لم تمرّ أي حكومة لبنانية سابقة بظرف صعب كالذي تمرّ به الحاليّة، فالمصائب لا تأتي فُرادى، والى جانب الهموم التي وُلدت حكومة الرئيس حسّان دياب بظلّها، اجتاح «الكورونا» الكرة الارضية، وفرض على الحكومات تحدّيات ضخمة، قد لا تتمكن الدول «الفقيرة» من التصدّي لها.

تسير الحكومة على دربين منفصلين، لكلّ منهما أهميته القصوى، الأول هو درب مواجهة «الكورونا»، وفي هذا الدرب تحاول الحكومة فعل ما يُمكن ولكنها لا تستطيع بحسب مصادر مطّلعة الذهاب بعيدا لأنها غير قادرة على ذلك، ومن هنا وبحسب المصادر تقرّر التوجه نحو فتح باب التبّرعات، والتواصل والتنسيق مع الأحزاب والجمعيات والبلديات للمساعدة قدر الإمكان، لان استمرار تصاعد حدّة الأزمة سيحتّم على الحكومة اتخاذ قرار حظر التجوّل الإلزامي، وعندها تصبح مضطرة بحكم القانون تأمين كل مستلزمات الناس في بيوتها.

تضاعفت خسائر الخزينة العامة مع بروز «الكورونا»، وما كان مرسوما بالنسبة للوضع المالي في أوائل العام 2020 لم يعد يسري على الشهر الثالث والرابع من العام، فاختلفت أرقام الإيرادات، وارتفعت أرقام الصرف، ففي شهر آذار وبحسب المصادر ستدفع الخزينة العامة حوالى 525 مليار ليرة لبنانية كرواتب للموظفين بالقطاع العام، دون تسجيل مقابلها دخول أي ليرة للخزينة، بسبب توقف الحياة الإدارية، ولأن هذا المبلغ يشكل كلفة عمل 15 يوما في القطاع العام، الى جانب بدل النقل، وبات واضحا أن الشهر الحالي لن يشهد عودة الى الحياة الطبيعية، مشيرة الى أن كلفة يوم العمل وبدل النقل في القطاع العام على الدولة حوالى 35 مليار ليرة.

لا تتوقّف خسائر الدولة هنا، بل تسبّب انخفاض سعر النفط العالمي، وانخفاض سعر صفيحة البنزين في لبنان، وانخفاض حجم النقل، والأعمال الصناعية والتجارية والسياحية، وبالتالي حجم المحروقات المستعملة، بخسائر إضافية للخزينة، اذ تشير المصادر الى أن الخزينة التي تحصل على مبلغ 5 الاف ليرة على كل صفيحة بنزين، بالاضافة الى مبلغ الضريبة على القيمة المضافة، ستعاني من انخفاض بإيرادات المحروقات بنسبة حوالي 30 بالمئة، مشددة على أن هذه الخسائر معرضّة للتزايد مع استمرار الأزمة وتفاقمها، ومن هنا جاءت فكرة تثبيت سعر صفيحة البنزين على 25 ألف ليرة، ولكن هذا الخيار لن يكون متاحا بالفترة القريبة المقبلة.

كذلك ستخسر الخزينة العامة كل إيرادات الضرائب المفروضة على الكماليات، اذ أن السلع المصنّفة ضمن هذه الفئة زاد عددها وقلّ شراؤها، وبالتالي انخفضت نسبة الضرئب التي تدخل على الخزينة العامة. هذا ما جهة، ومن جهة اخرى، تكشف المصادر أن الضرائب التي تموّل الخزينة شبه متوقفة، من الأفراد والشركات، والجباية متوقفة، بالماء والكهرباء، وحتى ولو انتهت ازمة «الكورونا» خلال شهر، فإن اللبنانيين بحاجة الى وقت طويل ليعودوا الى حياتهم الطبيعية.

كثيرة هي المجالات التي خسرت فيها الدولة المال، ما يجعل وضعها الصعب، أصعب، وأزمتها الاقتصادية أشدّ قساوة، اذ أن خسائر الخزينة العامة بحسب المصادر في هذه الفترة ستتجاوز الملياري دولار اميركي، مع العلم أن خسائر الإقتصاد اللبناني اليومية إبان مرحلة الاعتصامات والثورة، وصلت الى حدود الـ 255 مليون دولار أميركي، وهي اليوم أكبر لان الحياة الاقتصادية متوقفة تماما.

وفي هذا السياق تشير المصادر الى أن الدرب الثاني الذي تسير عليه الحكومة هو درب الخطة المالية، كاشفة أن رئيس الحكومة حسّان دياب الذي يعلم تماما حجم التحدّي، تواصل مع وزير المال غازي وزني، وطلب منه الإسراع في إعداد الخطّة المالية، والتي بدأت ترشح بعض أفكارها التي تُدرس، ومنها تحويل جزء من ودائع المودعين بالدولار الى أسهم في المصارف، وبحسب المصادر فإن فكرة هذا الخيار محصورة بـ 5 بالمئة من المودعين، وهم الذين يملكون حسابات تزيد عن 200 ألف دولار اميركي، ولكن هذه الفكرة بحسب ما علمت «الديار» لم تلق تجاوبا كاملا بعد.

إن خطورة هذه الأزمة، جعلت الحكومة تتوجه الى الأحزاب والجمعيات والتبرعات، وحتى اللحظة تمكّن هؤلاء من سدّ فجوة غياب الدولة، فاستنفرت الأحزاب قواها البشرية والمالية، وبدأت عمليات توزيع الحصص الغذائية على المنازل، ولكن السؤال الذي يُطرح، الى متى ستصمد «خزينة الدولة»؟