مما لا شكّ فيه أن فيروس كورونا السيئ الذكر المعروف بـ Covid-19 سيُغيّر معالم الجغرافيا الإقتصادية في العالم بما فيها لبنان. فقد بلغ عدد الحالات المُصابة بفيروس كورونا والتي أكدتها وزارة الصحة اللبنانية، 333 حالة. هذا الرقم يتبع المنحنى الإسّي (Exponential Curve) الذي يُميز إنتشار الأوبئة في المجتمعات، مما يعني أن سرعة تزايد الحالات المُصابة هي إلى إزدياد. وبحسب خصائص المنحنى الإحصائي، من المُتوقّع أن يصل عدد الحالات المصابة والمؤكّدة من قبل وزارة الصحة إلى 900 حالة بحلول أخر هذا الشهر أي بعد خمسة أيام من الأن!

المعلومات تُشير إلى أن 100 حالة فقط على الـ 333 حالة المُسجّلة موجودة في المستشفيات وتتلقى عناية طبّية، في حين أن الباقي يُمارس حجراً منزلياً. هذا الأمر يطرح علامتي إستفهام: الأولى ما هو سبب بقاء هؤلاء المُصابين في المنازل وليس في المستشفيات؟ هل الأسباب آتية من منطلق أن هذه الحالات لا تُسجّل عوارض خطيرة أو من منطلق أن لا مكان في المستشفيات، مع العلم أن إحدى المستشفيات التي تلقّت تبرعات من المواطنين لم تفتح أبوابها لحالات كورونا.

علامة الإستفهام الثانية تنص على أنه ونظرًا إلى التوقعات بإرتفاع أعداد المصابين بشكل إسّي (Exponential) في الأيام والأسابيع المقبلة من دون معرفة مكان وزمان القمّة، ما هي قدرات القطاع الصحّي اللبناني الإستيعابية لمواجهة ألاف الحالات المُصابة؟ الجدير ذكره أن التوقّعات بألاف الحالات المصابة بفيروس كورونا السيئ الذكر، مبّنية على مُعطيات علمية وليس على تكهنات لأهداف غير علمية.

هذا الواقع، سيضع الحكومة أمام ثلاث مُشكلات كبيرة لا أحد حتى الساعة قادر على تقدير تداعياتها نظرًا إلى كثرة المُعطيات والعوامل (على رأسها إلتزام المواطنين منازلهم) التي تُحدّد مدى عمق كل مُشكلة:

} إستيعاب المصابين }

كما ذكرنا أعلاه، السؤال الأساسي الذي يجب على الحكومة وضع حّل له، هو عن القدرة الإستيعابية إن من ناحية الأماكن التي يُمكن فيها إستقبال المُصابين ولكن أيضًا من ناحية عدد الكادر الطبّي المولج مُعالجة المصابين. صدق المعنيون حين قالوا أن الأمور ما زالت تحت السيطرة، لكنهم لم يقولوا للرأي العام أن هذه السيطرة سيتمّ فقدانها مع إرتفاع الأعداد وبغياب خطّة من قبل الحكومة.

قدرة الدولة المالية على مواجهة الكلفة الصحّية لفيروس كورونا ستضّمحل مع إرتفاع الإصابات وذلك بحكم أن الوضع المالي الذي هو في الأساس مُتردٍّ، ولكن أيضًا بسبب إرتفاع عدد الإصابات العالمية مما يزيد الطلب على المواد الطبّية التي هي مُستوردة من قبل لبنان. هذا الأمر يعني أنه على الحكومة القيام بوضع خطّة مُحكمة لشراء المواد الطبّية وتحسين القدرة الإستيعابية من مواردها المالية بالدرجة الأولى نظرًا إلى أن الإنفاق التشغيلي العام (السفر، التنقلات، الكهرباء...) إنخفض نظرًا إلى الحظر المفروض على القطاع العام. كما يُمكنها الإعتماد على تبرعات اللبنانيين والتي أظهرت تجارب الأسبوع الماضي أن المواطن اللبناني والقطاع الخاص جاهزون للمساعدة على مواجهة هذا الفيروس السيئ الذكر.

على كل الأحوال، الكلفة الفعلية لهذا الوباء يُحدّدها عاملان: الأوّل عدد المصابين والذي لا نعرف قمّته، والثاني توفّر المواد الطبّية وأسعارها في الأسواق التي تخضع للعرض والطلب.

} تأمين المواد الغذائية }

المُشكلة الثانية هي مُشكلة تأمين المواد الغذائية للمواطنين الذين لا يعملون بحكم أمر الواقع. وهذا الأمر سيدّفع المواطنين إلى إستنزاف مدّخراتهم إن في المصارف أو التي سحبوها من المصارف، وذلك لشراء المواد الغذائية والمواد الأساسية. إلا أن قسماً كبيراً من هؤلاء المواطنين لا يملكون الكثير من الأموال في منازلهم وبالتالي فإن قدرتهم على الصمود ليست كبيرة من هنا يتوجّب على الحكومة اللبنانية تأمين الحصص الغذائية لهؤلاء من خلال البلديات ووزارة الشؤون الإجتماعية.

في الواقع السيناريو السيئ ينصّ على أن قدرة لبنان على إستيراد المواد الغذائية ستضمحل مع إعلان الدوّلة تخلّفها عن سداد إستحقاقاتها من سندات اليوروبوندز. وهذا الأمر يفرض على الحكومة وضع خطّة لتدارك الوضع قبل وصول الأزمة إلى مستويات خطيرة. الجدير ذكره أن لبنان كان يستورد قبل الأزمة المالية وأزمة كورونا السيئة الذكر ما يوازي 7 مليار دولار أميركي من المواد الغذائية.

} ما بعد كورونا }

المُشكلة الثالثة هي مُشكلة شبه حتمية بحكم أنه لا يوجد أي علاج حتى الساعة لفيروس كورونا السيئ الذكر، وبالتالي فإن اللبنانيين والدوّلة اللبنانية سيستنزفون قدراتهم المالية من دون أن يكون هناك في المقابل إنتاج بسبب التعبئة العامة. وبالتالي وفي حال إيجاد علاج لفيروس كورونا السيئ الذكر الذي لن يكون متوفّرًا قبل العام 2021، سيخرج لبنان من الأزمة الصحيّة في حالة مالية كارثية ستزيد من كارثية الوضع المالي السيئ أصلاً. وهذا الأمر سيجّعل لبنان في وضع ضعيف جدًا أمام المُقرضين الدوليين نظرًا إلى أن أي خطّة لسدّ هذه الديون تفرض إستثمارات سيكون من شبه المُستحيل القيام بها نظرًا إلى عدّم توفر الأموال داخليًا وحجوب المُستثمرين الخارجيين عن الإستثمار في لبنان مع تفشي الفساد وغياب الإصلاحات.

في ظلّ هذا الواقع، لبنان ما بعد فيروس كورونا السيئ الذكر لن يكون كما قبل الفيروس حيث من المتوقّع أن يتراجع المستوى الإجتماعي للمواطن اللبناني، وأن يتغيّر وجه الإقتصاد اللبناني مع العودة إلى الإعتماد على الزراعة المحلّية التي لطالما أهملها اللبنانيون بحجّة أن المُستورد أرخص.