ديفيد لين، مخرج الفيلم الشهير «لورنس العرب»، قال «كاد لورنس يقنع الشريف حسين بأنه هو، أيضاً، يتحدر من النبي محمد»!

حنكة الانكليز أم سذاجة العرب؟ الاثنتان معاً. من أكثر من الانكليز براعة في صناعة الأزمات المعقدة،وفي قراءة الأزمات المعقدة؟ ربما هذا ما حملنا على نقل رأي ديبلوماسي بريطاني كان على مائدة سفير لبناني سابق في لندن. قال: «هذا النوع من الثورات يحتاج الى عقد، أوعقدين، لتحقيق ما يتوق اليه. كثير مما نراه اليوم اسكتشات فولكلورية في الداون تاون». الشعارات لا تدعو الى اجتثاث الطبقة السياسية فحسب، بل والى اجتثاث النظام السياسي. هذا لا يمكن أن يتحقق الا بالدم. الثوار يدورون حول أنفسهم. لبنان لا يتحمل نقطة دم واحدة.

في نظر الديبلوماسي الأنكليزي أن أصحاب الصرخات العارية لا مكان لهم في زمننا. هذا زمن أصحاب الأسنان الطويلة. في أكثر من بلد هم الذين يحركون الشارع. مثلما هناك لصوص للمال العام، هناك لصوص للثورات النبيلة. المهم ألاّ يسمح الحراك للصوص بارتداء... القفازات البيضاء.

لاحظ كيف أن القوى المعارضة هبت لـتأمين النصاب. ليس فقط لأن الحكومة،أي حكومة، افضل من اللاحكومة، وانما لأن المعارضين يعتقدون أن سقوط شركائهم يعني، تلقائياً، سقوطهم هم. ما فعلوه أنهم ألقوا بالأثقال على حسان دياب الذي نرجو أن يضطلع بدور «المايسترو» في هذه الأوقات الصعبة والعصيبة. دياب عثر على الكلمة المحورية حين قال انه يتلقف كرة النار...

جلسة الثقة لم تفضح الشراكة فقط. التواطؤ أيضاً، وان كان هناك من يخشى أن تأخذ الفوضى منحى كارثياً. قيل لرئيس الحكومة كن ديكتاتوراً. ملوك الطوائف ضائعون، واجفون، ويخشون ما ينتظرهم وراء الباب.

مساء الثلاثاء بدا المشهد في منتهى الشفافية. حين دخل نواب المعارضة الى القاعة بدأت الساحات تفرغ من المتظاهرين. خلت تقريباً لدى انتهاء الجلسة بعدما كان بعض قادة الحراك يهددون بابقاء النواب رهائن داخل البرلمان. الآن بدأ يعلو شعار اسقاط الحكومة. اسقاط الحكومة لا اسقاط الحكم؟

لو لم يكن نائب الجامعة الأميركية واثقاً من أن بامكانه أن يفعل شيئاً، وأن هناك في الخارج من يرى فيه الرجل المناسب لما خاض تلك المغامرة المستحيلة. لمهاتير محمد هذا القول «لن نربت على كتفي المستحيل بل سنلقي به من النافذة». لا وقت لمراقصة المستحيل. لا بد من القائه من النافذة.

ماذا عن الطبقة السياسية (الجوراسيك بارك لمن تسنى له مشاهدة فيلم ستيفن سبيلبرغ) ؟ تتزعزع ولا تسقط. لايمكن لأي من مهراجات السلطة أن يظهر وراء القضبان. على الشاشات يوحنا فم الذهب أو أبو ذر الغفاري.

الديبلوماسي الأنكليزي يرى أن على اللبنانيين أن يعوا أنهم في مرحلة انتقالية. لا أحد يعرف كيف تمضي الرياح في المنطقة. كل دول المحيط،بما في ذلك تركيا وايران، تعاني من تخلخل في الرؤية. صراعات من دون أفق. مراوحة سيزيفية خوفاً من اصلاحات هيكلية تودي بتوتالياريات القرون الوسطى.

لا امكانية لقراءة الاحتمالات. الأزمات تتواصل، وتتفاعل. لا سبيل لارساء معادلات اقليمية، أو دولية، تكرس فلسفة التعاون لانتشال المنطقة من المستنقع. هذا ما يفترض باللبنانيين أن يتنبهوا للمخاطر التي تتهددهم اذا ما استمروا في سياسات... العتابا والميجانا!

ضاحكاً قال الديبلوماسي الأنكليزي «هنا في المنطقة اعتدتم أن تبتهلوا الى السماء طلباً للخلاص. ربما أصبح الله في مكان آخر. تأملوا جيداً في دونالد ترامب. لكأنه يقول لكم لقد اقفلت في وجهكم كل أبواب السماء».

لا جراحة دستورية، ولا جراحة سياسية. قانون الانتخاب الذي يلوحون به كوميديا دستورية مرة أخرى. جراحة مالية، وجراحة اقتصادية. من في الشارع هم... الضحايا!