يسود القلق والخوف على مستقبل البشرية جراء تفشي كورونا في معظم دول العالم، وما يحصل على مستوى الشعوب والحكومات من ضياع وعدم القدرة على وقف تمدد هذا الوباء الى أعداد كبيرة يومياً، رغم التزام مئات ملايين الناس بيوتهم ومنازلهم، ورغم مئات مليارات الدولارات التي خصصتها اكثرية حكومات العالم لمواجهة تفشي هذا الخطر المجهول، ولو ان الصين تمكنت من حصر تمدد الوباء الى حدود قليلة جداً.

واذا كانت اكثر من دولة في العالم تحدثت في الايام الماضية عن وصول علماء الجرثوميات والشركات المتخصصة الى بدايات ايجابية لامكانية انتاج لقاحات للشفاء من هذا الخطر الذي يواجه مئات ملايين الناس في العالم، فالعديد من هذه الدول لا تزال عاجزة رغم كل ما اتخذته من اجراءات على كل المستويات الصحية والاستشفائية، الى الزام السكان على البقاء ببيوتهم والى تخصيص أموال ضخمة لكي تتمكن من محاصرة «تفشي هذا الوباء»، وحتى الى استنفارات غير مسبوقة في اجهزاتها الامنية للمساعدة في هذا الامر. من الولايات المتحدة الى ايطاليا ومعظم دول اوروبا الغربية، الى ايران حتى ان كورونا تمدد الى دول لا يحدها سوى المحيطات مثل اوستراليا.

ولذلك، فحتى اليوم، لم يتضح ما ستؤول اليه حياة سكان العالم، والفترة الزمنية التي ستواجه العالم قبل الانتصار على هذا الوباء، ان من حيث محاصرة تمدده، وان من حيث تمكن العلماء من انتاج لقاحات تعالج كورونا وخطر اصابة عشرات وربما مئات ملايين البشر به، في وقت تبدو حكومات العالم في «حيرة» وعدم قدرة على استشراف ما ينتظر البشرية في الاشهر المقبلة وربما أبعد من ذلك، خصوصاً أن كل ما تعلن عنه بعض الدول التي سارعت لتخصيص مئات ملايين الدولارات من «اجل تكثيف عمل وجهد علماء الجرثوميات لم يفض حتى اليوم الى مؤشرات كاملة حول تركيبة وباء كورونا واسبابه، وبالتالي طبيعة اللقاحات التي سيعمل في سبيل الوصول اليها، رغم ان كل من ايران وروسيا تحدثت مثلاً في الساعات الماضية عن «ان علماء روس نجحوا في كشف الجينات الفاعلة لفيروس كورونا»، واعلان دول اخرى عن بدايات ايجابية.

ويقول احد المطلعين في قضايا الطب والاليات التي تعتمد من جانب الدول التي تنتج ادوية للامراض المستعصية وما شابه انه حتى لو تمكنت بعض الدول من معرفة جينات هذا الوباء، فان تمكن العلماء من انتاج لقاحات ذات فعالية عالية تحتاج الى فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر، في حال التوصل الى هذا الانجاز العلمي والطبي، كما ان انتاج مئات ملايين اللقاحات هو أيضاً يحتاج الى فترات أطول نظراً للطلب عليه من جانب معظم دول العالم وشعوبه، كما ان مسألة حصول كل الدول والشعوب، خاصة الفقيرة او التي تواجه أوضاعاً مالية صعبة، كما هي حال لبنان فيأتي في المرتبة الاخيرة بين الدول التي يمكنها شراء هذا اللقاح، ووضع كميات كافية داخل هذه الدول لمواجهة انتشارهذا الوباء ومعالجة المصابين، وبالتالي العودة عن اجراءات الزام المواطنين البقاء في بيوتهم، وما يستتبع ذلك من أعباء ضخمة على الدولة والمواطنين تفوق قدراتها بعشرات المرات.

والواضح ان لبنان من دول قليلة في العالم، غير قادر على مواجهة هذه الاعباء في حال تطلب منع إنتشار كورونا لفترة طويلة، فمثلاً الدراسة التي توصلت اليها الجامعة الاميركية ـ اللبنانية لتطور عدد الاصابات والضحايا في لبنان، يتوقف على مدى الالتزام بالعزل الكلي او الجزئي، أو عدم الالتزام بالكامل، فحتى في العزل الكلي سيؤدي تفشي كورونا الى وفاة 472 واصابة 15 الف شخص، اما في العزل الجزئي فعدد الوفيات سيرتفع الى 4685 شخصاً والمصابين الى 135268، وفي حال عدم الالتزام فعدد الوفيات سيصل الى ارقام كبيرة تصل الى 173861 مواطن واصابة 2734622 مواطناً، ما يعني انه حتى في العزل الكلي، وفيما متوقع سيمثل عدداً كبيراً بالنسبة لبلد مثل لبنان، فيما لم تتحدث الدراسة عن ترجيحات والفترة التي يحتاج لبنان للعزل الكامل، حتى يوقف انتشار الوباء بالكامل.

وعلى هذا الاساس، يواجه لبنان دولة وحكومة ومواطنين عجزاً يصعب تأمين بدائل له في القدرة على تحمل الاعباء المرتقبة، مالياً واقتصادياً وحياتياً وصحياً لما سيرتبه من تداعيات على كل هذه المستويات في الداخل اللبناني، خصوصاً في ظل الغموض الذي يكتنف مواجهة هذا الوباء والفترة التي يحتاجها لبنان كما معظم دول العالم للوصول الى هذه النتيجة، رغم كل التوصيات والترجيحات التي تطرح من علماء الجرثوميات او من عدد كبير من حكومات العالم حول التقديرات المرتقبة لمنع هذا الوباء وايجاد اللقاحات له.

ومن خلال الضبابية التي تحيط بوباء كورونا، والفترة التي يمكن ان يحتاجها العالم ولبنان لمواجهة هذا «الزلزال» الخفي وتداعياته على كل المستويات على لبنان وأهله، فكل ذلك يطرح جملة مخاوف واسئلة وحتى الرعب الذي يساور الجميع، وبخاصة الحكومة والفقراء والمحتاجين حول كيفية تأمين مقومات الصمود لبنانياً، وفي المقام الاول، اسئلة صعبة دون اجوبة لكيفية الصمود وفي حال تطلب مواجهة هذا الوباء لفترة غير واضحة ومحددة، ومن هنا، يطرح مصدر سياسي متابع جملة تحديات صعبة جداً سيواجهها لبنان واللبنانيين في خلال هذه الفترة، ولو ان مجلس الوزراء قرر في جلسته الاخيرة عدداً من الاجراءات والخطوات لمساعدة الدولة استشفائياً واجتماعياً ومساعدة المواطنين الذين تعطلت اعمالهم وفقدوا وسيلة رزقهم، ومن كل ذلك يتوقف المصدر عند جملة تحديات كبرى سيواجهها لبنان في الفترة المقبلة انطلاقا من الآتي:

1- ان امكانات الدولة محدودة جدا وهي تحت الصفر نظرا للواقع المأساوي الذي بلغته ميزانية الدولة وجراء سياسات النهب التي تفاقمت طوال 30 سنة واوصلت البلاد الى حدود الافلاس الكامل فيما تداعيات وباء كورونا حول العالم سيفضي الى صعوبة كبيرة جدا في الحصول على مساعدات او قروض من الهيئات الدولية او الدول التي كان يعوّل عليها لبنان في وقت تؤكد على التوقعات ان العام يتجه الى ركود اقتصادي كبير جدا.

2- ان واقع الاغلبية العظمى من اللبنانيين وصلت الى حدود الفقر المدقع قبل تعرضهم لخطر وتداعيات كورونا وبالتالي فنسبة الفقر والعوز ستبلغ حدودا خطيرة يصعب على النسبة الاكبر من المواطنين مواجهتها بعد توقف اعمال اللبنانيين وامكانية تحصيل فئات واسعة لقوتهم اليومي بسبب ضرورات التزام بيوتهم لمواجهة تفشي كورونا وبالتالي ما سيؤول اليه هذا التعطيل والشلل الكامل على حياة اللبنانيين من عوز وجوع وافتقاد حتى لربطة الخبز او الجزء البسيط من مقومات حياتهم خاصة على الفقراء الذين توقفت اعمالهم وامكانية تأمين حياتهم يوما بيوم.

3- ان اجراءات وقرارات الحكومة في جلستها الاخيرة رغم ايجابياتها لكنها غير كافية لمواجهة الاعباء الضخمة التي تحتاجها الدولة ونسبة كبيرة من اللبنانيين حتى في حال حصول تجاوب من الخارج او من جهات وداخلية ميسورة او تملك ثروات ضخمة فالواضح ان الذين يفترض بهم تقديم مساعدات عالية للخزينة واللبنانيين من اصحاب الثروات وحيتان المال اما انهم لن يتجاوبوا مع تسييل اجراءات الحكومة واما ان تقديمات البعض ستكون متواضعة ولذلك يوضح المصدر ان حاجة الدولة واللبنانيين لمواجهة اعباء كورونا خاصة في حال احتاجت محاربته وتوقف اعمال اللبنانيين والتزام المنازل لفترة طويلة او حتى لشهر او اكثر فالواقع المأساوي لاكثرية اللبنانيين سيصل الى حدود تفشي المجاعة من جهة ومزيد من الانهيار في الواقعين المالي والنقدي على الرغم من بعض المبادرات التي اطلقتها بعض القوى السياسية والبلديات وهيئات المجتمع المدني المختلفة للتخفيف من اعباء الازمة على بعض المحتاجين لكنها تبقى محدودة.

وفي الخلاصة يؤكد المصدر ان مسؤولية مواجهة المخاطر التي يستوجبها مواجهة كورونا والاعباء الناجمة من ضرورات منع انتشاره تفترض من كل القوى السياسية وضع خلافاتها جانبا والتعاون الى اقصى الحدود لمساعدة الدولة واللبنانيين على تخطي تداعيات هذا الوباء المجهول القاتل للدول والشعوب لما يفترض من الحكومة اجراءات اكثر شمولية وجدية منطلقها فرض اجراءات او قوانين يقرّها مجلس النواب على المصارف وحيتان المال وكل الذين استفادوا او ما زالوا حتى اليوم من المال العام ويفاقمون ثرواتهم من خلال «وضع اليد» على املاك الدولة «بالنصب والاحتيال» والتغطيات السياسية والطائفية ومن دون ذلك ستبلغ حال الدولة ومعها نسبة كبيرة من اللبنانيين مخاطر قد يصعب السيطرة عليها في حال احتاج محاربة كورونا الى فترات طويلة.