة، تردد اسمها على لسان بطل «عاصفة الصحراء» وهو يشيد بخدمات السيد عصام فارس لوطنه وللعالم» (جريدة «الديار» 29/10/1994).
ولم يكن تساؤل الدكتور جوزف عبدالله في محله عندما قال: «فكيف ولماذا نجحت الحالة البعرينية في الانتقال من واقعها كقوة صغيرة تواجه، بعفوية صارخة، التسلط والهيمنة، الى قوة كبيرة، بل اساسية، تتربع في السلطة المركزية، في حين فشلت الاحزاب العصرية والعقائدية في إحراز نفس النجاح، وهي تخوض المعركة من موقع النشاط المؤسساتي الحديث?».
فكيف يمكن لهذا التساؤل ان يكون حقيقيا طالما ان النائب وجيه البعريني يقول في كتاب الدكتور جوزف عبدالله: «منذ احداث 1958، ادركنا معنى العروبة والتغيير، ودخــلت مــفاهيم القومية العربية الاشتراكية والوحدة والحرية بدمائنا... وكان قرارنا حاسما: نحن عرب وعلينا الوقوف في الصف العربي، ومدخلنا الى العروبة دمشق، دمشق البعث، وطالما ان اقطاع آل العلي ينظم «غوره» على خــطى غور شمعون المرتبــط بالاســتعمار واســرائيل، فلا بد ان ننظم صفوفنا على خطى قيادة امتنا العربية في دمشق»?.
وحتى ان الدكتور جوزف عبدالله نفسه يجاوب على هذا التساؤل وهو يدري او لا يدري?: «وسرعان ما انطلقت الحركة البعرينية وخطابها العفوي الى الاطار العربي فاندرجت فيه بعفوية مع سوريا البعثية ـ الناصرية اولا ثم سوريا الراهنة، منذ ما قبل بداية الحرب الاهلية 1975... بيد ان اهم عامل شخصي ـ ذاتي امتازت به قيادة «البعارنة» هو وعيها لمعنى عروبة لبنان وممارستها لهذه العروبة. لقد وقف اللبنانيون العروبيون امام خيار لعروبة تقودها سوريا، واخرى يقودها الفلسطينيون (والى حد ما العراق) لم تتردد قيادة «البعارنة» في حسم خيارهم بالوقوف الى جانب العروبة من بوابتها الطبيعية (بالنسبة للبنان دمشق)». هذا فضلا عن وصول حزبيين آخرين وهما: النائب عبد الرحمن عبد الرحمن والوزير حسن عز الدين، وهما من الفلاحين العرب وليسا من آل المرعبي.
وهكذا وعندما شعر عرب عكار بأن الارض والسيادة ليستا لآل المرعبي وحدهم، «تكتلت في انتخابات 1972، لأول مرة في تاريخها، قرى جردية ـ عكارية: فنيدق وجوارها (حوالى العشر قرى) واكروم وبعض قرى السهل... وتفاعل الجرد العكاري مع «انتفاضة» فلاحي السهل، خاصة عندما عمد اصحاب الاملاك الى تحريض الجرد (السني) طائفيا على السهل (العلوي). وكان رد الجرد سلبيا على اصحاب الاملاك» (الدكتور جوزف عبدالله: 88 ـ 98).
ويقول ابو وجيه البعريني في كتاب الدكتور عبدالله: «وفي العام 1968... بدأت تتوطد علاقاتنا بالمرحوم الشهيد خالد صاغية، خاصة مع بداية الانتفاضة في السهل. عندها جاء البكوات لتحريض الجرد طائفيا. نحن سنّة وهم علويون. كان ردنا على التحريض قويا. واتصلنا بأهلنا في السهل، نعم اهلنا لأنهم فلاحون مثلنا. ودعمناهم بالرجال ولهذا ازداد حقد البكوات علينا».
ولم يبق امام الفريقين الا الصدام والحسم، ويقول الدكتور عبدالله: اتسمت الاجواء العامة العكارية، بعد الانتخابات النيابية لعام 1972، بسعي عائلة العلي الى تأديب «البعارنة» من جهة، وبدفاع «البعارنة» عن انفسهم بكل جرأة، من جهة ثانية: اما نحن واما هم. وبقدر ما كان هجوم عائلة العلي متصاعدا وشرسا كان الرد اكثر تصاعدا وحدة... وكان محور الصراع (في فنيدق) مع الخارج مثلث الابعاد اضعفه الصراع مع جوار فنيدق في قضاء عكار، يليه الصراع مع عشائر الهرمل الذي كان اكثر حدة من الاول، والذي انتهى مبدئيا منذ مطلع السبعينات. ولكن الصراع الثالث هو الاشد والاعنف على الدوام، انه الصراع مع الاقطاع العكاري المرعبي».
ونشكر الدكتور جوزف عبدالله على جرأته وصراحته عندما قال: «وكان لما شهدته عكار في نهاية 1975 وبداية 1976 من احداث مؤسفة ان فتح ملفا جديدا، وطرح على «البعارنة» وغيرهم سياقا جديدا من النشاط السياسي. فما بين 1975 واواخر ذلك العام تعرضت بعض القرى في عكار (بيت ملات، تل عباس، القبيات، عندقت...) لمضايقات وممارسات كانت ردا مبالغا فيه وفي منحاه على استفزازات غير مسؤولة ومتهورة. وهــذا ما ادى في النــهاية الى تسعير العداء الطائفي وهدد وحدة المجتمع. ولم تهدأ الامور وتعود الى نصابها الصحيح الا بدخول قوات الردع العربية السورية الى عكار....» (ص 115) .