بروفسور جاسم عجاقة

لم يستطع أحد أن يتوقّع التداعيات الإقتصادية التي نتجت عن تفشّي فيروس كورونا الجديد «Covid-19» وبمراجعة لمعظم التحاليل الإقتصادية الصادرة في الأسابيع الأولى من شهر كانون الثاني 2020، نرى أن كل هذه التحاليل إعتمدت تداعيات فيروس الـ «SARS » الذي ضرب الصين في أوائل هذا القرن لتبني عليها تحاليلها. في الواقع حجم الصين الإقتصادي وإندماجه في الإقتصاد العالمي جعل من خفض الطلب على النفط أزمة فعلية للدول المنتجة للنفط.

في الواقع قبل الأزمة الصراع القائم بين الدول على الحصص في السوق، كان يتركّز بين ثلاثة أقطاب: الولايات المُتحدة الأميركية، روسيا والمملكة العربية السعودية. وفي حين إحتلّت الولايات المُتحدة الأميركية المرتبة الأولى من ناحية الإنتاج وذلك بفضل نفطها الصخري، إلا أن إقتصادها الضخمّ جعلها في موقع الأمان من ناحية إنها تستورد وتُصدّر في نفس الوقت. وبالتالي أصبح لها وزن هائل في سوق العرض وفي سوق الطلب.

إنخفاض الطلب الصيني على النفط والذي سببه إنتشار وباء كورونا، نقل الصراع الثلاثي إلى صراع ثنائي بين المملكة العربية السعودية من جهة وروسيا من جهة أخرى. تاريخيًا، كانت روسيا تتعاون بشكل وثيق مع منظمة الأوبك لتحديد الكميات المُنتجة بهدف الحفاظ على أسعار مقبولة للمنظمة ولروسيا في آن واحد. وقد تُرجم هذا التعاون في الأعوام الماضية بإتفاق على خفض الإنتاج للمحافظة على أسعار نفط مقبولة للدول المشاركة. وتم تمديد هذا الإتفاق عدّة مرات وفعلا نجحت هذه الدول بالحفاظ على سعر مقبول.

الجدير ذكره، أن الدول المُنتجة للنفط من خارج منظمة الأوبك والولايات المُتحدة الأميركية وروسيا، تُنتج النفط بكامل قدرتها وبالتالي فهي تخدّم إستهلاكها الداخلي وتستورد ما ينقصها من نفط. من هنا يأتي دور منظّمة الأوبك التي لا تُنتج بقدرتها الكاملة وبالتالي فإن لها دور أساسي في تحديد أسعار النفط العالمية.

برميل النفط كان يُسجّل 63 دولارًا في أول كانون الثاني 2020، إلا أن إندلاع أزمة فيروس كورونا ووقف العمل في مُعظم المصانع الصينية، دفع إلى خفض الطلب الصيني الذي وصل إلى 15 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة ليصل إلى 7 مليون برميل يوميًا بعد الأزمة. هذا الإنخفاض في الطلب خفض سعر البرميل ليصل إلى مستوى العشرين دولار أميركي البارحة أي ما يوازي إنخافضًا بنسبة 60% من أول هذا العام!

هذا الإنخفاض كان ليُفرح العديد من الدول التي تستهلك النفط ومن بينها لبنان، إلا أن حظر التجمّعات ووقف المدارس والجامعات والمطاعم وإلغاء الرحلات الجوية، خفض الطلب على النفط في مُعظم دول العالم. وبالتالي لا يُوجد أي إستفادة فعلية للماكينات الإقتصادية في العالم من هذا الأمر.

وكنتيجة لهذا الواقع، أخذت موازنات معظم الدول المُنتجة للنفط بتسجيل عجز من المُتوقّع أن يتفاقم مع إستمرار الصراع السعودي - الروسي على الكمّيات المُنتجة. وبالتالي يُمكن القول أن دولا مثل دول الخليج، روسيا، فنزويلا، إيران، العراق... ستُسجّل عجزاً في موازناتها تتراوح نسبته بحسب نسبة إيرادات النفط في إجمالي الإيرادات للدولة المعنية.

أمّا الدول الصناعية الأخرى مثل ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا... وحتى الولايات المُتحدة الأميركية، فمن المتوقّع أيضًا أن تُسجّل عجزًا في موازناتها نتيجة عنصرين أساسيين: الأول الكلفة التي خلفها فيروس كورونا، والثاني إنخفاض النشاط الإقتصادي في هذه الدول.

كل هذا للقول أن الحكومة اللبنانية التي كانت تسعى لطلب المساعدة من الدول الخليجية أو من فرنسا أو حتى من دول أخرى، ترى نفسها اليوم محرومة من هذا الخيار. وبالتالي أصبح الخيار الوحيد المتاح أمامها للخروج من الأزمة هو خيار صندوق النقد الدولي.

ولهذا الأمر، تقوم الحكومة بتحضير خطّة إنقاذية تحوي شقاً مالياً، شقاً إصلاحياً، وشقاً إقتصادياً. هذه الخطّة التي من المتوقّع ظهورها إلى العلن في أول أسبوع من أيار المُقبل، ستكون التأشيرة التي ستذهب بها الحكومة اللبنانية إلى صندوق النقد الدولي لطلب المساعدة المالية.

من جهته، صندوق النقد الدولي كان قد صرّح في عدة مناسبات أنه على إستعداد للتعاون مع الحكومة اللبنانية. إلا أن ما لم يقله في العلن، قاله مباشرة للحكومة اللبنانية: «لا مساعدات من دون إصلاحات». هذا الشرط السهل والصعب في آن واحد، يضع الحكومة أمام تحدّي مواجهة بعض القوى السياسية التي تُعارض الإصلاحات. وبحسب المعلومات المتوافرة في الإعلام، ينوي رئيس الحكومة حسان دياب معالجة ملف الكهرباء بالدرجة الأولى نظرًا إلى محدودية الخيارات حيث من المتوقّع أن يتم التوقيع على عقد مع إحدى الشركات العالمية (ألمانية أغلب الظن) لبناء معامل جديدة وتحديث شبكة التوزيع. هذا الأمر سيضع الرئيس دياب في وضع حرج، فمن جهة تعهد الرئيس دياب في البيان الوزاري إستكمال خطة الكهرباء الموضوعة من قبل وزارة الطاقة والمياه مما يجعله ينكس بتعهده. ومن جهة ثانية هناك معارضة كبيرة لهذه الخطة من بعض القوى السياسية (مُمثلة في الحكومة) والذي يُمكن أن يُعقد عمل الحكومة في الأسابيع القادمة.

على كل الأحوال، خيارات الحكومة أصبحت محدودة والأنظار تتجه اليوم نحو الأسبوع الأول من أيار لمعرفة توجهات الحكومة بالتحديد.