في عز ما سُمِّي بـ «الربيع العربي»، وتفجُّر ساحاته في اكثر من سبع عواصم عربية، سُمِعَ من يفاخر من القياديين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة، ومن باب الجدية الممزوجة بالمزاح..: «مخيم عين الحلوة، اليوم، اكثر امنا من معظم العواصم العربية، وحتى بعض العواصم الاوروبية، الشارع الفوقاني في المخيم اكثر امنا من باريس، حتى حي الطيرة الذي كانت شوارعه الضيقة ساحة حرب، الوضع الامني فيه افضل من الوضع في بروكسيل.. عاصمة الاتحاد الاوروبي».

هذا الانطباع الذي ساد في اوساط العديد من القيادات الفلسطينية في المخيمات، بُنِيَ على اتساع رقعة اشتعال الحروب الاكثر بشاعة، بفعل تفشي ظاهرة التنظيمات الارهابية التي ولّدتها دول وجهت اقليمية ودولية لاسقاط سوريا التي بقيت خارج السرب الاميركي ـ الاسرائيلي، لكنهم يدركون الحقيقة المرة التي اختبروا فصولها، والقائمة على ان كل ازمات وحروب المنطقة، ومعها ما يندلع في بقع اخرى من العالم، ستتوقف في نهاية المطاف، ويبقى الفلسطينيون خارج الحلول التي تضمن طي صفحة اللجوء المستمرة منذ اكثر من سبعين عاما، وانتزاع حقهم في العيش على ارضهم، تقول اوساط فلسطينية متابعة.. ان اللاجئين الفلسطينيين يدخلون عاما جديدا من المعاناة والقلق على المصير، وهم يُرحِّلون هذه المعاناة الى العام الجديد، ويئِنَون من اثقال الصراعات المحتدمة في الداخل الفلسطيني، بين القطبين الاكثر حضورا في الشارع الفلسطيني، حركة «فتح» التي تمارس «سلطتها» على فتات اتفاقية اوسلو في رام الله وبعض احياء الضفة الغربية المنتهكة بالجزمة الاسرائيلية، لتبدو سلطة داخل الاسر الاسرائيلي، وحركة «حماس» بحكومتها في قطاع غزة الذي انهكه الحصار المحكم للمنافذ البرية والبحرية، من الصديق والعدو.

اقفل العام 2018 على «لملمة» الاشتباكات الدامية التي اندلعت في مخيم المية ومية ذات الخصوصية الاستثنائية لكونه متاخم لقرية المية ومية ذات الاغلبية المسيحية، بعد ان احدثت خضة امنية وسياسية على مستوى الساحة اللبنانية، وهو امر غير مقبول، لما له من تداعيات على الامن الوطني اللبناني، واضرار بقضية اللاجئين الفلسطينين المقيمين في مخيمات لبنان الذين يشكلون كتلة شعبية وازنة من مجموع الشتات الفلسطيني على ما عُرِفَ بـ «دول الطوق»، لبنان وسوريا واردن ومصر.

بقيت المخيمات الفلسطينية، وبالرغم من كل الجهود التي بذلت من قبل القوى والهيئات الفلسطينية، تحتل حيزا من الاهتمام الامني، جراء مسلسل يتصاعد تارة ليصل الى مستوى الاشتباكات المسلحة التي غالبا ما تندلع بين فصائل وقوى وجماعات بعضها تجاوز مرحلة التطرف ليرتقي الى الارهاب، وهذه الجماعات متهمة بارتباطات خارجية مشبوهة، اضافة الى عمليات تفجير عبوات وقنابل وصولا الى عمليات اغتيال نفذ بعضها في وضح النهار، ويتراجع تارة اخرى وصولا الى الهدوء التام، لكن ما يُقلق الفلسطينيين، ان كل المعالجات الامنية التي جرت للاحداث التي شهدتها المخيمات، سيما في عين الحلوة والمية ومية، جرت عبر قنوات تدوير الزوايا والضغوطات السياسية، من دون ان تتلمس جوهر التأزم الامني الذي سيبقى يُلازم المخيمات، ما لم يتم الاقلاع عن سياسات تأجيل الملفات الحساسة، كملف الوجود الفلسطينية في لبنان.

وتلفت الاوساط الفلسطينية، الى ان تدهور الوحدة الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني، انعكس بصورة مباشرة على واقع الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في لبنان، بالرغم من الخطوات الجدية التي بذلتها قيادتا «فتح» و«حماس»، لتعليق الخلافات الدائرة بين الحركتين في رام الله وقطاع غزة، والتعامل مع الواقع الفلسطيني في لبنان، بعيدا عن تداعيات ما يجري من «كباش» بين طرفي السلطة الفلسطينية، وهو ما عملت من اجله جهات رسمية لبنانية لها وزنها، رعت الوصول الى وحدة وطنية بحدها الادنى، تجنب المخيمات من توترات امنية لا طاقة لاحد على تحمل تداعياتها الخطيرة، على الواقعين اللبناني والفلسطيني.

وتؤكد الاوساط ان احدا من الجانبين الفلسطيني واللبناني، لم يضع الاسس السليمة لضمان امن المخيمات الفلسطينية في لبنان، وبقيت المسببات التي تدفع باتجاه التوتير الامني قائمة وقابلة للاستثمار في اي وقت تجاه هذه الاجندة الامنية او تلك، بالاستناد الى جملة من المعطيات جعلت المخيمات في مراحل معينة صندوق بريد للعديد من الجهات، تتبادل رسائلها الامنية.. وغير الامنية، حيث توفر في عدد من المخيمات بعض المناخات المساعدة لنمو جماعات اسلامية متطرفة، جاهزة لان تكون «عبوة للايجار.. بندقية للاستثمار»، وبقيت المخيمات عرضة لمحاولات متعددة لجرها الى صراعات ذات صلة بالتجاذبات السياسية اللبنانية، في محاولة لاستغلال الجانب المذهبي للاجئين الفلسطينيين، وجميع هذه المحاولات جرى تطويقها ومحاصرتها بالكامل، وهذا لا يعني ان المخيمات اصبحت خارج اطار اي توتير امني، يبقى متوقعا امام لوحة معقدة من التجاذبات والصراعات والحروبات التي تتمحور حول ملفات القضية الفلسطينية وملف عودة اللاجئين واحد من ابرزها واكثر حساسية.

وبرأي الاوساط نفسها، فان من الملفات العالقة التي تنتظر معالجات جدية ونهائية، وتؤسس لوضع امني مستقر داخل المخيمات، وبخاصة في مخيم عين الحلوة، ملف المطلوبين بجناحيه اللبناني والفلسطيني، وهو ملف عولجت اجزاء منه بعمليات امنية سريعة تم ربطها بتنسيق بين الجيش اللبناني جهات فلسطينية في المخيم، وهي لم تترك اية تداعيات على الوضع الامني في المخيمات، كاعتقال مطلوبين بارزين وخطرين من داخل معاقلهم في المخيم، من دون ان تُستَكمل حلقات اخرى من الملف، بسبب ما تسميه الفصائل الفلسطينية «الكلفة العالية» التي يمكن ان تترتب على اي معالجة ذات طابع عسكري مع الجماعات الاسلامية المتطرفة التي انكفأت مؤخرا عن واجهة الاحداث، في ضوء تحسن في العلاقة بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية، اثمر عن معالجة ملفات عدة ترتبط بالوضع الامني في المخيم.

الطريق الى علاقات لبنانية ـ فلسطينية سليمة، تخلص الاوساط الى القول، سالكة، اذا ما قررت السلطات اللبنانية سلوكها، للوصول الى الصيغة التي تريح لبنان من الاعباء الامنية التي يفتعلها بعض الجهات المشبوهة، وتعطي دفعا للاجئين الفلسطينيين للتخفيف من المعاناة الاجتماعية والحياتية القائمة، والتي تتفاقم مع سياسات الحصار المفروضة عليه من وكالة الغوث والتشغيل «الانروا» المحاصرة هي ايضا من الدول المانحة، بعد ان احدث القرار الاميركي بوقف المساهمة المالية التي تقدمها الادارة الاميركية ارباكا في اداء عمل الوكالة وانعكس سلبا على التقديمات الاغاثية المخصصة للاجئين الفلسطينيين، فضلا عن حاجة الجانبين اللبناني والفلسطيني في الوصول الى علاقة وثيقة لمواجهة التحديات القادمة من عواصم القرار الدولي، وهي تحديات تستهدف القضية الفلسطينية وكل ما يرتبط بها، ومنها ملف اللاجئين.