ما كان يحاول لبنان الهروب منه وقع فيه، اذ طلب رسمياً من صندوق النقد الدولي أن يرسل وفداً فنياً للمساعدة في وضع خطة مالية واقتصادية ونقدية شاملة لإنقاذه من الأزمة التي يعيشها، وبكل تأكيد فإن صندوق النقد لا يمكن أن يرفض للبنان طلباً كهذا، وهو الذي كان يعلم منذ 20 عاما أن هذا الطلب سيأتي، وأن حجم الديون التي تزداد سنة بعد سنة ستوصل لبنان الى ما وصل اليه. وهناك من يقول أن هذا هو الهدف الأساسي أصلا لمدّ لبنان بالأموال طوال السنوات الماضية.

لا يُخفى على أحد أنه لا يوجد اتفاق شامل بين القوى السياسية الأساسية المشاركة بالحكومة حول كيفية التعاطي مع صندوق النقد الدولي، لا بل أكثر من ذلك هناك العديد من التحذيرات صدرت عن سياسيين من الصف الأول عن خطورة هذا التوجه، ولكن يبدو أنه لم يعد بإمكان لبنان التهرب من طلب المساعدة، على أبواب دفعة تستحق في 9 آذار المقبل.

وكما في السياسة كذلك في الإقتصاد، اذ يختلف الخبراء الاقتصاديون حول جدوى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، تماما كما يختلفون حول مصير الديون ووجوب دفعها أو عدم دفعها، إنما بما يعنينا هو ما يجري داخل الحكومة.

تكشف مصادر سياسية مطّلعة أن في الحكومة رأياً يقول أنه لا يمكن للبنان أن يتخذ أي قرار بشأن ديونه دون الرجوع الى صندوق النقد، لأن هذا الصندوق هو الوحيد القادر على تغطية الخيارات التي يُمكن أن تُتّخذ، والتي يجب أن تكون ضمن خطة شاملة وإلا ستكون بلا فائدة تُذكر. وتضيف المصادر: «ما طلبه لبنان من صندوق النقد هو «المشورة» وتعني أن فريقاً من المختصين بالصندوق سيزور لبنان ليجلس مع المعنيين بالشق المالي وسيُقدم النصائح لكيفية إدارة الأزمة، وملف الدين العام، والدفعات المتوجبة على لبنان، على أن تكون النصيحة مُلزمة لأجل الحصول على دعم الصندوق الذي لن يكون مالياً بهذه الحالة إنما معنوياً، وهذا الدعم المعنوي سيكون مهمّاً جداً لأجل صورة لبنان بالخارج وكيفية التعامل معه من قبل الدائنين الذين استحقت أموالهم.

بالإضافة الى هذا الرأي، هناك بالحكومة رأي آخر يقول أن مجرد طلب المساعدة من الصندوق ولو عبر تقديم النصيحة والمشورة فإن ذلك يعني رسمياً دخول هذا الصندوق الى الداخل اللبناني، وبالتالي سيكون جزءا من أي مسيرة مالية تقررها الحكومة. وبالنسبة الى هذا الرأي، فتشير المصادر الى أن لبنان سيلتزم الآن بشروط صندوق النقد الدولي بشكل غير مباشر، مع العلم أن هذا التوجه سيبقى قاصراً عن معالجة الأزمة التي يعاني منها لبنان اذا لم يترافق مع إجراءات محلية مالية لا يبدو أن المعنيين مقبلين عليها حتى هذه اللحظة، مشيرة الى أنه اذا كان الهدف الإكتفاء بالمشورة، لماذا لم تطلب الحكومة «المساعدة» من الاختصاصيين اللبنانيين الذين وللمناسبة تتم الاستعانة بهم في أهم دول العالم؟

تخشى قوى حكومية من دخول صندوق النقد الدولي الى لبنان، ولكن بالمقابل وبظل انسداد أفق الحلول، واقتراب موعد استحقاق دين الـ مليار و200 مليون دولار، فإن طلب المشورة أهون من دفع المبلغ، لأن دفعه بحسب المصادر السياسية يعني انهيار الأمن الغذائي، لأن لبنان عندها لن يكون قادراً على استيراد حاجاته الأساسية من الغذاء والدواء، مشيرة الى أن المصيبة الكبرى ستكون بحال قررت الحكومة بالتشاور مع صندوق النقد دفع المبلغ، وعندها يكون لبنان قد خسر بالجهتين، من جهة دفع المال، ومن جهة سمح لصندوق النقد بدخول لبنان.

منذ عام تقريبا تحدّث وزير المال السابق عن إعادة جدولة ديون لبنان، فقامت الدنيا يومها ولم تقعد، وأُعلن «الاستنفار» بكل الدولة اللبنانية، واليوم يتحدث الجميع عن ضرورة الهيكلة، أي اقتطاع نسبة من الديون، والجدولة، أي تمديد مواعيد استحقاق الديون لأعوام قادمة، ولكن الحجة اليوم بأن الوقت أصبح ضيّقا، فلماذا لم نلجأ الى هذا الخيار منذ سنة، ألم يكن الأمر ليوفّر علينا كل هذه المتاعب؟