لم أكن أعرف أنّ فيكتوريا سلموني شاعرة.

كنتُ أعرف أنّها امرأة جميلة، مليئة بالحيوية، ولكنّني كنُت أجهل أنّ في أعماقها موهبة شعرٍ، في وقت تسلّل إلى ملكوت الشعر طفيليّون لا عَدَّ لهم، يفورون في هذا الملكوت كرغوة الفطر السامّ، أو كالعفَن، تُعْوِزُهم اللغةُ والإيقاع، وبنيةُ القصيدة؛ وباختصار: يُعْوِزُهُم الشعرُ! شُعراءُ بلا شعرٍ، ولا وجه، ولا جباه. ما أشدَّ بؤسَكَ، أَيُّها الشعرُ، بهم!

لكنّ فيكتوريا الهادئة، ولَجَت بخطْوِها، شأنَنا هنا، هذا الملكوت، وهي تحمل معها موهبة فذّة، ومعرفة باللغة، وحِسًّا مرهَفًا، وإلمامًا بالإيقاع، وهندسةً للصورة من غير صناعة، فلا تأتي صورُها جميلة كتماثيلِ الرخام، بل تكونُ حيّة، دافئة، كقلوب البشر المتفجّرة عاطفةً.

واللافت في عاطفتها التي تترجمها شعرًا أنّها تنقل حبًّا كما لو كان ضاع، وتتمسّك به على أنّه خشبة خلاص في هذه الحياة. كلُّ شيء، في عالم قصيدتها، يسيل عاطفةً، ويلهَج شوقًا، وكأنّما عاطفةُ الحبّ هي بيت الإنسان الذي يقيه عثَراتِ الحياة، وخطرَ الضَّياعِ في ظلماتِ الأيام. وبين زفرة وزفرة، تترقرق اللغة مثل كوثرٍ منهَلٍّ مِن عَلُ، يحمل في إيقاعه الدافئ حنينَ العودة إلى البدايات، وتَرَفَ الإحساسِ الثَّرِّ الذي يجعل المرأة امرأةً حقًّا. إنّها المرأة التي تَكْنَهُ الدنيا بإحساسها، بروحِها لا بحواسِّها المادّيّة، بضميرها المليء الذي يميّز بين الأشياء الهشّة الفارغة، والإحساس الممتلئ المتكامل.

كلُّ ما في قصيدة فيكتوريا يعلن عنها: عن امرأةٍ مبدعةٍ، تَرَفُها شِعرُها المتألّق، وثَراؤها نَصُّها الذي يؤَذِّنُ بشاعريّة مميّزة قد تكون اختبأت مدّةً عن الناس، لكنّها كانت مكشوفة لنفسها، كما يبقى الشعور بالشمس مكشوفًا حتى عندما تغيب. هي امرأة تُحَوّل غيابَ المعشوقِ إلى حضور، وانحجابَ شعوره إلى فيضٍ من الرؤى المتقافزة هنا وهناك، حاملةً في طيّاتها ألَقَ الثريّا. وبين الهمسة والهمسةِ، صوتٌ مكتملُ التكوين، يحوِّلُ بِلَّورَ الحزنِ إلى رنين فرحٍ مُرَتِّلٍ بين الحروف، لتصير هذه الحروفُ لوحةَ أنغامٍ ترسم بالشعر حدودَ السماء.

وشعرُ فيكتوريا بعيد عن الصنعة: كلماتُها منحوتة، ولكنّها ليست مصنوعة، فهي تضمّ، إلى صرامتها وأناقةِ سَبْكِها وموسيقاها، عفويةَ العاطفة التي تعبّر عن ذاتها، وتعرف تمامًا ماذا تقول.

 

كلُّ ما في قصيدة فيكتوريا يُعلن عنها، يرسمها، يلوِّنُها، ويكحّلها بالضوء المنبثقِ من داخلها. وإذا تسلّل الحزنُ بين حرف وحرف ذابَ في الشعر، ليصير همسَ روعةٍ، ينزَع عنه سواده الثقيل، فيتكحّل بالرقة، ويصير ضبابًا من جَمال، أو ضجيجًا كامنًا في صمتٍ عميق.

الحقَّ أقولُ لكِ، يا فيكتوريا، إنَّ الشعرَ يزهو بكِ.


(*) تقديم الدكتور ديزيره سقال للشاعره فيكتوريا سلموني نصراني في أمسية تجاوز الخميس ٢٧/ ٢/ ٢٠٢٠.


aleph-lam