اعلان بعض الدول المتقدمة ومنها الصين عن بداية جيدة لوصول العلماء في علم الجرثوميات الى دواء لمعالجة فيروس كورونا، وما بلغه العالم أجمع من حال هلع وخوف وقلق، لا يعني بحسب جهات طبية ان العالم سيتمكن من مواجهة خطر هذا الفيروس في وقت قريب، بل ان المسألة ستحتاج الى فترة لا تقل عن العام الكامل، في حال توصل علماء هذه الدول الى دواء يعالج هذا الوباء المجهول، خصوصاً ان توافر الكميات الكافية لكل دول العالم وفي فترة معقولة ليس بالامر السهل.

وعلى هذا الاساس، يتضح جلياً، بحسب الجهات، المذكورة انه الى جانب العمل المتسارع من جانب بعض الدول لايجاد لقاحات تمكن شعوب العالم من الشفاء منه، فالمسألة التي توازي هذا الانجاز في حال حصوله، يتمثل اليوم في قدرة دول العالم على التعاون لمكافحة الفيروس، بعيداً عن كل حسابات الصراع التي كانت تدور «رحاها» بين محورين اساسيين في العالم، قبل تفشي كورونا، ولاحقا عدم لجوء بعض الدول التي قد تتوصل شركاتها واختاصييها، الوصول الى لقاحات، لشفاء سكان الارض، ومنع تفشيه بسرعة لم يكن يتوقعها احد في العالم، رغم كل ما يجري تداوله من معطيات ومعلومات عن توقع بعض علماء الجرثومية منذ العام 2015 على الاقل بتفشي هذا الفيروس، الى احتكار الدواء لغايات سياسية، او لغايات تحقيق ارباح خيالية.

الا ان ما كشفت عنه تصرفات بعض الدول في الاسابيع الثلاثة الماضية مع تفشي كورونا وانكباب بعض الدول المتقدمة للتوصل الى علاج لكورونا، يظهر ان الادارة الاميركية بشكل خاص، تحاول وتعمل للاستثمار السياسي والتجاري من تفشي هذا الفيروس، خاصة في مواجهة بعض الدول التي تناضل للحد من الهيمنة الاميركية على العالم، والحد من «وضع اليد» على مصير شعوب وثروات معظم شعوب الارض، ما دفع ولا زال الى اضطرار كثير من حكومات العالم لتوجيه انتقادات حادة للعنجهية التي تدير سياسات الادارة الاميركية، وحتى من جانب دول حليفة لواشنطن، ولذلك يلاحظ مصدر سياسي - اقتصادي ان ادارة ترامب تحركت ولا تزال للاستثمار على تفشي وباء كورونا من خلال ثلاث مفاصل رئيسية:

- الاول: لقد تعمّد اكثر من مسؤول اميركي ضد اكتشاف اولى الحالات المصابين بكورونا في الولايات المتحدة، لاتهام الصين لكنها وراء وصول كورونا الى الداخل الاميركي، في موقف ينم في الحد الادنى عن جهل وتقصد الاستثمار على هذا الفيروس، بدل الانخراط في التعاون مع العالم لمواجهة كورونا، ممع ان كثير من الفرضيات لا تستبعد ان تكون جهات اميركية وراء تفشي كورونا في الصين، حتى ولو كان هؤلاء على دراية ان هذا العدو المجهول سيضرب كل العالم حتى الولايات المتحدة.

- الثاني: ما بلغه كبار المسؤولين الاميركيين من حقد وكراهية ضد ايران ونظامها، والاستثمار على تفشي كورونا في ايران لفرض الشروط السياسية عليها، بل الاخطر ما كشف عنه الجنرال الاميركي فرانك ماليزي (مسؤول الاعمال العسكرية المشرفة على ايران وغيرها) امام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الاميركي من تفشي حيال تعرض عدد من المسؤولين الايرانيين لوباء كورونا ووفاة بعضهم، واطلاق الاتهامات ضد الدولة الايرانية باحتمال لجوئها الى نقل هذا الفيروس الى دول اخرى، على غرار نفس الموقف الذي أعلنته الحكومة السعودية وتتهم فيه طهران بنقل كورونا الى داخل السعودية، ما يؤكد النية الاميركية المبيتة للانتقال من ايران، ولو من خلال قضية انسانية، وهو الامر الذي تفعله مع دول عديدة في العالم من الصين الى حلفائها في الدول الغربية.

- الثالث: السباق المستميت الذي بلغته الادارة الاميركية للتفرد بانتاج لقاح «كورونا» ليس عبر الشركات الاميركية، ومنها من خلال ما قام به الرئيس الاميركي دونالد ترامب لاغراء شركة (CURE Vac - AG) الالمانية للادوية البيولوجية مما اضطر المجلس المشرف على الشركة على إقالة رئيسها دان ينيشيلا بعد ان كان الاخير ناقش مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب لما قالته الشركة ناقش مع ترامب تطوير لقاح «كورونا». وبعد ايام قليلة دعا ترامب هذه الشركة للانتقال الى الولايات المتحدة والعمل هناك لانتاج اللقاح، وضمان اللقاح حصريا لبلاده، وقدم لها اغراءات تصل الى مليار دولار ما ادى الى خلافات بين واشنطن وبرلين حول ما فعله ترامب، وفق تأكيد صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الالمانية، وقد انتقدت وزيرة الصحة الالمانية هذا السلوك الاميركي، ووصفته بغير المقبول.

ومن كل ذلك، يؤكد المصدر ان ترامب وكبار المسؤولين لديه يعملون بطريقة غير انسانية وغير اخلاقية لاستغلال وباء «كورونا» بهدف فرض مزيد من سياسات الهيمنة الاميركية على دول العالم، بدء من الصين الى ايران وحتى حلفائهم في الغرب، فيما الشعور الانساني والاخلاقي يفترض من الادارة الاميركية ان تتعاون بكل امكاناتها مع حكومات ودول العالم والهيئات الدولية لمواجهة خطر هذا الوباء على البشرية جمعاء، في وقت حاولت تسييس عرضها لايران تقديم مساعدات صحية لها، كما ان ادارة ترامب لم تقم باجراءات لتخفيف العقوبات على ايران، حتى لتمكينها من استيراد بعض الحاجيات الضرورية للحد من تفشي «كورونا» ومعالجة المصابين.

وبالتوازي مع هذا السلوك الاميركي الذي يضرب بعرض الحائط هذا الخطر الحياتي والصحي على البشرية، فالسؤال الاخر، الذي يطرح نفسه في الداخل اللبناني، يتمحور حول غياب المسؤولية الوطنية والتعاون من جهات مختلفة سياسيا ومالياً؟

فالمصدر يلاحظ ان بعض القوى السياسية، إما ان تتعاطى بحيادية مع جهود الدولة والحكومة لمواجهة تفشي «كورونا»، واما هي صامتة، واما هي تمارس لعبة الاستغلال وتصفية الحسابات مع الحكومة وقوى سياسية اخرى، من العهد الى حزب الله، وقد انحدرت هذه القوى والاطراف الى تحريك وسائلها الاعلامية او التي تمون عليها لاطلاق حملة تجييش واستغلال بعض الاخطاء في تعاطي الحكومة وبخاصة بعض وزرائها، مع ان كل دول العالم وحكوماتها أصابها نوع من الضبابية وعدم معرفة ماهية الاجراءات المطلوبة لتمنع تفشي هذا الفيروس، بل ان هذه الوسائل الاعلامية خاصة المرئية منها، أطلقت حملة تخويف للبنانيين ساهمت في بعض جوانبها بتفشي «كورونا» من خلال الازدحام على محال بيع المواد الاستهلاكية والغذائية وغير ذلك.

والامر الاخر الذي مارسته جهات مالية ومصرفية، وكل الذين يتاجرون بلقمة عيش المواطن، وحتى استغلال قضية انسانية للاثراء غير المشروع، فالمصارف تعمدت الى تفسير قرار مجلس الوزراء، بالتعبئة العامة واقفال الادارة والمؤسسات العامة والخاصة بما يتلاءم مع مصالح أصحابها، من حيث حرمان المودعين من الحصول على مبالغ بسيطة من العملات الاجنبية وتحديداً الدولار، مع ان قرار مجلس الوزراء طلب من المصارف بالاسم ان تبقى فروعها مفتوحة وبالحد الادنى من العاملين فيها تسيير امور الناس والمودعين، ما يؤكد على المنطق المافياوي الذي تصرّ عليه المصارف واصحابها.

وكذلك الامر، بما خص حيتان المال وكل الذين جنوا ثروات ضخمة من المال العام، حيث لم يعمد اي من هؤلاء للقيام بمبادرة تعبر عن شعور انساني والتضامن مع بلدهم وشعبهم، عبر التبرع للدولة او للجهات المعنية بمبالغ معقولة لهذه الغاية، ويرى المصدر انه رغم ما قام به نواب لا يتعدون اصابع اليد من منح رواتبهم لجهات استشفائية لفترة محددة، فهذه المبادرة هي معنوية، لان ما تحتاجه الدولة والجهات المعنية والمواطن من امكانات كبيرة جداً، خصوصاً ان الزام فئات كبيرة من المواطنين الذين يعتاشون بمردودهم اليومي، عاجزون عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة بدءا من المعقمات والكمامات التي ارتفعت اسعارها بصورة خيالية، من جانب مافيات المستورين والتجار.

والامر ذاته ينطبق على مستوردي وتجار واعداد كبيرة من مالكي السوبرماركت والمحلات التي تبيع المواد الاستهلاكية والغذائية بالمفرق، حيث تعمد هؤلاء الى رفع الاسعار بصورة كبيرة، بعد أن كانت تضاعفت في الشهرين الماضيين نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار.

من كل ذلك، فالمواطن اللبناني، وبالاخص الفقراء باتوا اليوم امام مستقبل غامض، بانتظار وصول الشركات الدولية المعنية الى انتاج دواء أو لقاحات لمعالجة «كورونا» - ناهيك عن التأخير عن وصوله الى لبنان بعد انتاجه - وبانتظار قيام الحكومة باجراءات جذرية وشاملة للحد من تفاقم الازمات الحياتية والمعيشية، وهو الامر الذي ينسحب على كثير من شعوب العالم، في ظل تنامي الركود الاقتصادي وحاجات الدول الى امكانات ضخمة لمواجهة هذا الوباء المجهول وتداعياته، ويبقى ان الدولة ومجلس الوزراء عليهما مسؤوليات ضخمة عبر سلسلة اجراءات لمساعدة اللبنانيين على تخطي هذا «الزلزال» غير المرئي.