المحلّل الإقتصادي

أصبح إهتمام الشعب اللبناني منصبًا على فيروس كورونا وتداعياته على صحّتهم ونسوا المُشكلة المالية التي تعصف بالدولة بعدما دخل لبنان رسميًا في حال التخلّف عن سداد ديونه.

المُعطيات الرسمية الواردة على لسان وزير المال غازي وزني، تُشير إلى أن الحكومة لم تبدأ حتى الساعة المفاوضات مع الدائنين. وبالتالي فإن إحتمال نشوب مواجهة قانونية في المحاكم النيويوركية وبين الدائنين إرتفعت نسبتها مع معلومات أن بعض الـ «Vauture» يستعد لشراء إستحقاقات أخرى من سندات الخزينة اللبنانية بأسعار بخيسة بهدف تحقيق أرباح في عملية التفاوض عندما تحصل (الفارق بين سعر الشراء وبين القيمة التي ستُسدّدها الدولة اللبنانية).

خيارات الحكومة اللبنانية أصبحت شبه معدومة خارج صندوق النقد الدولي، وبالتالي فإن المسألة مسألة وقت قبل أن تطلب الحكومة المساعدة المالية من صندوق النقد الدولي إذ من المتوقّع أن تُعلن طلبها رسميًا في الأسبوع الأول من شهر أيار مع إعلان الرئيس حسان دياب الخطة الإنقاذية. وبحسب المعطيات، لن يكون بمقدور القوى السياسية الداخلية رفض التعامل مع صندوق النقد الدولي بسبب تلاشي الخيار الداخلي مع تفشّي فيروس كورونا والأهم تلاشي أي مساعدة خارجية (من خارج إطار صندوق النقد الدولي) نظرًا إلى الخسائر التي تطال موازنات الدول من جراء تفشّي وباء كورونا وإنخفاض أسعار النفط العالمية.

عمليًا الحكومة تربح الوقت جرّاء تفشي فيروس الكورونا الذي خفّف من ضغط الرأي العام اللبناني ولكن أيضًا من ضغط الدائنين مع تعليق عمل العديد من المحاكم في العالم نتيجة تفشّي فيروس كورونا. وبالتالي ينكب فريق عمل رئيس الحكومة على تحضير خطّة إنقاذية سيكون ملف كهرباء لبنان البند الأول فيها.

في هذا الوقت يأتي مشروع الكابيتال كنترول الذي طرحه وزير المال غازي وزني والذي من المقرر أي يتمّ إقراره اليوم، ليطرح العديد من الأسئلة. فالنسخة الأولى التي طرحها وزني كانت مقبولة من وجهة نظر الإقتصاد الحرّ إذ أنها تُشكّل نوع من أنواع الإجراءات الوقائية أكثر منها منع التحاويل والسحوبات. إلا أن ما تمّ تسريبه في الإعلام عن أن الرئيس حسان دياب قام بتعديلات على المشروع بشكل يمسّ الإستقلالية النقدية، يطرح السؤال عن النوايا المكبوتة لدى بعض القوى السياسية تجاه إستقلالية المركزي المضمونة بقانون «النقد والتسليف وإنشاء مصرف لبنان».

التعديل الذي قام به الرئيس حسان دياب ينص على إستبدال المادة السابعة من مشروع القانون التي تنصّ على أن سقف السحوبات بالعملة الأجنبية يُحدّد بتعميم عن مصرف لبنان بالتنسيق مع جمعية المصارف والمصرف المعني، بالنص التالي: «نظراً للظروف الاستثنائية الحاضرة، وانطلاقاً من مبدأ التداول بالعملة الوطنية، تُحدد سقوف السحوبات بالعملة الأجنبية لدى المصارف العاملة في لبنان بقرار يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المال».

هذا الأمر يُعيد إلى الذاكرة البند الذي إقترحه وزير المال السابق علي حسن خليل في مشروع موازنة العام 2019 والذي نصّ على إخضاع موازنة مصرف لبنان لموافقة وزارة المال! وبالتالي يتخوّف مصدر سياسي من أن يكون تعديل البند السابع في مشروع الكابيتال كنترول مُقدّمة لسلسلة من الإجراءات التي ستتخذها الحكومة من أجل قضم إستقلالية مصرف لبنان خصوصًا أن الرأي العام مؤاتي نظرًا إلى الإجراءات التي إتخذتها المصارف بخصوص الودائع والتي أثارت غضب الشارع.

وأضاف المصدر، هناك مخاوف من أن يؤدّي فشل السياسات الإقتصادية السابقة والضغط اليساري الكبير الذي يُمارس يوميًا من خلال التظاهرات ضدّ المصارف من فقدان لبنان ميّزته الأساسية وهي إستقلالية القطاع المصرفي والسريّة المصرفية خصوصًا أن بعض القوى السياسية أصبحت تُقدّم قوانين مزايدة على بعضها البعض.

وأشار المصدر أن مُشكلة القطاع المصرفي تكمن بالدرجة الأولى في تخلّف الدولة عن دفع إستحقاقاتها مما زاد الضغط على ودائع الناس، مُتخوّفًا أن تتبع حكومة دياب سياسة الهروب إلى الأمام عبر إرضاء الرأي العام على حساب المقومات الأساسية للإقتصاد اللبناني أي القطاع المصرفي الذي سيبقى ولفترة طويلة عماد هذا الإقتصاد.

في هذا الوقت، ترى مصادر مصرفية أن عملية وضع يد الحكومة على القطاع المصرفي لن توصل إلى أي مكان بحكم أن الإجراءات ستُرضي الشارع في الفترة الأولى، لكنها سترتدّ على الحكومة في المرحلة الثانية نظرًا إلى أن إمكانيات المصارف بالدولار الأميركي أصبحت محدودة مهما كان خيار الحكومة. وأضافت هذه المصادر إلى أنه من السيئات التي ستنتج عن قضم صلاحيات مصرف لبنان، هو تراجع ثقة المستثمرين الدوليين نظرًا إلى أن الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني كبيرة بدليل حجم الودائع، إلا أن الثقة بالسلطة التنفيذية متدنية بدليل التخلّف عن الدفع الذي أوصلت لبنان إليه.

في هذا الوقت، تُحاول الحكومة إعطاء صورة إيجابية عن نفسها مع الحملة التي قام بها بعض الوزراء على حساباتهم كما وبعض مناصري الأحزاب المُشاركة بالحكومة وذلك من خلال نشر رسم يحوي على عدد الإصابات التي طالت لبنان مقارنة ببعض الدول الأخرى. إلا أن ما لم تنشره الحكومة هو النسبة المئوية لعدد المصابين إلى عدد السكان عملا بمبدأ أنه لا يُمكن مقارنة الأرقام بالمطلق مع دولة مثل الصين أو إيطاليا أو غيرها من الدول حيث الأرقام بالمليار وعشرات الملايين!