P07 – 24 – 04 – 1988

«لبنان الثقافة والتغيير»
إعلان أهداف ومواعيد ندوات
«لبنان الثقافة والتغيير» عنوان المؤتمر الذي تم الاتفاق على عقده في مقر «الحركة الثقافية – انطلياس» في القاعة الكبرى دير مار الياس انطلياس ايام الجمعة والسبت والاحد 6 و 7 و 8 ايار 1988 وبمشاركة الهيئات الثقافية اللبنانية كافة۔ وقد شكلت من بين اعضائها امانة سر قامت بالاستعدادات والتحضيرات، ومنها خصوصا الاتصال بالهيئات الثقافية والمثقفين الافراد للمشاركة في هذا المؤتمر۔ وقد بلغ عدد الهيئات المدعوة نحو استين ستلتقي وتتحاور في اكبر تجمع من نوعه حصل في لبنان حتى اليوم۔
ولكن لماذا تطرح الهيئات والحركات الثقافية، موضوع «الثقافة والتغيير» في العام 1988 وبأي معنى؟
الجواب جاء في بيان للهيئات الداعية الى المؤتمر تلاه انطوان سيف في لقاء صحافي عقد قبل ظهر امس في الحركة الثقافية انطلياس۔ قال:
تريد الهيئات والحركات الثقافية ان تنتقل من المعالجة الجزئية لموضوع الثقافة في لبنان، الى المعالجة الشاملة والمباشرة لموقع الثقافة في لبنان ودورها في اعادة بناء لبنان۔ يهم كل حركة ثقافية مشاركة، بما هي حركة ثقافية ملتزمة ان تكشف عن طبيعة العلاقات القائمة في المجتمع اللبناين بين النشاطات الثقافية وسائر مستويات النشاط في هذا المجتمع، وذلك تمهيدا لتنشيط التغيير في لبنان بواسطة الثقافة، فالنشاطات الثقافية في لبنان كثيرة، متنوعة ومبعثرة۔ والمبادرات الداعية الى تفعيل الثقافة وتقوية دورها في المرحلة الآتية من تاريخ لبنان كثيرة ايضا، وغير منسقة۔ ولذلك يبدو الجو العام ملائما لكي يعتبر موضوع الثقافة في لبنان، برمته موضوعا للتفكير من زاوية التغيير واعادة بناء لبنان۔
ان موضوع «الثقافة والتغيير» ليس موضوعا لعام واحد۔ انه موضوع لاعوام عدة وهو في الحقيقة الموضوع الاساسي للحركات الثقافية المشاركة۔ وطرحه في هذا العام يأتي انضاجا لمحاولات عملية اعادة بناء لبنان بالثقافة وتوجيه الثقافة نحو الاسهام بعملية اعادة بناءأ لبنان، كما يأتي تحضيرا لنقلة نوعية تود الهيئات الثقافية اللبنانية ان تقوم بها على صعيد العمل الثقافي في لبنان كله۔ فالهيئات معنية بالثقافة كعامل تغيير في لبنان ولكنها ليست الوحيدة التي تعنى بهذا الامر، وقد اكتشفت ان الظروف اصبحت اكثر تهيؤا لكي تنتقل الى مرحلة جديدة من تنسيق وتنشيط وتنظيم العمل الثقافي في لبنان بالتعاون مع سائر المثقفين والهيئات الثقافية المعنية بها وبهدف اقامة تيار ثقافي تغييري واسع مضامينه واساليب تأثيره في تغيير المجتمع اللبناني۔
مؤتمر «الثقافة والتغيير» يتزلف من سبع جلسات موزعة على ثلاثة ايام يفتتح في الساعة الخامسة من بعد ظهر الجمعة 6 ايار 1988 ويختتم عشية الاحد 8 ايار 1988، وتتألف كل جلسة من رئيس، ومدير، ومحاضرين، ومحركين، يشكلون جميعا في هذه الجلسات السبع نحو السبعين مفكرا، بينهم خمسة مفكرين اوروبيين معروفين، بالاضافة الى الجمهور المشارك الذي يضم ممثلي الهيئات الثقافية المختلفة وعدد كبير من المثقفين المدعوين بصفتهم الشخصية الثقافية۔
ويهمنا ان نؤكد على ان التحضيرات للمؤتمر لم تخل من بعض التقصير في مجالات عدة، نذكر منها عدم قدرتنا على مقابلة بعض الهيئات الثقافية المدعوة، مقابلة شخصية وذلك لصعوبة الاتصالات، وقد قمنا بذلك بالوساطة۔ بالاضافة الى التقصير الذي يمكن ان ينشأ عن التعثر في ارسال بعض دعوات المشاركة في المؤتمر۔ نتقدم من الجميع باعتذارنا سلفا عن كل هذه السلبيات غير المتوقعة وغير المقصودة۔
برنامج المؤتمر:
6 ايار 88 – الساعة 17:
الجلسة الاولى: ثقافة التغيير في لبنان منذ الحرب العالمية الاولى
الرئيس: خاتشيك بابيكيان۔
المدير: حسن صعب۔
المحاضرون: احمد البعلبكي – انطوان خير – عمر حلبلب۔
المحركون: جوزف ابو نهرا – انطوان ضومط – بطرس لبكي – رباح ابو حيدر۔
7 ايار 88 – الساعة 10 – 12 / 15 – 17
الجلسة الثانية: الثقافة التغييرية والثقافة المحافظة في لبنان اليوم۔
الرئيس: منح الصلح
المدير: انيس مسلّم
المحاضرونك معن زيادة – هيكل الراعي - احمد بيضون – روبرتو فورميغوني۔
المحركون: سمير خوري – لطيف زيتونه – عادل الراعي – مطانيوس حلبي۔
الجلسة الثالثة: موقع الثقافة في المجتمع اللبناني۔
الرئيس: علي سعد
المدير: سمير فرنجية۔
المحاضرون: فريدريك معتوق – فهمية شرف الدين – جان شرف – رينه ريمون۔
المحركون: جوزف باسيلا – خالد زياده – انطوان مسره – جبران حايك۔
الجلسة الرابعة: الشروط اللازمة لثقافة تغييرية شاملة۔
الرئيس: محمد البعلبكي۔
المدير: ميشال عقل۔
المحاضرون: ناصيف نصار – حسين ضناوي – ساسين عساف – بول تيبو۔
المحركون: فيكتور الكك – الهام كلاّب البساط – موريس ابو ناضر۔
8 ايار 88 – الساعة 9 – 11 / 30،11 – 30،13۔
الجلسة الخامسة: تفعيل الهيئات الثقافية
الرئيس: مانويل يونس
المدير: رشيد جمالي۔
المحاضرون: حافظ قبيسي – منيف موسى – ابراهيم بيضون۔
المحركون: نزيه كباره – عبدالله زخيا – احمد سويد – انطوان بطرس۔
الجلسة السادسة: مراجعة وتقويم
الرئيس: الاب سركيس الطبر
المدير: رشيد جمالي
المحاضرون: حافظ قبيسي – منيف موسى – ابراهيم بيضون۔
المحركون: نزيه كباره – عبدالله زخيا – احمد سويد – انطوان بطرس۔
الجلسة السادسة: مراجعة وتقويم
الرئيس: الاب سركيس الطبر
المدير: انطوان سيف
الممثلون: مفيد ابو مراد – كامل الحسيني – عصام خليفه – مصطفى دندشلي – بول خوري – سمير سعد۔
اختتام المؤتمر: الساعة 30،13
من اجل ميثاق ثقافي وطني
المكان: القاعة الكبرى دير مار الياس۔





جاد الحاج: أنا الوطن والخطر عصب المغامرة
خرجت من الجغرافيا لأرسخ صوتي في لحظة التاريخ
جاد الحاج الصحافي، الشاعر، الناقد، «السندباد» الدائم، عاشق التجدد والتجريب، غير الخائف من التجارب، واخيرا جاد الحاج الروائي، المهاجر المقيم، والمقيم المهاجر، جاد الانسان: من كتاباته تعرفه، وتعرفه من عودته الى الينابيع وعشقه هذه الارض التي تلتمع في قلبه وتتفتح في افق عينيه اينما حل وكيفما تحول۔
عاد من اوستراليا، هذه المرة، حاملا روايته الاولى: الاخضر واليابس، وقد نالت جائزة قيمة من الدولة هناك۔ ومع الرواية ديوان شعر، بالدارج الراقي، عنوانه «دارج» كان عالم جاد الحاج الشعري والقصصي بدأ يشع في «قطار الصدفة» 1973، وفي «26 قصيدة» 1979 ثم في «واحد من هؤلاء»۔ قال عنه يوسف الخال: «هو قامة مديدة تتفيأ في ظلها حركة شعرنا الحديث» فما عسى نقول عنه اليوم؟
انه في خلقه الادبي عاشق الجدة والجديد۔ يموت اذا استقر، لا يستقر في لغة ولا يستقر في مكان۔ يريد ان يقول ما هو ابعد من اللغة وان يسافر الى ما هو ابعد من الجغرافيا۔ قلقه من الحياة واعمق منها واسمى۔ قلقه هو قلقنا۔ يبتعد ولا يتخلى عن همومنا واحلامنا۔ يحملها في دخيلته كقنديل۔ انه كعصفورته، في الرواية، يعود الينا لينقر الرتاج من الخارج بمنقاره المعقوف ويسهل لبلابلنا المعذبة ان تتحرر وتعلو وتطير وتبني اعشاشها في الامن والاطمئنان والكلام له۔
-كتبت عن الوطن وانت غائب وكتبنا ونحن في قلب المعاناة، فمن اجره أعظم؟
* انا الوطن۔ عندما لا يعود الانسان هو الوطن لا يعود الوطن وطنا۔ وعندما لا يحمل الشاعر في خلاياه كل وطنه يغتبر ينفصل ويصبح اخر۔ انا لم افعل ذلك ولا استطيع فصل نفسي او بتر اي عضو من اعضائي المرئية وغير المرئية۔ كل ما في وما بي لبنان۔ لذلك السؤال في غير محله۔ فالاخضر واليابس هي الجواب۔ في هذه الرواية برهان على مقولة القرب في البعد۔ فكلما ابتعدت في الجغرافيا اقتربت في الروح وباتت معاناتي اشمل، اكثف واكثر تورطا في ماهية وطني وقدره۔ وان ارى في مماحكة البعد والقرب كوميديا عبثية لا تؤدي الى شيء جوهري۔ كل روائيي وشعراء العالم الثالث ابتعدوا عن ناعورة البؤس وعن مهزلة السياسة في بلدانهم لا ليهربوا كما فعل التجار والصيارفة وابناء الست بل ليسطعوا بضوء اقوى وبحقيقة معاناتهم على ارضهم وشعوبهم۔
المهم في المسألة ليس البقاء الفيزيكي في الداخل او الخارج بل مكان الاقامة في التعبير۔ ولقد رأيت ان بعض الذين عاشوا كل سنوات الحرب في الداخل كتبوا تهريبات الى الخارج كي يتمكنوا من احتمال الداخل۔ بينما حتى شعراء الزجل الذين هاجروا منذ عشرات السنين ما زالوا يصيحون في اتجاه الارض وينشدونها في كل ما يكتبون او ينشرون۔ هل تريدني ان اذكرك بجبران عبقرينا العالمي الوحيد في المئة سنة الاخيرة۔
-لم الرواية بعد الشعر وأي اصعب كتابة الشعر او الرواية؟ وكيف رسمت الحدود بين تاريخنا ومعاناتنا وروايتك؟
* «اعتقد ان التيارات العامة في الادب الدارجة والمقروءة والحاصل فيها نوع من الغليان الراهن لا بد ان توثر في كل من يتعاطى الادب۔ فالرواية، اليوم، هي الفن الاكثر شمولا وطواعية وانفتاحا على التجريب۔ اننا كشعراء لا نجرؤ على القول جهاراً: الشعر خبا! فمن يقول مات ولدي؟۔۔ انت تعرف وانا اعرف ان الفعل الشعري اي العلاقة الحيوية بين القصيدة والانسان لم تعد في حال صحية منذ اشتداد وطأة الفنون السمعية البصرية وارتفاع سرعة الزمن۔ الشعر فن التأمل والتعامل مع الرهافة في الحس وفي العاطفة۔ والشعر من هذا المنطلق لم يسقط بل تحول الى الانخراط في التيار العام۔ انتقل من القصيدة الى الصورة۔ الى السينما والتلفزيون وحط معظم رحاله في الرواية۔
همنغواي كان شاعرا۔ باسترناك، ماركيز، جويس، تولستوي، دوستيوفسكي۔۔ وكلهم فتحوا الشريان على مداه في اتجاه الرواية۔
بالنسبة الى كتابة الشعر اسهل من كتابة الرواية۔ ففيها نوع من الولادة السريعة من الخلاص الراعش والمتوهج والحاصل في زمن قصير۔ ربما لانني تعودت كتابة الشعر على فترات متقطعة كنت خلالها استسلم لحال التلقي وانسكن بالصور والبوح والهلوسات۔ فكانت الحياة ممزوجة بالكتابة مستخلصة منها ومستمرة بها۔ اما في الرواية فعلى الكاتب ان يوقف حياته رهنا لحياة ابطاله۔ ولا تستطيع ان تعيش شيئاً لا يعيشونه او تشعر بشيء غير مشاعرهم۔ من هنا كان الامر بالغ الصعوبة۔ فانا معتاد، كما تعرف، على التجوال والمغامرة۔ وكان علي ان اسجن نفسي سنتين في بعيد قصي وفي صراحة لا تليق بأي غجري مهما ساء حظه۔ الا ان «الدعوة» التي تلقيتها لكتابة الرواية كانت مغرية بسبب الخطر الكامن فيها۔ ولأن الخطر عصب المغامرة قلت نعم۔
اما الحدود بين الرواية والتاريخ فهي اشبه بالفارق بين النبأ والحدث۔ في التاريخ تقول: «حدث كذا۔۔ في يوم كذا۔۔» وفي الرواية عليك ان ترسم، انسانيا، ما الذي حدث فعلا وكيف كان النهار۔
-بين ابطالك من حياته العنف وبينهم اللاعنفيون۔ بينهم المنسحبون والآخرون الملتزموون۔ أين تقف أنت؟
* انا واحد من هؤلاء قلت سباقا ان معايشة الابطال هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن واقعهم واولئك الذين ذكرتهم في سؤالك ما كان بامكاني رسمهم لو لم اتورط بشكل او بآخر في نفوسهم۔ اما موقفي الشخصي من الحرب فلم يتغير منذ بدايتها۔ كل ما كتبت وما قلت علنا او همسا صب في رفضي القاطع لتقسيم لبنان ولتحويله الى هونغ كونغ، انا مع وطن اكبر من حدوده متفوق على تناقضاته منتصر على نزعاته ومشرق في موقعه۔ بينما الوطن المطروح من فوهة البندقية هو طلقة في صدر الوطن المحلوم به والمطلوب قيامه۔ ومن اجل هذا الموقف كان لا بد لي ان اخرج من الجغرافية كي استطيع ترسيخ صوتي في لحظة التاريخ۔
- جاء الحاج ينطلق من التراث او يقفز فوقه؟
* انطلق من التراث لانني اعي بوضوح ان استمرار النمط الذي بدأ منذ النصف الاخير للقرن العشرين كان بداية تكوين الخميرة الاساس للرواية اللبنانية۔ جبران، نعيمه، عواد، سعيد تقي الدين، تلك هي ابرز المعالم في مسيرة روايتنا۔ لدينا طريقة عيش واسلوب تفكير وتعامل واداك من الفحش التاريخي التغاضي عنهما والاستسلام للموضة الثقافية الدارجة في العالم على غرار ما يحل بنا في «السنو بيسم» الاجتماعي۔ انا اغرف من خاصية الانسان اللبناني ومن البئر التي انحفرت في داخلي على مر السنين وكانت دلاء قصص جدتي مياهها البكر۔ تأثرت كثيراً بسعيد تقي الدين وما زلت احب سخريته وقرعاته اللغوية۔ وغرقت من توفيق عواد بنهم في حداثتي ثم كرسحني مارون عبود، فكنت حفظ مقطوعات نثرية له عن ظهر قلب۔ واروح كالدرويش ارددها وانط الراعي المكعب ذو الانف الافطس والبثور في وجهه كطلائع الزنجار۔۔ السنديانة وخوري الضيعة وشكل الحجر والضوء ونكهة الانسان كل هذه خميرة من معجن مارون عبود۔ كيف استطيع الا اخبز بها وآكل۔
ثم انا ابن الضيعة عشتها وعشت فيها۔ زرعت ونكشت وشقفت حطبا وقعدت مع الراعي وقرب الكركة وذهبت مع الحصادين وكانت نقيفتي اصوب من بنادق ايامنا۔ لكن لتجربتي، ايضا، مع الرواية كناقد وقارىء، دورها في تكوين التزامي بالتراث۔ فبعد عشرات السنين ومئات الكتب ادركت ان العودة الى الاصول هي المحك بالنسبة الى ارادتنا في الاخلاص لجوهر الابداع۔
ان استمرار الحياة في جبلنا مرهون بمقدار وعينا لاسس التركيبة الزراعية الاقتصادية المثلى التي عاشها جدودنا وبها بنوا ما لم تستطع اية حرب مهما استشرست ان تهدمه۔ حتى اليوم المناطق النظيفة والحية والاصيلة في لبنان هي القرى نفدت بريشها من منتفة الحرب۔ اما المناطق الباقية فقد تعهرت وتشوهت واحترق فيها الاخضر واليابس۔
-في كل رواية شبح او طيف او رمز يدخل في اللعبة ليكون طاقة على التحويل بالخيال من واقع محدود الى آفاق لا تحد؟ فهل تمثل صورة الاب شيئا من هذا؟
* شخصية الاب في الاخضر واليابس هي الشبح المرافق لخطوات البطل من اول الرحلة الى آخرها۔ والاب هنا مثال۔ فبقدر ما كره جبران صورة الاب وحط عليها سلبياته ومثالب مجتمعنا رأيتني ارصد للابوة مبلغا من التقدير واجعلها مجالا للتعبير عن مثالية مفقودة۔ آدم، بطلي، فقد والده ولم ينس تعاليمه۔ فكان شبح الاب رفيق الابن، محاوره والحكم الذي دفعه الى الصمود بوجه اخطبوب الحرب۔ بالطبع لهذا مصدر شخصي فانا فقدت والدي باكرا وعرفت في جدي والدا مثاليا قطرت من شخصيته الكثير في كؤوس متعددة وزعتها بين شخصيتي الحكيم والاب۔
اما كيف بالامكان معالجة الموضوع من منطلق مثالي دون السقوط في مطب الخطابة فينبغي اقتحام تناقض المثالية حتى المواجهة الاخيرة۔ «ادم» مثالي والواقع حوله مغير تماما لمثاليته۔ يحاول ان يتفادى المواجهة۔ يرحل اسرته ينغمس في العمل الاجتماعي۔ يبتعد عن خطوط التماس العامة والخاصة ولكنه في النهاية يسقط في وسط الكارثة يجد في يديه بندقية وقرب رأسه مسدس وامامه ضحية فاما يقتل او يموت۔ اريدك ان تضع نفسك مكانه!
- «الموت او القتل تلك هي القضية»؟ هذا ما قلته انت! ولكن القضية الاقوى والاكبر هي تآمر الاقوياء على الضعفاء والاشرار على الخيرين فما رأيك؟
*انا مهتم بالانسان اولا۔ يعني بمواجهته وظروفه ومشكلاته۔ اما الاسباب الكامنة وراء تلك المشكلات فهي من صنيعة التاريخ ومن مواليد الظروف۔ فالانسان الذي لا يعي ما تدفعه اليه القوى السياسية المحيطة به من واجبي ان اتعامل مع تفجير هذا الوعي۔ وما دفعي ببطل القصة الى اقصى حالات المواجهة الا محاولة لخلق الرجة الكفيلة باستصدار الوعي لان الكاتب الذي يأتي بالاجوبة لا يفعل شيئاً۔ بل ذلك الذي يطرح اعمق الاسئلة هو بنظري الكاتب الحق۔ فالكاتب يستطيع ان يخلق مشكلات جديدة، بديلة من شأنها فض المشاكل القديمة لا ان يحل المشاكل المطروحة۔
- ظهر لك ديوان «دارج» وباللغة الدارجة؟ اهذه ازدواجية ان تكتب رواية بالفصحى وديوانا بالمحكي الجميل؟
* ان تحويل الشكل الى مضمون عملية بلا فحوى۔ فالكتابة ان تقول۔ اما كيف تقول فهذه مسألة خاصة جدا۔ انت تجد ادواتك حيثما تخدم تعبيرك۔ واللغة هنا شكل، هناك من يتعاطى مع هذا الموضوع من منطلق الموقف المسيس حيال اللغة ولي ان اضحك من هؤلاء لانهم لا يعرفون ماذا يفعلون۔ غير مرة طالبت بتشريع النوافذ وفتح الابواب۔ والكتابة بالمحكية تنطلق عندي من الحاجة الى اللصوق والاقتراب قدر الامكان من المنطوق والحي في التعبير الشفهي۔ واعتقد ان ابتعادنا عن اللسان يستدرج بالضرورة ابتعادنا عن الحيا۔ ففي كتاباتي الفصحى استشف باستمرار لكنه الكلام واساليبه والوانه۔ وفي المحكية اتريض في مجالاته۔
- لو لم تكن الحرب اللبنانية التي اوحت لك ما كتبت عم كان يمكن ان تكتب؟
* لعل الاجابة الاكثر بساطة تكمن في المقارنة بين «قطار الصدفة» كتابي الاول و «26 قصيدة» مجموعتي الثانية۔ في «قطار الصدفة» كان البحث عن الذات من خلال المغامرة في السفر ومواجهة العالم هو الموضوع المركزي۔ بينما جاء الصوت جريحا متألما في «26 قصيدة» لان الشاعر فقد استرساله في المؤامرة منتبها الى ان الارض التي غادرها ليغامر باتت معرضة للذئاب واخلراب وكانت لفتته مؤسية وصرخته موجوعة وموجعة۔ لذلك ربما تحولت الى كاتب رحلات لو انني لم اتحول الى رحالة كل آفاقه مردودة الى قريته وكل دروبه موصولة بشريانه الاول۔
- لنخرج على سباق الاسئلة: كيف حال اللبنانيين في اوستراليا؟
* اللبنانيون الذين هاجروا قبل الحرب، الى اوستراليا يعيشون واقعا مختلفا او مميزا عن اولئك الذين اجبرتهم الحرب على الهجرة۔ حياة الاولين مستقرة، لبنانهم غير مدمر في ذاكرتهم۔ تراهم بشكل غير واع يقاومون قبول الوضع الراهن باستحلام لبنان كما يعرفونه سابقا۔ ولذلك يبتعدون تلقائيا عن لبنانيي الحرب۔ وهذا شرخ اضافي تعانيه الجالية يزاد على انقساماتها المستوردة من الوطن۔ الطائفية موجودة۔ المذهبية۔ الاقليمية الملحية ابناء الشمال وابناء الجنوب وما تبقى۔۔ ومع ان جاليتنا هي الرابعة من حيث الحجم في الجاليات الاثنية الموجودة في اوستراليا فحضورها المعنوي ضعيف مفكك وغامض۔ لا شيد هناك اسمه الجالية اللبنانية بالمعنى الكامل في اوستراليا او في اي مهجر آخر۔ ولعل الظاهرة الاخطر ان الجيل الثاني من جاليتنا بات اكثر تعرضا للذوبان۔ مما قبل۔ لان الاولاد والشباب من اصل لبناني يندفعون نحو التخلص من هوية اهلهم بقوة اساسها الخزي الذي لحق بنا بسبب بربرية الحرب الراهنة۔
حادثه: ربيعة ابي فاضل



مجلس المتن في يوبيله الفضّي:
سهرة موسيقية لاستنهاض همم
وتخطياً لعبوس وتذكيرا بمجد
في اطار الاحتفالات بيوبيله الفضي وبرعاية رئيس الجمهورية الشيخ امين الجميل، اقام مجلس المتن الشمالي للثقافة امسية موسيقية – غنائية مساء امس الاول في قاعة محاضرات مدرسة الحكمة – الجديدة احياها خريجو المعهد الموسيقي الوطني۔
مثل رئيس الجمهورية في الاحتفال محافظ جبل لبنان سميح الصلح والقى كلمة في المناسبة كما القى كلمة مجلس المتن رئيسه سمعان كرم۔
حضر الامسية بعض السفراء الاجانب والعرب وحشد من الفعاليات الفنية والثقافية۔
*السيد سمعان كرم، رئيس مجلس المتن الشمالي للثقافة قال:
هذه العشية، في قلب يوبيلنا الفضي، شئناها استنهاضا لهم، وتخطيا لعبوس، وتذكيرا بمجد۔ ولطالما كادت اللوعة على فقد اسياد النغم والحرف وعذوبتهما تخمد من عزائمنا، وتخلع على مجلسنا السآمة۔
تبعثرت قيم، وتبدلت مفاهيم، وتساوت قباب بوهاد، فما عاد النقش نقش ريش وازاميل، ولا البث بث اوتار شجية۔
فالمسافة كبيرة، والمدى مقلق۔۔
ان مجلسنا فقد ميخائيل نعميه، وعاصي الرحباني، ومن قبلهما كبارا كبارا في البدع۔ مع ما رافق هذا من تشريد قسري لبلابل لا تلقى انفسنا والقلوب الا في صداحها والشدو۔
ثم ان وطنا تميز، عبر تاريخه، بزرع رايات الحرف والنغم، حيث حلت جهالة وخيم جور۔ تراه منذ ثلاث عشرة سنة اسير الكفر بالنور وبالقيم۔ حتى غدت انعامه زفرات وناوى وقهقهات طغاة۔ وكلماته صولات السنة عبثية حاقدة۔ ومع كل هذا نأبى الا ان نجاوز الواقع الاليم، في عودة الى ينابيع يشتاق اليها في زمن العطش والجفاف۔ والى ماض كنا فيه اسياد كلمة ونهضة، ونغم، بينما غيرنا في ضياع وخدر۔
ان امسية كهذه، يرعاها رئيس البلاد الشيخ امخين الجميل، الذي صح فيه قول امير الشعراء احمد شوقي:
من فل جيش، ومن انقاض مملكة
ومن بقية شعب، جئت بالعجب
ان امسية كهذه، يرعاها رئيس الجمهورية ممثلا بمحافظ جبل لبنان الاستاذ سميح الصلح، وتحييها باقة عطرة من خريجي معهدنا الموسيقي الوطني، وتحيط بها هذه الضمم الكريمة من قادري رعشة الوتر،ونقش اليراعة، ودورهما في تكثيف انسانية الانسان فينا، لهي تأكيد على ان شعبا عاش على النغم، وتغاوى كما حروفه البكر، سيستمر في اكمال رساتله الانسانية والحضارية، حتى يستعيد الحق عافتيه، ويتلاشى الشر، ويهنأ بال من رسموا لنا طريق الابداع والمجد بمداد من نور۔
*وقال محافظ جبل لبنان السيد سميح الصلح ممثلا رئيس الجمهورية الشيخ امين الجميل:
تراثنا غني، وتاريخنا مجيد۔۔
وما كان تراثنا الا هذا الجهد الذي بذله رجالا عظام، سطر التاريخ لهم جزيل الفضل في النبوغ والابداع۔۔
من شواطئنا انطلق الجدود، يجوبون البحار بشراعهم ويراعهم، لينشروا في الافاق المترامية، اسسا جديدة للعلم والثقافة، فتنطلق من جرائها المدنيات وتبني عليها الحضارات۔۔
لقد جعل الطموح ارض لبنان تضيق على نفوس ابنائه، فانطلقوا يغزون الدنا بالحرف ليبزع فجر نوراني وتطلع على العالم شمس جديدة اسمها الابجدية۔۔
ترامت مطامحنا الى الافاق البعيدة، من اجل الوطن، من اجل هذه البقعة الصغيرة في جغرافية الارض، التي وهبها الخالق نعمة الجمال والعطاء، فرحنا نعلي البنيان، ونشيد الصروح: حرية في الرأي والتعبير، وتسامي في العقائد والمبادىء، وايمانا مقدسا بالدين، وتآلفا في العيش والحياة، حتى حسدنا العالم كله على ما نحن فيه، واعتبرونا نموذجا فريدا يحتذى به في هذه الدنيا۔
ذاك هو النهج الذي رسمه لنا الاباء والاجداد، وذاك هو الناموس الذي حيينا به في وجودنا الانساني، فلا عجب ان انتشرت في ربوعنا لآلىء المعرفة، نحيلها صنائع جميلة، وتكون لنا المنتديبات والجمعيات والمجال الادبية والثقافية التي تغذي العقول، وتنير الانفس۔۔
وما مجلس المتن الشمالي للثقافة الا احدى تلك اللؤلؤات۔۔ فهو منذ طلع الى الوجود، انما كان بفضل اعلام في الفكر قدموا، ليس للبنان وحده، بل وفي بلدان اخرى عديدة، نهضة ادبية مجيدة، هي من صميم التراث والتاريخ والحضارة۔۔
وسار المجلس على نهج المؤسسين ليكون صرحا للثقافة طوال نيف وخمس وعشرين سن، حتى بات مؤسسة ثقافية رائدة في شتى الميادين الفكرية والادبية ولافنية۔ ولعل الثقافة الهادفة التي يعمل لاجلها المجلس، هي احدى السبل الرئيسية لتخطي الظروف الاليمة التي حاقت بنا، واهم معين لتجاوز المأساة البشعة التي عصفت بكياننا، والتيكادت تقضي على كثير من مثلنا، ومن قيمنا الروحية والخلقية، التي كنا نفاخر بها۔۔
وانين باسم رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ امين الجميل، الذي شرفني بتمثيله في هذه الحفلة الموسيقةي الرائعة، نهنىء المجلس والقليمين عليه في يوبيله الفضي، آملين له كل نجاح في مراميه واهدافه السامية حتى نعيد بناء لبنان المستقبل۔