تسارعت خطوات الدول العربية بالإنفتاح على سوريا وبإعادة فتح سفاراتها في دمشق من قبل دولة الإمارات العربية، والسودان والبحرين، فيما تسعى المملكة العربية السعودية أيضاً الى القيام بخطوة مماثلة قريباً جدّاً بحسب مصادر ديبلوماسية لبنانية، وذلك بعد مقاطعة دامت طوال سنوات الأزمة الماضية. ما يعني بأنّ الدول العربية تريد إعادة العلاقات الطبيعية بينها وبين سوريا، علماً أنّ لا شيء تغيّر في الداخل السوري في ظلّ بقاء الرئيس السوري بشّار الأسد على رأس السلطة والذي كانت السعودية والدول الحليفة لها من أشدّ المعارضين له، وفي ظلّ اتخاذ غالبية الدول العربية قرار تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية رغم اعتراض لبنان واليمن على هذا القرار وتحفّظ دول أخرى عليه.

ولكن أين لبنان من هذا الإنفتاح، وهو على بُعد نحو عشرة أيام من بدء أعمال «القمّة العربية التنموية: الإقتصادية والإجتماعية»- الدورة الرابعة التي ستُعقد على أراضيه، وفي بيروت تحديداً من 16 الى 20 كانون الثاني الجاري، والتي ستُناقش ملف إعادة إعمار سوريا في ظلّ عدم دعوة سوريا الى القمّة، فضلاً عن المشاكل الإقتصادية التي تعاني منها الدول العربية؟! ألاوساط الديبلوماسية أوضحت أنّ لبنان لا يُمكن أن يبقى بعيداً عن الإنفتاح العربي الملحوظ على سوريا، والذي لم يكن ليحصل لولا موافقة السعودية عليه.

وتقول الاوساط انّ لبنان لا يُمكنه بمفرده دعوة سوريا الى القمّة أو اتخاذ المبادرة من دون مؤازرة عربية، سيما وأنّ الأمانة العامة في جامعة الدول العربية هي التي تقرّر ذلك، وكون سوريا قد جرى تجميد أو تعليق عضويتها في الجامعة، فلا يُمكن بالتالي دعوتها قبل إعادتها الى مقعدها في الجامعة. غير أنّ التغيّرات العربية المتسارعة في اتجاه سوريا، تحتّم عليه التحرّك خصوصاً وأنّه يتوافق مع بعض الدول العربية مثل الأردن، الجزائر، العراق، سلطنة عُمان ومصر بأنّه لا بدّ وأن تعود سوريا الى الجامعة في القمّة العربية الدورية التي ستُعقد في تونس في أواخر آذار المقبل.

كما لا يُمكن للبنان أن يقف متفرّجاً على سائر الدول العربية التي تُطبّع مع سوريا، على ما عقّبت الاوساط، ويبقى خارج السرب ومتمسّكاً بمقولة أنّه آخر من يطبّع معها، خصوصاً وأنّه أبرز المعنيين بتداعيات الأزمة السورية على وضعه الإقتصادي والإجتماعي بفعل استضافته لأكثر من مليوني نازح سوري مع بداية الأزمة (الذين تقلّص عددهم الى مليون ونصف). ولهذا يريد لبنان الرسمي أن يقوم بخطوة ما تجاه سوريا، على ما أفادت المصادر، كأن يُرسل مع دولة عربية أخرى قد تكون العراق أو مصر، رسالة الى جامعة الدول العربية يُطالبان فيها بدعوة سوريا الى القمّة الإقتصادية في بيروت بشكل إستثنائي، ويُفنّدان الأسباب الموجبة لذلك ومن بينها الإنفتاح العربي على سوريا لا سيما بعد أن استعادت الدولة السورية أراضيها وحرّرتها من الإرهابيين، فضلاً عن التغييرات الحاصلة في المنطقة وما الى ذلك، على أن يُصار الى اتخاذ القرار على مستوى القادة والرؤساء والملوك العرب في قمّة بيروت لوقف تعليق عضوية سوريا وإعادتها الى مقعدها في الجامعة لاحقاً في قمّة تونس، خصوصاً وأنّ قرار وقف تجميد العضوية لا يُمكن أن يتمّ إلاّ في اجتماع على مستوى القادة العرب على غرار ما جرى لدى تعليق عضويتها.

وعلى هذا الأساس تضيف الاوساط، يستطيع لبنان إرسال وفد لبناني رفيع المستوى الى سوريا موفداً من قبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل انعقاد القمّة بهدف مواكبة خطوات الدول العربية وللوقوف على رأيها بالإنفتاح العربي عليها وبإعادتها الى الحضن العربي عن طريق وقف تجميد عضويتها في الجامعة العربية، وإن كان رئيس الحكومة المكلّف يرفض أي مبادرة باتجاه سوريا ويريد أن يبقى آخر دولة عربية تُطبّع معها. فالرئيس عون، بحسب مصادره، لا يودّ أن يبقى لبنان خارج الإنفتاح العربي، كونه أكثر دولة عربية تأثّرت سلباً من الأزمة السورية بحكم الجوار وبسبب نزوح أكبر عدد ممكن من السوريين اليه، ما كبّده أعباء تفوق طاقته وقدرته على التحمّل على الصعد كافة. فعلى لبنان العمل على إعادة العلاقات الطبيعية بينه وبين سوريا، على غرار ما بادرت اليه الإمارات والسودان والبحرين، وتنوي السعودية التي باركت خطوات الدول المذكورة أن تحذو حذوها، بهدف المشاركة في إعادة إعمار سوريا.

غير أنّ مبادرة من هذا النوع، على ما ترى الأوساط نفسها، وإن لم تؤدّ الى حضور سوريا لقمّة بيروت على مستوى رفيع أو حتى على مستوى سفيرها في لبنان علي عبد الكريم علي ما يُبقي مقعدها شاغراً، إلاّ أنّها لا بدّ وأن تُثمّنها، وتحجز بالتالي دوراً مهمّاً للبنان لاحقاً في ملف إعادة إعمار سوريا. فسوريا تعلم بأنّ قرار وقف تجميد عضويتها في الجامعة ليس بيد لبنان، وبأنّ القرار يجب أن يتخذ على مستوى اجتماع القادة العرب، كما أنّها لا تلومه بالتالي على عدم دعوتها الى قمّة بيروت لأنّه يقوم بتوجيه الدعوات باسم الجامعة العربية، كما أنّها لم تُدعَ الى أي اجتماع عربي آخر منذ تعليق عضويتها في الجامعة. وتعلم سوريا بالتالي أنّ الإنفتاح العربي عليها مجدّداً هو رسالة سعودية- أميركية ويحتاج الى المزيد من الوقت لكي يُترجم على أرض الواقع. وفي حال اتخذت الجامعة العربية أي قرار طارىء بشأن دعوة سوريا الى القمّة التنموية في بيروت، فإنّ لبنان سيكون ملزماً بقرارها هذا.

وأكّدت الاوساط بأنّ التحضير للقمّة الإقتصادية على قدم وساق وقد أشرف على نهايته، وقد تمّ على أساسه توزيع «دليل الإعلام» من قبل دوائر قصر بعبدا على وسائل الإعلام الذي يتضمّن جدول أعمال القمّة الإقتصادية وتفاصيل الإجتماعات التحضيرية له، وذلك بهدف الحصول على تغطية شاملة لكلّ الإجتماعات لتي ستُعقد قبل اجتماع القمّة، بدءاً من اجتماع كبار المسؤولين والمندوبين الدائمين الذي يُعقد في فندق فينيسيا في 16 الجاري، الى اجتماعات اللجنة الوزارية المعنية بالمتابعة والإعداد في 17 الجاري، ثمّ اجتماعات وزراء الخارجية والوزراء المعنيين بالمجلس الإقتصادي في 18 منه. على أن يصل رؤساء الوفود العربية الى مطار بيروت الدولي في 19 الجاري، وذلك للمشاركة في أعمال مؤتمر القمّة على مستوى القادة والرؤساء والملوك والأمراء العرب في 20 كانون الثاني الجاري الذي يُعقد في واجهة بيروت البحرية.

وعلى هذا الأساس، فإنّ أي تأجيل للقمّة على ما يُشاع، لن يحصل بحسب تأكيدات المعنيين بالتحضير لها. كما يُعوّل لبنان على حضورها من قبل بعض الرؤساء العرب الفاعلين في المنطقة مثل الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي، فضلاً عن الرئيس العراقي والفلسطيني والتونسي، في ظلّ اعتذار ملك الأردن عبدالله الثاني عن الحضور. علماً أنّ الدول الخليجية مثل الإمارات والبحرين والكويت وسواها لا تزال تنتظر قرار السعودية لمعرفة مستوى تمثيلها، على أن تلتزمان بالمستوى نفسه.