بروفسور جاسم عجاقة

من قبل ظهور فيروس كورنا السيىء الذكر في لبنان، كان المواطن اللبناني يعيش أزمة ثقة مع الطبقة السياسية أدّت إلى إندلاع إحتجاجات شعبية في 17 تشرين الأول 2019 وإستمرّت حتى ظهور الفيروس السيىء الذكر.

فقدان الثقة له دوافعه المشروعة، فلبنان يفتقر إلى كل الخدمات العامة تقريبًا وإذا تواجدت هذه الأخيرة فإما كلفتها عالية أو أنها رديئة. والأمثلة كثيرة أوّلها قطاع الكهرباء، والطرقات، والمعاملات الإدارية، والتلفون،... والأصعب في الأمر يبقى من دون أدنى شكّ نسبة الفقر التي كانت تناهز الـ 33% قبل وصول فيروس كورنا، لتُصبح اليوم في مستويات تتخطّى الـ 40%!

لا مشاريع إنمائية في المناطق، حيث أن زيارة بعض المناطق تُظهر إلى أي حدٍ هناك إهمال من قبل الدولة لهذه المناطق. وهذا الفقر يدفع الناس إلى الذهاب إلى بيروت وضواحيها وجبل لبنان بحثًا عن وظائف لا وجود لها في الأساس مع 30 ألف متخرّج من الجامعات مقابل 3 ألاف وظيفة مُتاحة.

وماذا نقول عن كلفة التعليم في المدارس الخاصة نظرًا إلى تدنّي المستوى التعليمي في المدارس الرسمية مع إلغاء دور المعلمين. ولا يجب نسيان غياب النظام التقاعدي في القطاع الخاص وضمان الشيخوخة حيث أن كل من يترك وظيفته هو مرشّح جدّي لدخول عالم الفقر.

في المقابل يعيش لبنان مع عجز مُزمن في الموازنة لا نعرف كيفية صرفه نظرًا إلى غياب قطوعات الحساب. هذا العجز المزمن تحوّل إلى دين عام أعلنت معه الدولة، التخلّف في السابع من آذار الجاري عن دفع إستحقاقاتها من سندات اليوروبوندز. هذه الخطوة غير المدروسة أوصلت لبنان إلى حالة لا يستطيع معها تأمين الأموال لا داخليًا ولا خارجيًا من

خارج إطار صندوق النقد الدولي.

وأتى فيروس كورونا ليزيد من الوضع سوءًا مع محدودية الدولة على الإعتناء بمواطنيها كما قال رئيس الحكومة حسان دياب الذي صرّح أن الدولة اللبنانية لم تعد قادرة على حماية مواطنيها. هذا الفيروس أظهر الخلل الكبير الموجود على صعيد التخطيط العام مع فضيحة قروض البنك الدولي إلى القطاع الصحي والذي لم يصل إلى نتيجة إيجابية نظرًا إلى رفض رقابة البنك الدولي على صرف الأموال كما صرّح وزير الصحة.

عمليًا كل ما نراه كمواطنين لبنانيين هو فشل مُتكرّر للسياسيات الحكومية على مر الوقت. من هذا المنطلق أتت ضريبة الـ 6 دولار أميركي شهريًا على الواتساب لتكون القشة التي كسرت ظهر البعير. وإذا إستطاعت القوى السياسية الحفاظ على السلطة أمام الإحتجاجات الشعبية المندّدة بها وتشكيل حكومة مستقلّين، إلا أن الوقت يمرّ ولم تستطع هذه الحكومة حتى الساعة القيام بخطوات لإستعادة الثقة المفقودة من قبل المواطنين اللبنانيين بدولتهم وبالسياسات المتبعة من هذه الحكومة. وقد يكون للشق السياسي أي المناكفات بين المعارضة والموالاة دور في هذا الأمر، إلا أن هذا الدور يبقى هامشياً أمام غياب الخطوات الفعلية التي تُعيد ثقة المواطن بدولته. هذا الغياب سيكون له تداعيات جمّة في الإنتخابات النيابية المقبلة والتي من دون أدنى شكّ ستُغيّر المشهد السياسي اللبناني إلا إذا إستطاعت الحكومة تغيير المعادلة من خلال خطوات فعّالة لإستعادة الثقة.

وهنا نطرح السؤال: ما هي الخطوات التي يتوجّب على الحكومة القيام بها لإستعادة ثقة الناس؟

الجواب على هذا السؤال يرد في تقرير البنك الدولي (World Development Report: Conflict, Secutity and Development highlights tools to win back the citizen trust) ) والذي عدّد عدة خطوات مُقسمّة إلى فئات على الشكل التالي:

أولا: السياسات المستقبلية والأولويات: وهنا نرى في أول الخطوات وضع المواطن في صلب هذه السياسات؛ وضع خطّة واقعية لإصلاحات سياسية، نظام اللامركزية، محاربة الفساد، إستقلالية القضاء؛ إستخدام قدرات الدولة، المجموعات، الجمعيات المحلية كما والقدرات الخارجية.

ثانيًا: الخطوات الفورية: وعلى رأسها الإدارة التشاركية؛ الأمن المحلّي، العدالة، ونتائج عملية للإنماء؛ وضع جدول إجراءات حكومية ذات مصداقية؛ الشفافية في الإنفاق، إعادة توزيع القوى الأمنية، وحذف السياسات الإستنسابية والعنصرية من القوانين.

ثالثًا: آليات الإلتزام: إستقلالية بعض المؤسسات التنفيذية؛ رقابة طرف ثالث مُستقلّ؛ نظام برقابة مزدوجة؛ وتطبيق دولي للوظائف.

رابعا : الخطوات الداعمة: وتحوي هذه الخطوات على تقييم المخاطر والأولويات؛ إظهار كلفة عدم الفعّالية؛ إظهار جدول بالتطور للإجراءات مقارنة بالتنفيذ سابقًا (على ثلاث مراحل سابقة مثلً)؛ إستراتجية إعلامية لمواكبة التغيير Change Management)) ولنظرة إيجابية بالمستقبل لزرع الأمل في النفوس.

بالطبع كل ما سبق الذكر، يُشكّل الإطار المنطقي والعقلاني لحكومة الرئيس حسان دياب لإستعادة ثقة المواطنين بالدولة وبمؤسساتها. من هذا المنطلق، نطرح السؤال عن مُحتوى الخطّة التي ينوي رئيس الحكومة إطلاقها في الأسبوع الأول من شهر أيار؟

بإعتقادنا من أهمّ الخطوات التي يتوجّب إداخلها في هذه الخطّة والتي ستُساهم برفع منسوب الثقة بالدوّلة:

أولا: وضع خطّة لمحاربة الفساد المستشري في المؤسسات، وزارات وأجهزة الدوّلة كلّها من دون إستثناء. وهذا الأمر ينطبق على المؤسسات بما فيها الجمارك، الإتصالات، الكهرباء، الوزارات الخداماتية...

ثانيًا: وضع آلية لإطلاع الرأي العام على كل ما تقوم به الحكومة من إجراءات ونتائجها الناجحة والفاشلة. وهذا الأمر يتضمّن موقع إلكتروني يُطلع الناس على كل ما يحصل.

ثالثًا: تعزيز الشفافية المالية حيث يتمّ عرض كل الإنفاق الذي يحصل بمجرّد تسجيله في حسابات وزارة المال، ومقارنته بالموازنة بشكل متزامن مع تاريخ حصوله، بالإضافة إلى عرض إنفاق السنين السابقة بحسب الأبواب المنصوص عليها في الموازنة.

رابعًا: مشروع يتضمّن إستقلالية القضاء بالكامل عن السلطة السياسة. وهذا المشروع يجب أن يكون في أول نقاط خطّة الحكومة.

خامسًا : طرح خطّة مساعدة المتضرّرين ماليًا، غذائيًا وصحيًا من فيروس كورونا على المدى القصير والمتوسط.

سادسًا : إنشاء وحدة خاصة تتضمّن تقييم المخاطر المستقبلية على أنواعها (سياسية، إقتصادية مالية، إجتماعية، صحّية، أمنية)، يكون من مهامها الرئيسية التنبؤ بكل ما قد يطال الشعب اللبناني من مخاطر مثل فيروس كورونا.

سابعًا : إنشاء وحدة للقيام بالـ «Change Management» في كل وزارات وإدارات الدولة اللبنانية تكون مهامها وضع قرارات الحكومة المستقبلية في خطّة تنفيذية صالحة للتنفيذ من دون كلمة «لو».

بالطبع لم نأت على ذكر الخطوات الإقتصادية والمالية التي يجب على الحكومة إدخالها في خطّتها الإنقاذية بل إكتفينا بالخطوات التي تُعيدّ للناس ثقتهم بدولتهم وبالسلطة التنفيذية بالتحديد.