ابراهيم ناصرالدين

«التريث» في حسم خيارات لبنان بشأن كيفية التعامل مع استحقاق «اليوروبوند» في آذار المقبل خوفا من «دعسة» ناقصة في المجهول، كان خلاصة اليوم المالي الطويل في بعبدا، خصوصا ان الاراء داخل مكونات السلطة لا تزال منقسمة حيال كيفية التعامل مع هذا الاستحقاق المالي ما دفع مجلس الوزراء الى تشكيل لجنة اختصاصيين أُمهلت حتى نهاية شباط الجاري لرفع توصياتها الى الحكومة لتتخذ القرار المصيري في ضوئها، مع العلم ان هذه المهلة تبدو فضفاضة كونها تلامس تاريخ استحقاق الدفع، لكن الواضح ان بيروت تنتظر زيارة الوفد الفني لصندوق النقد الدولي لتبني على «الشيء مقتضاه».

وفيما بات رئيس الحكومة حسان دياب اقرب الى وجهة نظر حاكم مصرف لبنان في هذا الاستحقاق، يدشن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري اليوم معارضته للعهد في ذكرى استشهاد والده وسيحاول «احياء» الحريرية السياسية على «جثة» التسوية الرئاسية..لكن الاستحقاقات في آذار لا يبدو انها تتوقف على البعد الداخلي وعلى بعدها المالي الاقتصادي، في ظل مخاوف غربية جدية وصلت الى بيروت تحذر من نقلة نوعية في التصعيد الاسرائيلي، داعية السلطات اللبنانية الى التحسب من تداعياتها خصوصا ان الاجواء في واشنطن غير مريحة ولا توحي «بالتسامح» مع التركيبة السياسية الجديدة التي تظهّرت في الحكومة، وفي الموقف اللبناني من «صفقة القرن»..

مخاطر تصعيد اسرائيلي؟ 

ففيما تحاول الحكومة ايجاد الوسائل اللازمة لاخراج البلاد من ازمتها الاقتصادية، تحدث احد السفراء الاوروبيـين امام مسؤول لبناني رفيع المستوى، عن خشية كبيرة لدى دول الاتحاد الاوروبي من ملامح تحركات عسكرية اسرائيلية مفاجئة بعد الانتخابات التشريعية في الثاني من آذار المقبل، في ظل معلومات استخباراتية موثوقة عن اتفاق اسرائيلي- اميركي لضرب النفوذ الايراني، وفيما تتولى واشنطن مسؤولية الساحة العراقية، يبدو ان اسرائيل قد انهت استعداداتها لتدخل «نوعي» في قطاع غزة وسوريا، وهذا يضع لبنان في «عين العاصفة» مرة جديدة لان احتمالات تجاوز الاسرائيليين للخطوط الحمراء في الساحة السورية وضرب حزب الله هناك مرتفعة جدا، وهذا قد يدخل الجبهة اللبنانية مرة جديدة في «الكباش» العسكري المرتقب والذي سيكون قطاع غزة مسرح عملياته الاوسع على وقع كلام رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو بان اسرائيل تعد لحركة حماس «مفاجأة» حياتها، وسيترجم هذا الامر بعملية عسكرية غير مسبوقة تكون مقدمة لفرض واقعي «لصفقة القرن» التي تعمل واشنطن على تأمين الارضية العربية الصلبة لتحويلها الى امر واقع، وهذا سيجعل من توطين الفلسطينيين امراً حتميا في لبنان الذي سيتعرض ايضا لمقايضة صعبة على وضعه الاقتصادي «الهش» والمتهالك...

 لهذه الاسباب اغتيل سليماني 

ووفقا لتلك الاوساط، فان اغتيال الجنرال الايراني قاسم سليماني لم يكن مجرد «نزوة» لدى الرئيس الاميركي دونالد ترامب، فقائد فيلق القدس اسمه موضوع على أس قائمة المطلوبين لدى الولايات المتحدة الاميركية منذ الدخول الى افغانستان والعراق في 2001 و2003 وهي تحمله الجزء الاكبر من مسؤولية تنظيم الهجمات التي استهدفت قواتها في البلدين وادت الى خسائر كبيرة، لكن حسم اغتياله في هذا التوقيت جاء في اطار عملية تنفيذ واشنطن لحصتها من عملية متدحرجة ومتصاعدة لضرب نفوذ طهران في المنطقة، ويمكن القول ان عملية الاغتيال كان «صفارة» البداية لبدء التنفيذ الذي ستتولى فيه اسرائيل المسؤوليات العسكرية المباشرة فيما ستواكبها واشنطن برفع مستوى الضغوط الاقتصادية بعدما ادت واجبها «الاخطر» في العملية باغتيال سليماني الذي كانت اسرائيل تتهيب القيام به...

 هكذا يتحضر اللاعبون 

وانطلاقا من هذه المعطيات، يمكن تفسير عدم «الاكتراث» الخليجي في مواكبة التطورات السياسية والمصاعب الاقتصادية في لبنان، وكذلك «التريث» الاميركي الذي ترجم بغياب المواقف الواضحة وتاجيل زيارة المبعوث الاميركي ديفيد شينكر، وحدهم الاوروبيون يبدون معنيين بعدم تاثر لبنان «بالفوضى» القادمة نتيجة «الهلع» من موجة لاجئين جديدة، اما روسيا فتسرع الخطوات العسكرية في سوريا لفرض وقائع ميدانية تحصّن النظام السوري من اي تطورات مفاجئة وغير محسوبة..

 «رسالة» تهديد اميركية ! 

ووفقا للمعلومات، ثمة «استياء» اميركي من موقف لبنان من خطة ترامب، وردد مسؤول اميركي بارز في احد المؤتمرات التي عقدت مؤخرا في واشنطن كلاما يرقى الى مستوى التهديد، بان على لبنان ان لا يبقى في الماضي كي لا يدفع الثمن، وعليه ان يتماشى مع قناعة تبلورت لدى الكثير من «الاصدقاء» العرب، بان الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه وعليهم أن يتذكروا بأن التطلعات القومية العربية سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية لليهود لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ..!

ووفقا للمصادر الاوروبية ، ستقوم اسرائيل بعد الانتخابات ببسط «سيادتها على غور الأردن ومستوطنات الضفة الغربية بموجب صفقة القرن، بالتزامن مع العملية العسكرية في غزة، فيما يبقى حجم الاستهداف في سوريا غامضا، ولا ضمانات ببقاء الجبهة اللبنانية خارج الصراع..

دياب يقترب من موقف سلامة؟

وفي تفاصيل اليوم المالي الطويل، ترأس رئيس الجمهورية صباح امس اجتماعا ماليا واقتصاديا، في حضور رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة حسان دياب، نائبة رئيس مجلس الوزراء وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا، ووزيري المالية والاقتصاد، حاكم مصرف لبنان، رئيس جمعية المصارف والمدير العام لرئاسة الجمهورية انطوان شقير. خصص الاجتماع للبحث في مسألة استحقاق «اليوروبوند» والاوضاع المالية والاقتصادية والاجراءات اللازمة من اجل مواجهة الازمة المالية وتطمين المودعين على اموالهم في المصارف. وسبق الاجتماع لقاء ثلاثي جمع الرئيس عون بالرئيسين بري ودياب، وفيما لا يزال عون وبري يميلان الى تأجيل الاستحقاق، ووفقا للمعلومات بات رئيس الحكومة حسان دياب اقرب الى موقف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يميل إلى وفاء لبنان بالتزاماته المالية، وهو يقترح القيام بعملية «سواب» لاستبدال سندات آذار بسندات «يوروبوندز» تستحق على المدى الطويل الامر الذي يتيح شراء مساحة وافرة من الوقت بكلفة غير كبيرة نسبياً. وقد اشترط دياب ان لا يؤثر «الاستبدال» على احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية المخصصة لتمويل السلع الأساسية، لتفادي اي رد فعل في «الشارع»..

وفيما ارجأ البت بملف «اليوروبوند» جرى الاتفاق على صدور تعميم واضح في اليومين المقبلين من قبل مجلس الوزراء لوضع حد للاستنسابية في التعاطي بين المصارف والعملاء، وبما يؤمن حماية للعملاء في الدرجة الاولى، سواء المقترضين منهم او المودعين في القطاع المصرفي».

 رفض حملات التهويل.. 

وقد اكدت اوساط وزارية ان الحكومة تتعرض لحملة تهويل ينقلها عدد من السفراء ويسوق لها عدد من المصرفيين النافذين، حيال عدم الالتزام بدفع سندات الـ«يوروبوندز» المتوجبة في آذار المقبل، تحت حجة تهريب المستثمرين، وفقدان الثقة بلبنان، مع العلم ان الدولة اللبنانية ليست الاولى ولن تكون الاخيرة اذا ما قررت جدولة ديونها، وهو امر لا يمانعه المستثمرون اذا ما جرى التفاوض معهم من خلال «خارطة طريق» واضحة، ولذلك لن تنفع هذه الحملة في وضع الحكومة تحت الضغط، والقرار الاخير سيراعي اولا واخيرا مصلحة لبنان وشعبه..

 تفاهم على «الكابيتال كونترول» 

وبعد انتهاء الاجتماع المالي، عقد مجلس الوزراء جلسته الاولى بعد نيل الثقة في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس ميشال عون الذي اطلع ودياب الوزراء على ابرز ما دار في الاجتماع المالي والاقتصادي والخيارات المتاحة لمعالجة الأوضاع الراهنة. وقد شكل المجلس لجنة وزارية لدرس الخيارات المتاحة وقد عقدت اجتماعها الاول بعد ظهر امس في السراي الحكومي، وهي تضم وزيري المال غازي وزني والاقتصاد راوول نعمة، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير وخبراء ماليين واقتصاديين وقانونيين. وفيما لفتت وزيرة الاعلام الى انه قبل نهاية شباط من المفترض ان تكون القرارات قد اتخذت في ما خصّ سندات اليوروبوند، تشير المعلومات الى ان الاجتماع الاول للجنة لم يبحث هذا الامر واقتصرت النقاشات على موضوع الكابيتال كونترول، وقد جرى التفاهم مع حاكم مصرف لبنان ورئيس جمعية المصارف على تصور اولي للتعميم الذي سيصدر منتصف الاسبوع المقبل على ان تعقد اللجنة اجتماعا جديدا خلال الساعات المقبلة..

وفي سياق آخر، وبناء على طلب رئيس الحكومة حسان دياب وقع الوزراء تعهداً بعدم الترشح للانتخابات النيابية فيما لو تمت تحت إشراف الحكومة الحالية، كما وقّع الوزراء تصريحاً عن أموالهم المنقولة وغير المنقولة ..والكشف عن الحسابات المصرفية في لبنان والخارج.

الحريري «يدشن» المعارضة اليوم 

وفي سياق متصل، يطل الرئيس سعد الحريري اليوم مدشنا دخول تيار المستقبل في المعارضة، وهو سيحاول احياء الحريرية السياسية على «جثة» الطلاق مع العهد، وستكون كلمته في ذكرى اغتيال والده مؤشرا الى طبيعة توجهاته التي تنحو نحو المواجهة بعد انهيار التسوية الرئاسية، ووفقا لاوساط «التيار الازرق»، فان الشعار المرفوع في «بيت الوسط» تحت عنوان رفيق الحريري من اول وجديد، يشير الى ان ما سيصدر عن الحريري اليوم رسميا هو ورقة «نعي» التسوية الرئاسية، والبدء بمرحلة جديدة بعد اجراء جردة حساب امام جمهوره، حول السنوات الثلاث «العجاف» وتجربته المريرة مع التيار الوطني الحر، وسيحمله المسؤولية عن «الخراب» في البلد، ومن خلال الفيديوهات التي يوزرعها تيار المستقبل حول الذكرى بعنوان «مين المسؤول؟ الجواب بـ14 شباط» تؤشر الى ان حجم الحملة التي ستطال «التيار»..كما سيشرح استراتيجية «المستقبل» في التعامل مع الحكومة الجديدة ومعنى وحدود الفرصة الممنوحة لها...

لا جبهة موحدة للمعارضة..

واستبعدت مصادر سياسية مطلعة، ان يعاد توحيد «المعارضة» تحت سقف 14 آذار، لاسباب كثيرة اهمها غياب المقومات الموضوعية لهذا التحالف بعدما قررت السعودية «غسل يديها» من الساحة اللبنانية، فضلا عن عدم وجود رؤية موحدة تجمع الاطراف الثلاثة المتفقين على «مخاصمة» العهد والتيار الوطني الحر، لكن ثمة اختلافات كبيرة في كيفية ادارة المواجهة، واذا كان الحزب الاشتراكي يرفع سقفه الى حدود المطالبة باقالة رئيس الجمهورية، فان القوات اللبنانية ليست في هذا الوارد، ولن تقبل بان تحصل سابقة تضعف الموقع الماروني، وهو امر يحاذر الرئيس الحريري الدخول فيه كونه لا يريد ان يدشن موقعه في المعارضة بخطوة يعرف مسبقا انها غير قابلة للتسويق او التنفيذ،ويريد الحفاظ على «خط الرجعة»، وهو يقول امام زواره ان لجنبلاط اسلوبه وطريقته ويعرف كيف يصعد وينزل في مواقفه..ولذلك من المستبعد ان تولد جبهة موحدة بعد 14 شباط خصوصا ان العلاقات بين «معراب» و«المختارة» «وبيت الوسط» تحتاج الى الكثير من «الصيانة»..