اعداد:انطوان شعبان

لعبت العائلة الخازنية دورا فاعلا في تاريخ لبنان ونشوء كيانه المعروف وتثبيته، نقتطف من تاريخها الحافل ما يلي:
«في اثناء نكبة الدروز سنة 4851، التي قتل فيها ابراهيم باشا والي مصر ستين الفا من الدروز، ونهب بلادهم ودمرها، وقبض على امرائهم وفتك بعيالهم، لجأ الامير قرقماز المعني الى مغارة جزين (شقيف تيرون) حيث مات، فخبأت زوجته ولديها فخر الدين ويونس في كسروان، في بيت ابي صقر ابراهيم الخازن، فتربى الامير في داره، وترعرع بين اولاده (ما يقارب الـ 7 سنوات)، ولما تولى فخر الدين امارة الجبل ولى اخاه ابا صافي رباحا، وولديه ابا نادر وخطار، وحفيده ابا نوفل اسمى مناصب الدولة. (عيّن بادىء الامر الشيخ ابراهيم مدبرا له والشيخ رباح دهقانا وقائدا للجيش)، فحكموا مقاطعات الجبة والبترون وجبيل والفتوح وكسروان والقاطع.. واصبح آل الخازن ساعد فخر الدين الايمن في مشاريعه الخطيرة في سبيل عظمة لبنان ورفاهيته.. ولآل الخازن الفضل الاكبر على توسع بني ملتهم في مقاطعات كسروان والفتوح وجبيل والجبة التي حكموها..»
و«جاء في اخبار الاعيان لطنوس الشدياق: سنة 4851 لما توفي الامير قرقماز المعني في مغارة جزين... امرت السيدة نسب (التنوخية)، زوجة الامير قرقماز، مدبرة الشيخ كيوان ان يخبىء ابنيها الصغيرين، الامير فخر الدين والامير يونس، فخبأهما في بلونه عند ابي صقر ابراهيم الخازن». (اما غضب الدولة العثمانية على الامير قرقماز فهو بسبب اتهامه زورا من قبل اخصامه بالاعتداء على اموال خزينة الدولة في جون عكار...).
«كان بنو الخازن يستميتون في سبيل بيت معن وكان هؤلاء يستسلمون الى بيت الخازن كأخلص الناس اليهم وهم دائما الى جانب بعضهم في قلعة نيحا كما في مغارة جزين، وفي فلورنسا وروميه يستغيثون بالكرسي الرسولي لتخليص الباقين من بيت معن بعد مصرع الامير، وفي موقعة الغلغول يقابلون اعظم الاخطار. وفي مزبود، وفي الحرب ضد الجيش العثماني، مات ابو صافي الخازن كمدا لان الامير منعه من المخاطرة في منازلة العدو المتفوق. وجاء في تقرير الاب روجيه: لما رأى المسلمون ان الجيش العثماني يهاجم فخر الدين من كل جهة تخلوا عنه وهكذا فعل الاروام واغلب الدروز، لم يبق مع الامير غير ابي نادر القائد العام الشهم، فقد ثبت محاربا حتى سقط آخر رجل من رجاله قتيلا او جريحا.
وجاء في مراسلات الامير الى سفير فرنسا قوله عن آل الخازن: «..الذين خولتهم الرعاية كلها وعطفت عليهم كأنهم اخوتي من لحمي ودمي ومن ابناء مذهبي..» وهكذا بفضل الخازنيين دشن الامير فخر الدين في مطلع القرن السابع عشر سياسة التساهل الديني السمحاء. لما احاطوه به من العناية والاهتمام في حماهم، في بيت الشيخ الماروني ابراهيم الخازن.
} حماية آل الجميل }
اما «بيت الجميل ففي منتصف القرن السابع عشر حدث خلاف بينهم وبين المقدمين اللمعيين، ولما ابعدهم اللمعيون عن بكفيا، جاء معظمهم الى كسروان لحمى آل الخازن، ثم ما لبثوا ان عادوا الى ديارهم لما هدأت الحال».
} موقعة الغلغول }
ساهم آل الخازن على رأس القيسيين في موقعة برج الغلغول، حيث دحر اليمنيون واستعاد بني معن السلطة «نعلم ان الامير احمد المعني بقي نحو سنتين معتصما في الجبل، اي كل مدة الحكم الالباني في صيدا، وعندما استدعي لاستلام زمام الحكم من جديد سنة 4661، ترك عزلته، وظهر على رأس اتباعه القيسيين.. واستعاد امجاده بانتصاره الباهر على اخصامه اليمنيين في موقعة برج الغلغول الواقع على ابواب بيروت في جوار المستشفى الفرنسي الحالي، وهكذا فان زعماء الجبل وعلى الخصوص بيت الخازن، قد اعتزوا بهذه الموقعة. وبدأ اليمنيون بعدها ينزحون جماعات عن لبنان».
} تخليص الحماديين }
.. ويتدخلون ايضا لتخليص الحماديين من المأزق ففي سنة 2961 «وجهت الدولة العثمانية حملة ثانية ضد الشيعيين، وعلى رأسهم الحماديون، وكادت تقضي عليهم لو لم يتدخل بيت الخازن مع رجال الدولة ويحولوا وجهة العسكر في غير طريق، وبذلك افسحوا المجال الى الحماديين لكي يتراجعوا الى موضع امين، واكتفى العسكر بنهب ماشيتهم، وكانت تقدر بثلاثة عشر الف راس».
} الشهابيون والخازنيون }
في اوائل القرن الثامن عشر، ناصبت الاحزاب اليمنية العداء للامير حيدر شهاب وتولى مكانه «الامير يوسف علم الدين، فهرب واختفى في مغارة عزرائيل» في الهرمل، وارسل عياله الى محلات المشايخ الخوازنة الذين اخفوهم في بعض قرى كسروان، وكانوا يقدمون لهم كل ما يلزمهم، ويرسلون الى الامير حيدر الذخائر وينجدونه بالتدابير والآراء السديدة».
ويتجلى دور الخازنيين في تاريخ الامارة اللبنانية، في حضانتهم لاميري لبنان الكبيرين، فخر الدين كما اسلفنا، والامير الشهابي بشير الذي نشأ في رعاية آل الخازن... وفي فيء السنديانة الخازنية ترعرع «ولد الامير بشير في 6 كانون الثاني 7671 وبعد ثلاثة اشهر ونصف توفي والده الامير قاسم ثم ما لبثت والدته ان تزوجت فاقيم منصور الشدياق من عشقوت وصيا عليه وعلى اخيه الامير حسن ووكيلا على الاملاك، وسنة 9671 استقال منصور من وكالته فأقام البطريرك يوسف اسطفان عوضا عنه وصيا عليهما صديقه الشيخ بطرس نوفل الخازن، لما كان يعهد فيه من الفضل وحصافة العقل، فاعتنى بتربيتهما خير عناية. وبقي الامير بشير كلما سنحت له الفرصة يسأل عن شجرة السنديان العظيمة التي امام بيت الشيخ بطرس في القليعات، وكان يوصي بالحرص عليها لجمال منظرها وظرافة موقعها وعلى الخصوص لانه قضى شطرا لذيذا من حياته في ظلها.
} ...ومع الامير يوسف }
وكانت تربط الخازنيين ايضا علاقات مميزة مع الامير يوسف شهاب و«في سنة 7671 تقرب المشايخ الخازنيون من الامير يوسف، فاعزهم وولى منهم الشيخ رامح بن حيدر بن قيس على لحفد وترتج وجاج، وجعلها مقاطعة خاصة به وبذريته».
} احترام امتيازات لبنان }
كان من الواضح في كثير من الوثائق التي يحفظها آل الخازن دورهم في المحافظة على استقلال لبنان وحفظ اميتازاته و«على اثر اعلان اللبنانيين ثورتهم على الاحتلال المصري في ايار 3281، كتب اللورد بلمارستون الى السفير الانكليزي في اسطنبول، ان يسعى جهده لدى الباب العالي، ليحمله على اقرار الامتيازات التي ترضي اللبنانيين، وللحال اسرع سليم باشا، قائد القوات العثمانية، وكتب في شهر ايار الى البطريرك الماروني وآل بيت الخازن متعهدا لهم صراحة، باحترام امتيازات اللبنانيين المكتسبة». («تاريخ الانساب» للاب فيليب الخازن).
} امتيازاتها }
كان للعائلة الخازنية عدة امتيازات هي:
اولا: الاشتراك مع اعيان الطائفة في انتخاب البطاركة.. الا ان هذا الامتياز اندثر بعد المجمع اللبناني.
ثانيا: حراسة ابواب المجمع عند انتخاب البطاركة: منذ ان الغيت العادة بان يشترك الاعيان مع رؤساء الطائفة بانتخاب البطريرك، درجت العادة بأن يتولى حراسة المجمع اثنان من العائلة الخازنية، واحد من مشايخ عجلتون والثاني من مشايخ غوسطا، يعينهما اساقفة المجمع.
وهذا الامتياز ما زال معمولا به، ففي انتخاب البطريرك الحويك 9981 كان الحارسان رشيد صالح الخازن وكسروان الخازن، وفي انتخاب البطريرك عريضة كان الشيخان فؤاد شيبان الخازن وانطون ميلان الخازن (وفي انتخاب البطريرك خريش كان الشيخان الياس الخازن ورفيق الخازن، وفي انتخاب البطريرك صفير كان الشيخان الياس الخازن ورشيد الخازن).
ثالثا: ارسال البطريرك الجديد رسائل البشائر باسم بيت الخازن..
رابعا: الحق بتعيين المطارين لبعض الابرشيات. فقد قال العلامة الدويهي: في هذه السنة، 8561، عاد الى بلاده القس سركيس ابن الجمري الاهدني من فرنسا. فقدم على يد الشيخ ابي نوفل الخازن الى رئاسة كهنوت ابرشية الشام، وعلّق على ذلك ناشر الكتاب فقال: كانت العائلة الخازنية تنتخب ثلاثة مطارين فأبرشية بعلبك يكون انتخابها من مشايخ بيت ابي قنصوه، وابرشية دمشق من مشايخ بيت ابي ناصيف، وابرشية حلب من مشايخ بيت ابي نوفل، وذكر في مخطوطات الاب يوحنا السبعلي ان هذا الحق كان لهم قبل المجمع اللبناني وبقي معمولا به نحو اربعين سنة بعد المجمع المذكور.
خامسا: الحق بكتابة خاصة من البطاركة في انتخاب المطارنة، اي يطلب البطريرك من آل الخازن ان يقدموا له ثلاثة اشخاص من الكهنة ذوي الاهلية لكي يختار مع مجمع الاساقفة واحد منهم ويرقيه الى الاسقفية اذا وجد اهلا.
سادسا: حضور المجامع الطائفية والتوقيع عليها، فقد حضر المجمع اللبناني ثلاثون شخصا من بيت الخازن ووقعوا عليه من آباء المجمع، وبعد المجمع اللبناني حضر عدد منهم مجمع عين شقيف واشتركوا ببعض جلساته، ثم مجمع بكركي الاول ومجمعها الثاني.
} امراء الموارنة وقناصل فرنسا }
من الثابت تاريخيا ان ملك فرنسا لويس الرابع عشر قد منح آل الخازن لقب امراء الموارنة في جبل لبنان. واقامهم قناصل لفرنسا في بيروت. ومما جاء في براءته الى الشيخ حصن الخازن: «... معلنا لكل ربان وتاجر تحت لواء فرنسا ان يعرفه قنصلا بقطع النظر عن الاوامر الصادرة في 11 آذار 5861 الناطقة ان لا يقام رجل اجنبي على تلك الوظيفة. لكنه بالنظر الى خاطر الامير حصن قد تعدينا تلك الاوامر ونتعداها بتفويضنا اليه ادارة تلك القنصلية...».
لعب آل الخازن دورا هاما في تاريخ الجبل وحماية مسيحييه وقد «جاء في تقرير الاب فلوريو اليسوعي، قيم رسالات الشرق في باريس الرسل الى الملك لويس الرابع عشر في 31 تشرين اول 8961، قوله عن الخازنيين: «... وهم حماة الموارنة وانصارهم، ولولا نفوذهم لما استطاع النصارى في لبنان ان يقوموا بمراسم دينهم...» («تاريخ الانساب»).
} البطاركة }
عرفت العائلة الخازنية عددا كبيرا من مشاهير رجال الدين في لبنان، ونوجز ما جاء عن سيرة حياتهم في «كتاب الانساب» للأب فيليب الخازن، كما يلي:
} البطريرك يوسف ضرغام الخازن }
انتخب بطريركا سنة 3371، ونال براءة التثبيت من البابا اكليمنت الثاني عشر على يد وكيله القس عبدالله سرور. وفي ايامه التأم المجمع اللبناني في دير سيدة اللويزة 6371. وفي ايامه ايضا اثبت البابا اكليمنت الرهبنة اللبنانية بموجب براءة بتاريخ 13 آذار 2371. توفي في دير ريفون في 31 ايار 2471 ودفن في كنيسة مار الياس بغوسطا.
} البطريرك طوبيا الخازن }
انتخب بطريركا في 82 شباط 6571 في كنيسة مار يوسف في عينطورة، ونال التثبيت من البابا بندكتوس الرابع عشر بموجب براءة مؤرخة في 03 نيسان 6571. توفي في 91 ايار 6671 ودفن في كنيسة سيدة عجلتون.
} البطريرك يوسف راجي الخازن }
انتخب بطريركا في دير ميفوق في 81 آب 5481، نال درع التثبيت من البابا غريغوريوس السادس عشر في 91 كانون الثاني 6481، على يد وكيله المطران نقولا مراد. وفي هذه السنة، حضر الى عين ورقة وجمع اليه بعض الاساقفة وكبار اقاربه والشيخ يعقوب البيطار وبعض وجوه الاهلين واصلح بين المشايخ بني الدحداح وبني حبيش...
توفي في 3 تشرين الثاني في الديمان 4581. ودفن في قبر الحبيشي.