دوللي بشعلاني تتواصل مساعي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا للخروج من الورطة التي زجّت نفسها فيها عبر استصدار قرار من مجلس الأمن يتعلّق بتفكيك ترسانة الأسلحة الكيمائية السورية، لا سيما بعد صدور تقرير المفتشين الدوليين الذي أكّد على استخدام غاز السارين في الغوطة الشرقية ريف دمشق في 21 آب الماضي. ويتوقّع مصدر وزاري بارز أن يتمّ إصدار هذا القرار خلال أسبوع انطلاقاً من المخرج السياسي الذي تمّ التوصّل اليه بعد أن تمكّنت روسيا عبر ديبلوماسيتها من إبعاد شبح الضربة الأميركية على سوريا. ويقول إنّ مشروع القرار الذي يجري إعداده حالياً، علماً أنّ كلّ من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة قد وضعت مسودة قرار في هذا الصدد، سيتضمّن البنود الآتية: 1- تسليم سوريا لترسانة الأسلحة الكيمائية التي تملكها ليتمّ تدميرها لاحقاً. 2 - ذهاب الرئيس السوري (من يمثّله بالطبع) أي السلطة الى مؤتمر «جنيف 2». 3- مرحلة إنتقالية من دون تنحّي الرئيس بشّار الأسد، ومن دون شروط مسبقة. وهذه المرة، من غير المسموح أن يفشل القرار، بحسب المصدر نفسه، لأنّه الطريق الى الحلّ. وصحيح أنّ سوريا خرجت من دائرة الضربة لكنها لا تزال في دائرة الاستهداف، فالأمر لم ينتهِ بعد. من هنا فتسليم السلاح الكيمائي هو مقابل عدم القيام بضربة عسكرية. وأشار الى أنّه من الصعب ضبط كلّ الأسلحة الموجودة في أي بلد في العالم، مبدياً تخوّفه من الأشخاص الذين يُضبطون وبحوزتهم غاز سام وكيمائي، على ما حصل في أضنا في تركيا في 19 آذار الماضي حيث أعلنت السلطات عن إلقاء القبض على 12 شخصاً من الجنسية السورية بحوزتهم غاز السارين. ولا أحد يدري اليوم أين أصبحت التحقيقات في هذا الأمر، وهل تمّ القبض على آخرين من قبل أم من بعد هذه الحادثة، وما الذي يضمن عدم دخول هذه العصابات مع ما بحوزتها من غازات سامّة الى لبنان؟! علماً أنّ غاز السارين يُصنّع في غرف صغيرة تحت الأرض، ولا يحتاج الى معامل أو مصانع كبيرة، كتلك في ناتانز أو أصفهان أو قمّ، وبإمكان العصابات تصنيعها والذهاب بها الى خارج سوريا. أمّا إصرار بعض الدول الأوروبية على ضرورة إصدار مجلس الأمن لقرار ملزم وقوي تحت الفصل السابع، فهو أمر لا توافق عليه روسيا، لا سيما وأنّ هذا الفصل يهدّد النظام السوري بعواقب عدّة في حال عدم التزامه بتعهّداته كما يجيز استخدام القوة، ولا يمكن الرجوع عنه أو تعديله بعد اتخاذه. ويعزو المصدر رفض روسيا الى أنّه «يهمّش دورها ويُفقدها المصداقية تجاه سوريا ودول المنطقة التي تتعامل معها. في حين أنّ المطلوب تنفيذ ما تمّ التوافق عليه دولياً وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، أي حفظ ماء الوجه، وذلك من أجل تبرير مواقف الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن الضربة التي هدّد بها ثمّ تراجع عنها بسبب تخلّي حلفائه الأوروبيين عنه. ويؤكّد المصدر نفسه أنّ روسيا هي دائماً «مفصل سلام»، مذكّراً بقول لرئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل إبان الحرب العالمية الثانية إنّه «إذا مات الفرنسيون مات الذوق، إذا مات الأميركيون مات الغنى، إذا مات الإيطاليون مات الإيمان، إذا مات الألمان ماتت القوة، وإذا مات الروس مات السلام، (وإذا مات العرب ماتت الخيانة، مع الأسف)». وفي حين أنّ موسكو لا تزال تُشكّك حتى الآن على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، في أنّ الهجوم الكيمائي على الغوطة كان استفزازاً من مقاتلي المعارضة السورية، يشدّد المصدر على أنّها رغم التصريح الأخير للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي اعتبر أنّ «الهجوم الكيمائي جريمة حرب» وطالب بمحاسبة المسؤولين عنه، تملك الوثائق والأدلة عن أنّ المعارضة السورية هي التي استخدمت غاز السارين، مستندة بذلك على الأقمار الاصطناعية، وقد سلّمتها للأمم المتحدة، والولايات المتحدة قد اطلعت عليها. ولا تزال روسيا تشكّ حتى الساعة في أنّ الهجوم كان استفزازاً من مقاتلي المعارضة السورية علماً أنّ تقرير المفتشين بهذا الشأن لم يُجب على كلّ التساؤلات الروسية، غير أنّه بالتالي لم يُلقِ اللوم على الحكومة السورية، كما تفعل بعض الدول الأوروبية التي تطالب مجلس الأمن باتخاذ قرار صارم على هذا الأساس. وبرأي المصدر إنّ الوضع السياسي لن يتحسّن في سوريا إلا مع عقد مؤتمر «جنيف 2»، لافتاً الى أنّ النظام وافق على المبادرة الروسية فور إطلاقها في حين لا تزال المعارضة السورية المنقسمة الى 400 فصيل غير متفقة على موقف واحد. إلا أنّه إذا امتلكت الولايات المتحدة النيّة فعلاً في التوصّل الى حلّ سلمي للأزمة السورية فبإمكانها ممارسة الضغوطات على المموّلين للمعارضة من جهة، وعلى الذين يأتمرون منها من المعارضين للموافقة على مشاركة ممثلي النظام في «جنيف 2». وأوضح أنّ المعارضين يرفضون مشاركة السلطة لأنّ في ذلك اعتراف بها وبوجودها، في حين أنّ النظام يريد أن تشارك المعارضة في المؤتمر للدلالة على أنّه لا يزال رأس السلطة في البلاد، وهنا يكمن أساس الخلاف على المشاركة أو عدمها من قبل الطرفين المتنازعين في سوريا. ولأنّ لجنة المحقّقين الدوليين لم تُحدّد الجهة المسؤولة عن استخدام غاز السارين ولم تُحدّد بالتالي مكان صناعة السلاح الكيمائي الذي استُعمل في الغوطة وقبلها في خان العسل، فإنّه لا يزال من غير الممكن، بحسب بعض المراقبين، إتهام أي طرف باستخدامه هذا السلاح رسمياً، ما يفتح المجال واسعاً أمام اللجوء الى طاولة المفاوضات رغم التهم المتبادلة. وفي حال صدور القرار المنتظر عن مجلس الأمن بالإجماع بخصوص نزع الأسلحة الكيمائية في سوريا، فإنّ الطريق ستكون معبّدة لمؤتمر «جنيف2»، بحسب المصدر الوزاري، وبعد هذا القرار قد لا يتطلّب سوى مدة شهر واحد لعقده.