من الساحات المفتوحة في وسط بيروت، والتي ضمّت آلاف اللبنانيين، الى الساحات المقفلة، في «البيال»، والتي ضمّت مئات اللبنانيين، ها هي الذكرى الـ 15 لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تنتقل الى القاعة في «بيت الوسط»، لأسباب عديدة، منها ما حُكي عنه ومنها ما لم يُحكى، ولكن النتيجة تبقى واحدة وهي ان الذكرى هذا العام لن تكون ككل الأعوام السابقة لا بالشكل ولا المضمون.

تكشف مصادر سياسية في تيار المستقبل أن نقل الاحتفال من «البيال» الى «بيت الوسط» لا يتعلق بقدرة التيار على الحشد، فهذا الأمر خارج النقاش، إنما الهدف مراعاة الناس الثائرة، والابتعاد قدر المستطاع عن أي احتمال لتصادم الناس بالشارع، خصوصا وأن التيار الذي وقف الى جانب الثورة منذ بدايتها، واستقال رئيسه من رئاسة الحكومة تلبية لرغباتها، لن يسمح باستغلال احتفالاته، وتحديدا ذكرى اغتيال مؤسسه الشهيد رفيق الحريري، لخلق مساحات تنازع بين اللبنانيين. هذا بالنسبة الى الشكل، فماذا عن المضمون؟

إن الوضعية السياسية التي يتواجد فيها سعد الحريري لم تحصل سابقا، فهو خارج الحكومة، كشخص وتيار، ورئيس الحكومة الجديد ليس من نادي رؤساء الحكومات، الذين تختلف أسماءهم ولا تختلف مشاريعهم السياسية، وعلاقات الحريري مع قوى 14 آذار ليست على ما يُرام، وتحديدا مع القوات اللبنانية، التي تخلّت عنه في لحظة سياسية حاسمة، فوضعته خارج الحكومة، وعلاقات الحريري مع الدول العربية، وتحديدا الخليجية منها ليست بأفضل أحوالها، رغم تسريب خبر عن لقاء قريب كان يُفترض أن يتم سابقا بين الحريري وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

إن هذه الوضعية التي يتواجد بها الحريري تجعل من خطابه في ذكرى اغتيال والده، نقطة مهمة في مسار تيار المستقبل، وفي هذا السياق تكشف المصادر السياسية بـ«المستقبل» ان الخطاب سيكون مهما بقدر أهمية ما يمرّ به التيار ولبنان، وسيتطرق لثلاثة جوانب رئيسية، الوضع المالي والنقدي، الوضع السياسي، وتوجهات تيار «المستقبل» بالمرحلة المقبلة.

بالجانب الأول، سيشدد رئيس تيار المستقبل على أن ما وصل إليه لبنان لم يكن بسبب رفيق الحريري، او ما يُعرف بالحريرية السياسية، وذلك ردّا على كل الاتهامات التي تُساق بحقه هذه الأيام، وسيذكر «النعم» التي تمتع بها لبنان خلال تلك السياسة، ويشدد على أن الضعف الاقتصادي بدأ منذ اليوم الاول لمرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري، لأسباب عديدة سيحاول المرور على أبرزها. وتشير المصادر الى أن سعد الحريري الذي يعلم دقّة المرحلة التي يمر بها لبنان، لن يفتح النار عشوائيا، ولكنه بالوقت نفسه لن يسكت عن تشويه «الحريرية السياسية»، ولن يرضى بتحريف الوقائع وتزويرها، وبالتالي سيرد بشكل مباشر على مهاجميه.

في السياسة، سينال فريق العهد حصته من هجوم الحريري ولو من دون تسميته، خصوصا أن هذا الفريق امضى الشهرين الماضيين في محاولة تحميل الحريري مسؤولية ما وصل اليه البلد، متناسين بحسب المصادر حصولهم على حصة الأسد في الحكومات السابقة خلال الأعوام العشرة الأخيرة، ولكنه لن يُطلق النار بخطابه على الحكومة، وهو الذي اعلن مرارا أنه مع إعطائها الفرصة لتحقيق ما يلزم لخروج لبنان من أزمته.

لا شكّ أن علاقة الحريري الجيدة مع حركة أمل وحزب الله ستنعكس خلال خطابه، فهو لن يفتح معارك مع هذا الفريق، ولكن هل هذا الأمر سببه الاتفاق بين الأطراف الثلاثة على تمرير المرحلة الحالية بأقل الأضرار، بانتظار عودة الحريري الى رئاسة الحكومة على مشارف الصيف المقبل؟ تقول المصادر أن الكلام عن إتفاق مماثل هو أمر صحيح، أما بالنسبة لعلاقة الحريري مع الفريق الشيعي، تقول المصادر: «لطالما كانت علاقة الحريري ممتازة مع رئيس المجلس نبيه بري، ولطالما كانت علاقته مع حزب الله محكومة بالمصلحة اللبنانية، الأمر نفسه الذي ينطبق على ما يجري بالمرحلة الراهنة»، مشيرة الى أن الحريري لن يهاجم من لم يهاجمه.

أما بالجانب الثالث، سيشدد الحريري على أن تيار المستقبل يعمل لاجل انتخابات نيابية مبكرة، ولو أن نتيجتها بالمرحلة الحالية قد تكون سلبية لكل القوى السياسية الموجودة في المجلس النيابي، وسيُعارض بطريقة إيجابية، داخل المجلس النيابي وخارجه، ولن يكون حجر عثرة أمام أي إصلاح، وسيحاول دعم الحكومة عندما تكون منتجة، ومهاجمتها عند التقصير.