ما صدر عن وزير المالية غازي وزني في اليومين الماضيين من قرار يقضي بتعليق كافة المهل المتعلقة بالموجبات التي تترتب على المكلفين بالضرائب والرسوم... وبعده التعميم الذي صدر عن حاكم مصرف لبنان باعطاء قروض دون فوائد لأصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة التي تعاني من أزمات مالية بسبب الاقفال التام على خلفية مواجهة تفشي وباء كورونا والزام اللبنانيين البقاء في بيوتهم، وقبل ذلك ما كان صدرعن الوزير وزني من تصورات وافكار في مجلس الوزراء لانقاذ الوضع الاقتصادي في لبنان، جميعها تبدو ايجابية في بعض جوانبها، لكن في الجوهر تطرح الكثير من المخاوف حول اقتصاد المعالجات على قضايا ازمات لا تطال ازمات المواطنين من جهة وخلفيات السياسات المصرفية التي تعتمدها ولا تزال المصارف تجاه المودعين من جهة اخرى.

فقرار الوزير وزني بتعليق الموجبات التي تترتب على المكلفين بالضرائب والرسوم، هي في جانب اساسي ومهم تساعد كل هؤلاء على التخفيف من اعبائهم المالية بعد ان تعطلت اعمالهم وكل ما يتعلق بما كانوا يستحصلون عليه من مؤسساتهم أو وظائفهم، أو المعنيين بالقطاعات المهنية المختلفة، لكن هذا القرار رغم ايجابيته على فئات كبيرة من اللبنانيين، الا انه في الوقت ذاته سيفضي الى صفر في واردات الخزينة، مع كل ما يحمله هذا الانخفاض في الواردات من عجز متفاقم في المالية العامة، بينما تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي والحياتي من جهة، ودخول أعباء مواجهة تفشي كورونا تتطلب امكانيات ضخمة من الدولة غير متوفرة، بل إن كل ما يتم صرفه اليوم من جانب وزارة المالية لمواجهة كل هذه الاعباء سترفع العجز والمديونية العامة، وتؤدي ايضاً الى تخفيض الاحتياط المتبقي في مصرف لبنان، في حين يقول خبير مالي - اقتصادي ان كل المنافذ باتت مقفلة في ظل ما تواجهه دول العالم من تبعات مالية كبرى في الحرب على فيروس كورونا من حصول لبنان على مساعدات او قروض بمبالغ وارقام تمكن الدولة من مواجهة كل الاعباء التي يستوجبها الوضع المأساوي الذي دخلت به المالية العامة واحوال النسبة الاكبر من اللبنانيين.

كذلك الامر كما يقول الخبير الاقتصادي ينسحب على تعميم مصرف لبنان بالطلب من المصارف التجارية تقديم قروض بفائدة صفر لمدة خمس سنوات لمؤسسات القطاع الخاص التي تعاني من ازمات مالية بسبب الاقفال لأجل دفع رواتب العاملين لديها واستحقاقات اخرى فهذا التعميم، ولو انه يحمل بعض الايجابيات لمساعدة المؤسسات الخاصة التي تعاني من أوضاع مالية صعبة، وبالتالي عدم قطع رواتب العاملين فيها، وفي ظل مما يواجهه اللبنانيون بما فيهم العاملون في القطاع الخاص من معاناة صعبة، وحتى لا تتفاقم هذه الازمات في حال عمدت هذه المؤسسات او بعضها لوقف رواتب العاملين فيها، فهو في الوقت ذاته يطرح العديد من التساؤلات حول امور ومسائل طرحت في السابق حول اداء هذه المصارف من جهة والذين قد يلجأون من اصحاب المؤسسات لطلب الحصول على قروض.

ففي حال كان هناك طلب على القروض من جانب عدد كبير من اصحاب المؤسسات، فالسؤال يندرج حول كيفية تأمين هذه المصارف للمبالغ بالدولار، في حين تتمنع المصارف عن اعطاء المودعين بالدولار بعض ما هو حاجة لهم من مبالغ بالدولار، وفي حال لم يكن هناك إمكانية لدى المصارف سيكون هناك عجز عن تلبية ما ستطلبه المؤسسات، وإما انه سيفضي الى أزمة سيولة لدى هذه المصارف، وبالتالي تداعيات سلبية كبيرة على المصارف.

والامر الاخر الذي يطرح نفسه، يندرج حول تنفيذ مؤسسات القطاع الخاص لمندرجات تعميم مصرف لبنان، وتحديداً دفع رواتب العاملين لديها، بتراكم مزيد من الاعباء عليها، ولو دون فوائد مع إقفال هذه المؤسسات وعدم وجود انتاجية من جانب العاملين فيها بسبب ضرورات التعبئة العامة والتزام البقاء في المنازل. وذلك يعني بحسب الخبير الاقتصادي تفاقم ازمات اللبنانيين وبالدرجة الاولى العاملين في القطاع الخاص مع استبعاد قيام اصحاب هذه المؤسسات بدفع رواتب العاملين فيها عبر حصولها على قروض من المصارف التجارية.

والمسألة التي سيكون لها تداعيات سلبية اكبر على اللبنانيين عموماً والمودعين خصوصا ما يندرج في مشروع الكابيتال كونترول لاساءته الضخمة على المودعين والاعتداء على حقوقهم ولا يعطيهم حقوقهم كاملة خصوصاً بالنسبة الى السحوبات بالدولار - وفق تأكيد الرئيس نبيه بري - الا اذا قام وزير المال سحب هذا المشروع بالكامل، او أعاد النظر بشكل جذري، ببعض مندرجات المشروع، إن من حيث اقتصاره على المودعين من اصحاب المبالغ المعتبرة وما فوق، وان يتيح للمودعين خاصة من اصحاب الودائع المتوسطة والبسيطة بالحصول على حقوقهم بالدولار، وغير ذلك، سيفضي الى نتائج سلبية كبيرة وبما يتيح للمصارف رفع «اليد على الودائع» او جزءاً مهماً منها،إما باقتطاع نسب لا يتحملها المودعون الصغار، واما بما يخص السحوبات بالدولار، لكنها تحويل الودائع الكبيرة او المتوسطة او جزءاً منها من اسهم في المصارف، فهو يتيح رفع ميزانيات المصارف وتحسين السحوبات بالدولار، لكنه لا ينعكس ايجاباً في وقت قريب على المالية العامة، من حيث ضرورة استعادة بعضاً من الأموال المنهوبة المودعة في المصارف، أو المهربة الى الخارج، لان هذا الخيار يبقى المدخل الوحيد لكي تتمكن الدولة والحكومة من الايفاء بمسؤولياتها تجاه اللبنانيين مع تنامي ازمات المواطنين وضرورة التزامهم بيوتهم لمواجهة تفشي كورونا من جهة، وعدم زيادة العجز بنسبة كبيرة، وخطر الوصول الى الافلاس العام من جهة ثانية.

وانطلاقاً من كل ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي المطلع أن أي اجراءات وخطوات للحكومة والجهات المالية والنقدية المعنية عليها ان تنطلق من ثلاث ضرورات وطنية اساسية، لكي تجنب لبنان واللبنانيين الخيارات الاكثر خطورة التي قد تتجه اليها البلاد وهي:

- اولاً: الآليات المفترضة لمساعدة غالبية اللبنانيين على تجاوز الازمات المتدحرجة التي تضرب هذه الغالبية وبالدرجة الاولى الذين بلغوا حالا من الفقر المدقع والمحتاجين، وما حصل في الايام الماضية مع تشديد الاجراءات لتطبيق قرار الحكومة بالتعبئة العامة والتزام اللبنانيين منازلهم، وتحديداً مع بعض السائقين العموميين، أو مخالفة قرار التزام البيوت في بعض مناطق الشمال لتأمين «قوت» يومهم مثال صارخ على أهمية ايلاء الحكومة والدولة لكيفية دفع الفقراء والذين يعتاشون يوماً بيوم البقاء في منازلهم، الى جانب الارتدادات السلبية لتعطل اعمال اللبنانيين على كل المستويات، في وقت كانت كل التوقعات من جانب المؤسسات الدولية المعنية بارتفاع نسبة الفقراء الى 60 بالمئة، حتى قبل الاعباء التي نتجت عن تفشي كورونا والاقفال التام للحياة اليومية في لبنان وانعكاسات ذلك على اكثرية اللبنانيين في الحد الأدنى.

- ثانياً: ضرورات توجه الحكومة والجهات المعنية الاخرى، من مجلس النواب الى الجهات المالية والنقدية والقضائية لاتخاذ كل ما يستوجبه الحد من تفاقم العجز في المالية العامة، مع ندرة الواردات للخزينة مع الاقفال العام، وبالتالي اللجوء الى قرارات صعبة تفضي الى استعادة المال المنهوب أو بعضاً منه، وهذا التوجه مدخله رفع الحصانة المصرفية والسياسية والطائفية والوطنية لمعرفة حقيقة المبالغ الضخمة التي تمكن أقل من واحد بالمئة من الاثرياء وحيتان المال جمعها من كل أشكال المخالفات للقانون، وبما يفضي الى إعادة هؤلاء بعضاً من ثروات غير مشروعة، اذا استحال استعادتها كلها ومحاسبة الذين جمعوا ثروات خيالية على حساب المال العام ومن جيوب اللبنانيين.

- ثالثاً: وضع آليات واضحة حتى يمكن اعادة تنشيط الاقتصاد الوطني والمؤسسات المختلفة التي ترزح تحت اعباء ضخمة نتيجة الاقفال العام لمواجهة تفشي كورونا، بحيث تتيح هذه الآليات بعد تمكن الدولة من محاصرة الفيروس الذي ضرب لبنان والعالم من إعادة الحياة للاقتصاد الوطني، وكل القطاعات التي تحتاج الى مساعدة وتنشيط.

ولذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي ان استمرار الدولة بكل مؤسساتها، بدءاً من الحكومة بنفس التوجهات الحالية، التي تعيد استنساخ سياسات الحكومات السابقة لكسب المزيد من الوقت، مع بعض التحسينات الجزئية في هذه السياسات، سيفضي الى بلوغ لبنان واللبنانيين خيارات صعبة وقد تبلغ الاوضاع الداخلية أبعد من ذلك، الى الفوضى والافلاس واعتبار لبنان دولة فاشلة.