اعداد انطوان شعبان
قبل الانتقال الى مرحلة ما بعد الشيخ حمد البيك، لا بد من اطلالة على واقع الزعامة في بيت علي الصغير، في المرحلة التي سبقت وتزامنت مع عهد حمد البيك، الأمر الذي كان له كبير الأثر في الخلاف الزعامي الذي برز مع وفاة حمد وانتقال السلطة الى خلفه، فحسين بيك السلمان العباس النصار، كان قد تولى المشيخة نحو العام 1481، «وكانت بنت جبيل دار حكمه، وقد بنى فيها السراي ومكث بها سبع سنوات، وتوفي سنة 5621هـ (نحو 8481م)، فأقيم مكانه ولده تامر بيك باسم مدير جبل هونين». وكان حسين المذكور «هو الزعيم العاملي الوحيد الذي سالم المصريين عام 2381 عند احتلال ابراهيم باشا لسوريا، وكان صديقاً حميماً للأمير بشير الشهابي الثاني، وكانت له مشيخة المشائخ على عهدهم.. كما ان الظاهر ان الزعامة العامة (مشيخة المشائخ) انتقلت من حسين السلمان الى حمد البيك». وقد يكون أمر «مطاردة حمد البيك للمصريين، واستيلاءه على البلاد، هو الذي حال بين حسين وبين المشيخة العامة، ومن ثم اصبح حمد هو الزعيم المطلق واصبح شيخ المشايخ رسمياً. فمن هنا كان من الطبيعي «أن يرث ثامر الحسين السلمان عن أبيه عداوة حمد وذويه، وقد كان ثامر واباه وجده يحكمون مقاطعتي جبل هونين ومرج العيون». وفضلاً عن ذلك فان ثامر بيك الحسين المذكور كان أكبر سنا من علي بك الاسعد، وهو أيضا نجل حسين السلمان شيخ المشايخ على عهد المصريين كما تقدم، وحمد البيك مات من دون عقب، «فمن اجل ذلك كله كان ثامر يرى نفسه احق بالرئاسة العامة من علي بيك الاسعد، وقضية التقدم في السن كان لها قيمتها عند آل علي الصغير، فانهم كانوا يأمرون الناس».
ومن الشواهد على ان الضغائن كانت قبل تولي علي بيك الزعامة، ما جاء في مراثي حمد البيك، وفيها، ان اناساً «كانت تشرئب اعناقهم للزعامة على عهد حمد نفسه، وانهم شامتون بموته ويرتقبون انتقاماً لهم، كما انه يظهر منها، ان أهل الفكر والرأي كانوا بأجمعهم متوجهين الى علي بك، لانه هو المعزى بحمد دون من سواه، وهو المرشح للزعامة دون من عداه». ومما جاء في قصيدة الشيخ علي زيدان العاملي:
«فقل لحسود راح يغضي على قذى
يكابد أضغاناً ملأن الترائبا
أتأمل من حوض الأماني مشارباً
ولمت شرب الكأس الذي كان شارباً
تزحزح قصياً قام بالأمر حازم
وشبل غدا عن ذلك الليث نائبا
عهد علي بيك الاسعد
ولكن المشيخة ورئاسة العشائر انتقلت الى علي بك الاسعد، بعد موت حمد البيك، فأعاد الى الأذهان صورة مجد آل بيته وخاصة ناصيف النصار أحد أكبر مشاهير آل علي الصغير، فعمل على توحيد كلمة العامليين، كما «جمع كلمة العرب حوله في سوريا ولبنان، في الحواضر والبوداي، ووجه أنظارهم اليه، فحامت آمالهم عليه، حتى اصبحوا نصاله التي اذا رمى بها اصاب، وجنده الذي اذا غزا به فتح، وحتى اصبح هو الرجل الوحيد، الذي يصلح شؤونهم في ما بينهم، او في ما بينهم وبين الحكومة العثمانية»، وكان لعلي بيك مواقف وطنية مشرّفة من الاحداث الطائفية الاهلية في العام 0681، فمن هنا وقفت حكومة الاحتلال التركي موقف الحذر والريبة، وراحت تنصب له الكمائن، وتحيك المؤامرات للايقاع به، والغاء الحكم الذاتي في جبل عامل، وتطبيق الحكم العثماني المباشر فيه، وذلك ما حصل فعلا بعد التخلص من علي بك، فعلي هذا، هو ابن اسعد البيك ابن محمد البيك ابن الشيخ محمود النصّار، ولد عام 1281، وتوفي في دمشق عام 5681 ودفن في مقام السيدة زينت، وعمره خمس واربعون سنة.
وجاء في سرية علي بك انه «توفي جده محمد البك ابن ابي حمد الشيخ محمود النصار في سنة ولادته (في الزرارية)، وتوفي والده اسعد بك قبيل خروج ابراهيم باشا المصري من سوريا، وقد شارك علي بيك عمّ ابيه حمد البيك في مطاردة المصريين وكان عمره اذ ذاك نحواً من عشر سنين، وقد تولى بنفسه سوق اسرى واقعة وادي الحبيس وتسليمهم للقائد العثماني، وتزوج سنة 2621 هـ (5481م)، وتولى حكومة البلاد بعد وفاة حمد البيك سنة 9621هـ (2581م)، وكان حمد البيك قد مهد له الامور، وكان يحمل كفاءة عظيمة ومقدرة خارقة.. فقد عمرت سوق العلم على عهده، وقامت عكاظ الادب على ساق، واعتزت البلاد وظهرت بأعظم مظاهر الكرامة، وقد الف بين زعماء عاملة، فأمرهم بأن يتخاطبوا في ما بينهم بـ«يا ابن العمر» مع ما بينهم من بعد الانساب، ومع ان آل علي الصغير يتزوجون من المناكرة والصعبيين ولا يزوجونهم.. وقام علي بيك في مقام عم ابيه حمد البيك وتولى حكومة البلاد واحسن ادارتها، فكان الزعيم المطاع الذي يقف آل علي الصغير وآل منكر وآل الصعبي عند اوامره، وكان له قدم راسخة عند الدولة العثمانية حتى كانت الايالة تستعين به على تسكين الثورات .
وكان قد احكم صلاته مع زعماء القبائل السورية من أهل البوادي، فغمرهم بالعطايا وارهبهم بكثرة السلاح والرجال وأرهب بهم من عداهم من الزعماء، وكان علي بك مضافاً الى حنكته واجتماع كلمة أهل العلم حوله واحاطة أهل الادب به من سائر الاقطار العربية، وتوجه انظار الافذاذ اليه، اديباً ماهراً وشاعراً عبقرياً.. ومما جاء في عينيته المشهورة:
«نعمت صباحاً ربع تبنين واغتدت
بك الغيد والآرام وهي رواتع
سموت بآباء كرام شعارهم
بناءالمعالي حيث كيوان طالع
هما لقوم من عليا نزار وطفلهم
تمائمه البيض الرقاق القواطع
وهم مهدوامن عامل كل صعبة
وهم شيّدوها والرماح شوارع
وهم ورثوها بالصوارم والقنا
وفي همم تندك منها القوارع
وهم لذوي الآمال كعبة آمل
وعند لقا الأعدا رياح زعازع
مكانة علي بك ودوره ومزاياه
ومما جاء في سياق الاشارة الى مكانة علي بيك، انه تلقب رسمياً «رئيس العشائر، وشيخ مشائخ بلاد بشارة، كما كان أسلافه، واللقب الأول منح لهم من طرف الباب العالي بعد الاتفاق الذي عقد في عكا بين عسائر جبل عامل، وبين سليمان باشا والي ايالة صيدا في سنة 4081 م واول من ناله فارس الناصيف النصار، واللقب الثاني منح لهم بعد جلاء المصريين من سوريا سنة 2481م».
وعن دوره الاجتماعي ان علي بيك «ما دخل في مشكلة الا وحلها.. وهو الذي اصلح بين آل المزيد وال الدوخي رؤساء بني علي وكل منهما من فروع عنزة وحسم ما بينهم من خلال وعقد راية الصلح بيده، التي كانت ولم تزل من خصائص آل علي الصغير من ذزمن قديم الى يومنا هذا، فلا يتم صلح ولا تعقد راية الوئام بين قبيلتين متعاديتين من العشائر الضاربة في جنوب سوريا وشرقها الا في دور آل الاسعد في تبنين والطيبة».
وعن كرم علي بيك وتشجيعه العلم والادب «ان الحكومة العثمانية اعتقلت بعض الزعماء المعاصرين لعلي بيك، لانه تخلف لها علـيه دين مقـــداره سبعون الف قرش، فأرسل علي بيك هذه القيمة مع معتمده، وقضى بها دين ذلك الزعيم.. واطلق اساره على بعد داره من غير ان يدعى لذلك، فان الزعيم المعتقل لم يستغث به، وغيره لم يتوسط بهذا الامر، بل كان ذلك ابتداء احسان.. وانه قضى عن زعيم آخر خمسة واربعين الف قرش، لانه بلغه انه مثقل بالديون، وهـو من ارباب المجد والشرف، فأرسـل اليه هذا المبــلغ من غير استدعاء ولم يسمه تشريفاً له ايضاً وابتعاداً عن المن...»
وذكر في هذا المجال ايضاً انه «عندما حدثت الواقعة المعـروفة بواقـعة صفورية في فلسطين بين زعيم الاكراد في الديار الشامية شمدين زادة محمد سعيد باشا الذي اصبح بعد ذلك محافظ موكب الحاج الشريف، وبين عقيل آغا الحاسي الشهير رئيس قبائل عربان الديار المصرية ـ الهوارة والهنداي ـ فتغلب الحاسي على زعيم الاكراد وقتل اخاه، وتتبع فلول رجاله، فاستنجد زعيم الاكراد بعـلي بك الاسعد، فجهز له سرية من رجاله وامده بالذخائر والمهمات وحـشد مـعه العسكر في ارض الخيط من اعمال صفد، وفرّق جموع آغا الحاسي.. (ويعتقد انه اقام الصلح في ما بعد بين زعيم الاكراد وعقيل آغا)، ثم انه وفد عليه عقيل آغا الحاسي ومعه من قومه الهوارة والهنادي ثلاثمئة فارس واهدى لعلي بك فرساً وجواداً من الخـيل الجياد وكان الوالي قد نحى عقيل آغا عن منصبه، فأكرمه علي بك.. وخلع عليه وعلى قومه الخلع الثمينة حتى انه لم يبق في مـنازله قطـعة من القطع الثمنية المدخرة مما بقي من الموروث عن آبائه واسـلافه الا اخرجها في ذلك اليوم، حتى بلغت قيمة ما اكرمهم به ثلاثمئة وخمسين الف غرش ـ وبالطبع ان هذه القيمة مع قـطع الـنظر عن قيمة تلك الاشياء الاثرية ـ ومما اكرمهم به علبتان من الذهب مرصعتان بالالماس الثمين، وخنجران مذهبان مرصعان بالالمـاس، وآلات تبغ من الكورباء المرصع بالالماس، وخمسة وسبعون سيفاً مفضض القبضة.. وبندقية وعدد من السلاح المسـمى طبنـجا وقرابـينه.. والبس كلا من الثلاثمئة، بعضهم جبة وسروالاً من الجوخ وكفية من الحرير، والبعض عباءة وسروالا وكفية.. ثم ان علي بك طلب من والي صيداء العفو عن عقيل آغا فأجابه الى ذلك، واصدر اوامر الرضا..»
ومن مكارمه ايضا «انه استحضر عائلتين كبيرتين من بعض امراء بعض الديار، فاسكنهما في قصوره الشامخة، وبذل لهما سائر ما تحتاجانه من مال وذخيرة واقامتا على ذلك اعواماً.. وانه كان يكرم ذوي البيوت العالمية، فلم ير في زمانه شخصاً يستحق منصباً وهو دونه.