حسين طليس

هذه ليست إحدى الطرائف اللبنانية الساخرة من أساليب الدعوات الى العيش المشترك والتي تتحدث عن "حسينية مار جرجس" أو "كنيسة النبي محمد"، بل هو أمر واقع يجري العمل عليه في تركيا، لتحويل متحف "آيا صوفيا" والذي كان كاتيدرائية في العهد البيزنطي، الى مسجد... مسجد "آيا صوفيا".انها السياسة تستطيع فعل أي شيء، حتى تحويل كنيسة من العهد البيزنطي سميت تكريساً للقديسة صوفيا بإسم "آيا صوفيا" الى مسجد للمسلمين. هذا ما تحاول حكومة أردوغان فعله، قبيل الإنتخابات القادمة في محاولة لكسب تأييد الإسلاميين في البلاد عبر إرضائهم بحل الجدل القديم حول هوية هذا الصرح التاريخي ولو على حساب التراث العالمي عموماً، والمسيحي في الشرق خصوصاً.

أعاد حديث نائب رئيس الوزراء التركي، منذ حوالي الشهر تقريباً، إشعال فتيل الجدل الطويل الذي يدور حول هذه القضية، حيث اعتبر في زيارة له الى متحف "آيا صوفيا"، أن الصرح يبدو حزينا اليوم، آملاً بأن يبتسم بعد أن يصبح "مسجد آيا صوفيا"، في إشارة الى رغبة حكومة حزب الحرية والعدالة في إعادة إعلان المتحف، مسجداً للمسلمين، الأمر الذي أثار ردود فعل في الشارع التركي بين أغلبية معارضة، والإسلاميين المتشددين الذي أيدوا هذه الفكرة، حتى بلغ الأمر حدود التجاذبات الدولية بين تركيا من جهة وبعض الدول الأوروبية أهمها اليونان، التي استنكرت الإعتداء على التراث و التاريخ المسيحي عبر طمس هوية هذا المعلم المسيحي التاريخي معتبرة أن هذه الممارسات "تمس بالمشاعر الدينية لملايين المسيحيين".

يعود تاريخ كنيسة آيا صوفيا الى العام 537م .حيث تم إفتتاحها في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان، ويذكر بعض المؤرخين ان بناء كنيسه آيا صوفيا تم على انقاض كنيسه قد بناها الامبراطور قسطنطين العظيم و احترقت هذه الكنيسه فأمر جستنيان ببناء آيا صوفيا، وقد إستمرت في كونها مقر بطريرك القسطنطينية الارثوذكسي حتى القرن ال15 ميلادي قبل دخول السلطان محمد الفاتح الى المدينة محولاً كنيسة آيا صوفيا الى مسجد آيا صوفيا سنه 1453م ، حيث صلى بها اول صلاه جمعه بعد "الفتح الاسلامى" وامر السلطان محمد الفاتح بتغطيه الرسومات بنقوش وزخارف اسلامية في محاولة لطمس الهوية المسيحية، وإستمر الجدل من بعدها حول هوية هذا الصرح التاريخي. اما في العام 1935 وبعد قيام الدولة العلمانية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، أمر الأخير بتحويل المسجد إلى متحف سنه 1935م وامر بإزالة بعض النقوش الاسلاميه واظهار الرسومات القديمه المسيحية ذات العراقة التاريخية والقيمة التراثية، ليتحول الصرح من كنيسة الى مسجد ثم متحف يجمع ما بين الثقافتين المسيحية والإسلامية ويؤرخ بوجوده الحقبات التاريخية التي مرت على البلاد، الأمر الذي أصبح عامل جذب للسياح من مختلف دول العالم.

اما اليوم و مع سعي حكومة أردوغان لأسلمة تركيا، صدر قرار من قبل المديرية العامة للمؤسسات والتي تتبع مكتب رئيس الوزراء في أنقرة، وتدير المباني التاريخية في البلاد يقضي بإغلاق المتحف لعدة أيام من أجل القيام بعمليات إنشائية وترميم، الا أن المفاجأة كانت حين أعيد إفتتاح المتحف حيث تم وضع منصة خشبية وسط الكاتدرائية وتم تغطيتها بسجاد خاص بالصلاة وثُبِّتت لوحات خضراء وذهبية عليها سور قرآنية في المحراب العثماني، كما إستبدلت لافتة المتحف بلافتة أخرى جديدة مكتوب عليها "مسجد آيا صوفيا"، وتم رفع مكبرات الصوت في المئذنة التي تعود هيئتها للمآذن التي كانت تشيد في العهد العثماني، ما أثار ضجة واسعة حول هذه السياسة التي تتبعها حكومة أردوغان خاصة بعد أن باتت ممارسات أردوغان مثيرة لغضب الرأي العام التركي الذي أطلق عليه لقب "السلطان الجديد" نسبة للسلاطين العثمانيين القدماء وممارستهم، فقد شهدت الفترة الماضية العديد من الممارسات التي اخذت طابع ديني في دولة تعتبر علمانية في نظامها، إذ تم فرض قيود على بيع المشروبات الروحية وإستهلاكها بالإضافة الى إعادة السماح بإرتداء الحجاب داخل المؤسسات العامة، وأخيراً تحويل كنيستين ودير قديم يعود إلى القرن الخامس في إسطنبول الى مساجد.

وبالعودة الى "آيا صوفيا" فقد أثارت الممارسات الأخيرة لحكومة أردوغان إمتعاض أبناء المنطقة في تركيا، الذين تخوفوا من ضرب السياحة في المدينة بعد تحويل المتحف الى مسجد، فقد إعتبر الأهالي أن من شأن هذه الخطوة أن تخفف من إقبال السياح من الغرب الذين كانوا يأتون للإطلاع على الثقافة المسيحية وآثارها، مقللين من شأن هذه الخطوة التي لا تحمل في طياتها أي إيجابية تذكر، فبحسب ما نقل عن الأهالي فإن المسجد لم يلقى إقبالاً من قبل المصلين، بالإضافة الى وجود الكثير من المساجد في المنطقة معتبرين أن الأولوية في حاجات المدينة هي للسياح في ظل وجود عدد كبير من المساجد فيها، مؤكدين أن نسبة السياح انخفضت بشكل كبير منذ تنفيذ هذه الخطوة ما يثير المخاوف من عدم مجيء السياح الى المدينة لاحقاً.

من جهتها نقلت صحف ووسائل إعلام تركية، نقمة شديدة من علمانيي تركيا على ممارسات أردوغان وحكومته أخيراً، وفي موضوع متحف "آيا صوفيا"، أكدت عدة مصادر علمانية في البلاد أن أردوغان يحاول بهذه الممارسات جذب الإسلاميين وإستقطابهم قبيل الإنتخابات القادمة، ضارباً عرض الحائط أي إعتبار لأهمية هذا الصرح كا متحف تجتمع فيه مظاهر الديانتين الإسلامية والمسيحية وتشكل ظاهرة نادرة عالمياً، معتبرين أن أردوغان بات رهينة التأثر بالتاريخ العثماني وهو اليوم يحاول أن يكون "السلطان الجديد" عبر ممارساته، غير آبه بآراء ومشاعر ملايين الأتراك المعارضين له ولأفكاره والذين يحق لهم تقرير مصير هكذا أمور تدخل في صلب الثقافة التركية.

أما من وجهة النظر المسيحية، فقد أكد مصدر متابع للتطورات التي تجري في ملف مسيحيي الشرق، أن الحكومة التركية تسير على النهج المتبع في طمس الهوية المشرقية للمسيحيين في المنطقة، رأى المصدر أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها في التوقيت و الطريقة والجهة المنفذة عما يجري في سوريا و العراق ومصر، معتبراً ان ما يحدث من تحويل للكنائس والأديرة الى مساعد يصب في نفس الهدف الذي تعمل عليه الجهات التكفيرية المتشددة التي تدمر المقدسات و الآثار المسيحية في الشرق إن كان في معلولا او في صيدنايا أو في باقي مناطق سوريا والعراق و مصر، وتهدف هذه الممارسات الى طمس الهوية المشرقية للمسيحيين لتسهيل عملية تهجيرهم لاحقاً واضعاً هذه الممارسات في خانة تنفيذ الأهداف اليهودية والصهيونية القائمة على طمس المعالم التاريخية للأديان الأخرى بهدف السيطرة على الأرض ونسبها اليهم لتحقيق حلمهم، مساويا بين ما يحدث في تركيا وسوريا ومصر مع ممارسات الصهاينة في بيت لحم و القدس، مشيراً الى أن الهدف الآخر هو ضرب الحياة المشتركة بين المسيحيين و المسلمين عبر إظهار المشهد وكأن المسلمين يدمرون الآثار المسيحية، أما الحقيقة فهي أن الجماعات التكفيرية المتشددة ومن خلفها التنظيمات التي ترعاها هي التي تنفذ الأجندات الصهيونية في المنطقة.

و يتابع المصدر مؤكداً أن لا جدل حول هوية "آيا صوفيا" المسيحية، لكن الحكومة التركية سائرة على عدة أجندات، بينها سياسية داخلية كالتي يقيم لها إعتبار حاليا أردوغان و الثانية خارجية عبر المساهمة في تأزيم وضع المنطقة، مشيراً الى ان حكومة أردوغان لا تكتفي بالتعرض للآثار المسيحية بل انها تساعد التكفيريين المسلحين في ممارساتهم في سوريا خاصة من جهة فتح حدودها أمام دخول و خروج المسلحين ودورها في إيواء خاطفي الأبرياء في سوريا كما حصل مع مخطوفي إعزاز وما يحصل مع المطرانين و الراهبات اليوم.